الإنجازات الاستراتيجية للجبهة اليمنية في تحييد الأسطول الأمريكي وكسر شوكة الاقتصاد الإسرائيلي
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
12 أبريل 2026مـ – 24 شوال 1447هـ
مثّلت الجبهة اليمنية حجر الزاوية الذي اهتزت له عروش الطغيان، وتلاشت أمامه أوهام الهيمنة الأمريكية الصهيونية، فمنذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها اليمن دخوله خط المواجهة نصرة لإيران والمقاومة تحولت المعادلات كلها رأساً على عقب، وأفشل اليمنيون -بحكمتهم الإيمانية وبصيرتهم النافذة- مخططات كادت أن تشعل المنطقة.
لعل أبرز هذه الإنجازات وأعظمها أثراً هو ما تمكنت منه القوات المسلحة اليمنية من إجبار العدو الأمريكي الإسرائيلي على التخلي عن فكرة استخدام البحر الأحمر كمنطلق لعدوانه على إيران. لقد كان اليمن واضحاً وحاسماً منذ البداية، حيث أعلن تحذيراً لم يترك مجالاً للتأويل: إذا حاول أي عدو استخدام البحر الأحمر للاعتداء على إيران فإن مضيق باب المندب سيُغلق في وجه أمريكا و”إسرائيل”. وهذا الإغلاق -كما يدرك كبار الاستراتيجيين في العالم- يعني تقطيع أوصال الأسطول الأمريكي وجعل من الصعوبة بمكان على القوات الأمريكية أو الأوروبية الوصول إلى بحر العرب والخليج، الأمر الذي يعرقل أي مهام عسكرية تهدف إلى الاعتداء على الجمهورية الإسلامية. وهكذا -وبفضل هذا التهديد اليمني الحازم- لم يجرؤ العدو على استخدام البحر الأحمر طوال فترة التصعيد، وبات هذا الممر المائي الحيوي خارج حسابات البنتاغون تماماً.
القلق الأمريكي الإسرائيلي من التصعيد اليمني
صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية كانت قد كشفت عن البعد العسكري الاستراتيجي لهذا القرار اليمني الذكي، مشيرة إلى أن القوات المسلحة اليمنية نجحت في منع مرور حاملتي طائرات أمريكيتين في البحر الأحمر ومضيق باب المندب في حال قرر الرئيس دونالد ترامب فتح مضيق هرمز أو تنفيذ عملية واسعة في منطقة الخليج. وأضافت الصحيفة أن البنتاغون كان قد أعلن أن حاملة الطائرات “جورج بوش” في طريقها مع مجموعتها القتالية المكونة من ثلاث مدمرات نحو البحر المتوسط، في حين كانت حاملة الطائرات “جيرالد فورد” تُجري أعمال صيانة عاجلة، لكن التهديد اليمني قلَبَ كل هذه الترتيبات. والأكثر إثارة للقلق في التحليل الإسرائيلي هو اعترافهم بأن اليمنيين يمتلكون القدرة على تهديد حاملات الطائرات بصواريخهم المضادة للسفن وطائراتهم المسيرة وقواربهم المفخخة السريعة، بل وإغلاق مضيق باب المندب بالكامل، وهو سيناريو مرعب للقوى البحرية الغربية.
ولم تقف المخاوف عند الصحافة العبرية وحدها، بل امتدت إلى أعرق المؤسسات البحثية الغربية، فقد نقلت صحيفة “التايم” عن توماس جونو، الأستاذ بجامعة أوتاوا والزميل في تشاتام هاوس، قوله إن قرار اليمنيين بمهاجمة السفن مجدداً سيغير موازين القوى بالكامل، حيث سيُحدِثون تأثيراً في مسار الحرب أكبر بكثير من الرشقات الصاروخية المباشرة إذا ما بدأوا بإغلاق باب المندب. وأضاف جونو أن هذا السيناريو من شأنه أن يضاعف التأثيرات القوية للحرب على أسعار النفط والغاز الطبيعي والاقتصاد العالمي، ما يضع ضغوطاً هائلة على إدارة ترامب التي كانت تواجه -أصلاً- تحديات اقتصادية ناتجة عن إغلاق إيران لمضيق هرمز، وهكذا، تحول اليمن إلى لاعب عالمي لا يمكن تجاوزه.
التبعات الاقتصادية وإيقاف التصعيد العسكري
أما الجانب الاقتصادي فقد كان الأكثر إيلاماً للعدو وأكثرها إدهاشاً للمحللين. صحيفة “كالكاليست” الصهيونية المتخصصة في الشأن الاقتصادي نشرت تحليلاً أكدت فيه أن أكثر نقاط الضعف حساسية والتي تخشاها “إسرائيل” هي الوقوع في “فخ البحر الأحمر” وما سيترتب عليه من تداعيات مباشرة على الاقتصاد الصهيوني. واعتبرت الصحيفة أن الانخراط الدراماتيكي لليمنيين في هذه الحرب يرفع -إلى الواجهة- معضلةَ التقلبات الاقتصادية التي ستطال الاقتصاد العالمي والإسرائيلي على وجه الخصوص إذا نقلوا المعركة إلى البحر الأحمر.
وحذرت من أن التداعيات الاقتصادية لإعلان اليمنيين بدأت تتراكم حتى “قبل اعتراض” أول صاروخ أطلق من اليمن إلى النقب، مشيرة إلى أن محاولات السعودية للهروب بناقلات النفط العملاقة والالتفاف على مضيق هرمز عبر ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر ستصبح بلا جدوى إذا ما قرر اليمنيون إغلاق باب المندب، وهذا يمثل ضربة قاتلة لإمدادات الطاقة، ليس للعدو الإسرائيلي فحسب، بل للعديد من الدول في كل قارات العالم، وبهذا استطاع اليمن فرملة التهور الأمريكي الإسرائيلي واندفاعهما أكثر نحو تصعيد العدوان على إيران.
إفشال توسيع العدوان على إيران
لم يقتصر الإنجاز اليمني على الجانب العسكري والاقتصادي فحسب، بل امتد إلى الجانب السياسي الدبلوماسي عبر إنجاز استراتيجي هائل تمثل في تحييد الدول الخليجية ومنعها من الانضمام إلى التحالف الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران، لقد أعلن اليمن -بوضوح- أن أي توسيع للتحالف ضد إيران سيقابَل بتصعيد عسكري واستخدام للبحر الأحمر، ما يعني استهداف الناقلات النفطية لأي دولة تجرؤ على الدخول في هذا التحالف المشؤوم. وهذه الرسالة القوية والحاسمة جعلت الدول الخليجية تتراجع عن أي تفكير في الانخراط المباشر في الحرب، وفضلت عدم المخاطرة بمصالحها النفطية الحيوية التي تمر عبر باب المندب. وهكذا، أفشل اليمن مخططاً أمريكياً كان يهدف إلى تشكيل حلف إقليمي واسع ضد إيران، وترَكَ العدوَ الأمريكي الإسرائيلي وحيداً يواجه معادلة معقدة لا حل لها.
التجربة اليمنية وتأثيرها على الاقتصاد الأمريكي الإسرائيلي
أما في أعقاب العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران بتاريخ 28 نوفمبر، فقد برزت في الخطاب التحليلي الإسرائيلي -سواء على مستوى الخبراء أو وسائل الإعلام العبرية- حالة من القلق المتزايد إزاء احتمالية اتساع نطاق المواجهة ليشمل الجبهة اليمنية على وجه الخصوص. ركزت هذه التحليلات على التداعيات المحتملة لمثل هذا السيناريو على المنظومة الأمنية الإسرائيلية، لا سيما في ظل ما يعتبره العدو الإسرائيلي تهديداً استراتيجياً متمثلاً في تفعيل “وحدة الساحات”، التي يُنظر إليها كأحد أخطر التكتيكات العسكرية القادرة على استنزاف قدرات “إسرائيل” الدفاعية عبر تعدد الجبهات وتزامنها. وقد سعى العدو الإسرائيلي منذ اندلاع معركة طوفان الأقصى إلى احتواء هذا التهديد ومنع تحققه بكل الوسائل، لكن إعلان اليمن دخوله المباشر في المواجهة مثّل تحولاً نوعياً في مسار الأحداث، تجسد في تنفيذ هجمات بصواريخ باليستية استهدفت مواقع حساسة في جنوب الأراضي المحتلة وصولا إلى “تل أبيب”، ما أسهم في تصاعد ملحوظ في مستوى القلق داخل الأوساط الإسرائيلية.
وتجلت عبقرية الإنجاز اليمني في قدرته على استثمار تجربة حرب إسناد غزة خلال العامين الماضيين، حيث انخرطت صنعاء في مواجهة مباشرة مع العدو الإسرائيلي الأمريكي، وأظهرت بعداً اقتصادياً واضحاً للصراع تجاوز الإطار العسكري التقليدي. فقد تركزت تلك المواجهة في محورين رئيسيين:
الأول تمثل في الحصار البحري عبر حظر الملاحة الإسرائيلية في البحرين الأحمر والعربي، ما أدى إلى شلل كلي في ميناء “إيلات” وإعلانه الإفلاس، إضافة إلى انعكاسات مباشرة على أسعار السلع في الداخل الإسرائيلي.
أما المحور الثاني فتمثل في فرض حظر جزئي على الملاحة الجوية الإسرائيلية من خلال استهداف المطارات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ما أسهم في حالة من الشلل شبه الكلي للحركة الجوية، وأدى إلى تكبيد العدو الإسرائيلي خسائر اقتصادية فادحة. وعودة انخراط الجبهة اليمنية في التصعيد تعني -عملياً- إعادة تفعيل أدوات الضغط الاقتصادي ذاتها، وهو ما دفع قوى العدوان إلى استجداء الصلح عبر باكستان خوفاً من الرد الإيراني المؤثر والفاعل، وكذلك خوفاً من تبعات الموقف اليمني الحازم.
صحيفة “كالكاليست” كانت قد حذرت في تحليل موسع، حيث أشار الكاتب “دورون بسكين” إلى أن إعلان اليمنيين الانخراط في المواجهة أعاد تسليط الضوء على نقاط ضعف بنيوية في الاقتصاد العالمي، موضحاً أن البحر الأحمر يُنظر إليه -مجدداً- كممر محفوف بالمخاطر بالنسبة لشركات الشحن والتأمين. وبيّن أن القوة الحقيقية لليمنيين لا تكمن في القدرة على الإغلاق الكامل للمضيق، بل في خلق ما يُعرف بـ”علاوة المخاطر” التي تدفع الشركات إلى إعادة تقييم مساراتها، ما يؤدي إلى اضطرابات في حركة التجارة. وأضاف التحليل أن دخول صنعاء على خط المواجهة حوَّل القلق من مجرد اضطراب تشغيلي مؤقت إلى اضطراب هيكلي طويل الأمد في سلاسل التوريد بين آسيا وأوروبا، وهو ما عكس انتقال التأثير من نطاق محلي إلى نطاق عالمي. وربط التحليل بين مضيق باب المندب ومضيق هرمز بكونهما نقطتي ضغط استراتيجيتين، حيث يمثل الأول رافعة تأثير على حركة الحاويات والبضائع، بينما يُعد الثاني رافعة ضغط على أسواق الطاقة، وعند تزامن التهديد في المنطقتين -حتى دون إغلاق كامل لأي منهما- فإن النتيجة المتوقعة تتمثل في تصاعد الضغوط التضخمية على المستوى العالمي.
أما القناة 12 العبرية فذهبت إلى أبعد من ذلك في تقرير لها، حيث اعتبرت أن التصعيد في البحر الأحمر ومضيق باب المندب “يهدد شريان الحياة للاقتصاد العالمي”، إذ يؤدي إلى إجبار شركات الشحن على تغيير مساراتها، ما يترتب عليه تأخيرات في الإمدادات وارتفاع في الأسعار، إلى جانب إثارة قلق واسع لدى المؤسسات المالية العالمية. وأشار التقرير إلى الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر كممر رئيسي لنقل النفط والغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية، حيث يؤدي أي اضطراب أمني في هذا المسار إلى انعكاسات فورية على أسعار الطاقة العالمية. وفي السياق ذاته أشار موقع “أكسيوس” إلى أن دخول اليمنيين على خط المواجهة لا يقتصر على دعم إيران ومحور المقاومة فقط، بل قد يسهم في تفاقم أزمات الطاقة والشحن المرتبطة أصلاً بتوترات مضيق هرمز، مشيراً إلى أن الهجمات الأولى لليمنيين أدت إلى تحركات فورية في الأسواق تمثلت في ارتفاع أسعار النفط الخام إلى مستويات تجاوزت 116 دولاراً للبرميل، وهو ما يعكس حساسية الأسواق تجاه أي تصعيد في هذه المنطقة.
ما يمكن استخلاصه من كل هذه المعطيات والتحليلات -سواء الإسرائيلية أو الغربية- هو أن الجبهة اليمنية مثلت تحدياً استراتيجياً معقداً يصعب احتواؤه أو كسره. ورغم الغارات الإسرائيلية والأمريكية والبريطانية خلال العامين الماضيين، لم تُحدث هذه الهجمات أثراً حاسماً على مسار العمليات العسكرية اليمنية، حيث واصلت القوات اليمنية التصعيد عبر مراحل متتالية، بما يعكس قدرة هائلة على التكيف وتطوير أدوات المواجهة.
