السيد القائد يكرّس “وحدة الساحات” درس الجولة الأخيرة وعنوان المرحلة القادمة
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
10 أبريل 2026مـ – 22 شوال 1447هـ
تقرير || يحيى الشامي
جاءت كلمةُ السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله) الأخيرة، لتكون وثيقة تحليلية متكاملة فككت أبعاد العدوان الأخير على الجمهورية الإسلامية في إيران على ضوء ما أفرزته المواجهة الأشرس في تاريخ الصراع مع العدو، ووضعت أمام الأمة خريطة طريق لقراءة المشهد في “ما بعد فشل العدوان”. يمكن وصف الكلمة بـ”بيان النصر الحذر”، ليس فقط لإيران وحلفائها، بل لكل مشروع مقاوم يرفض الذل والاستباحة، لجميع أحرار الأمة وحملة مشاريع المناهضة للطواغيت في العالم.
في هذا التقرير نسلط الضوء على أبرز المحطات الحضارية والسياسية الكبرى التي أوردها الخطاب، والدروس العميقة التي لفَتَ السيد إليها.
قدم السيد ما يُشبه “وثيقة انتصار”، وقراءةً استراتيجية لمرحلة ما بعد العدوان على إيران في كلمته التي أطلَّ فيها بعد يومين من التهدئة، وضع النقاط على الحروف، موضحاً أن الصراع تجاوز كونه حدودياً أو سياسياً فحسب، إلى حقيقة أنه “صراع حضاري” وجودي بين أمة تنشد التحرر، وعدو صهيوني يسعى لاستعباد الجغرافيا والتاريخ، ويرمي بكل وسائله الناعمة والخشنة لفرض حالة استباحة غير مشروطة لكل الأمة.
بدأ السيد القائد بتفكيك نتائج العدوان على الجمهورية الإسلامية، مؤكداً أن الإعلان عن وقف إطلاق النار وفق المبادئ الإيرانية هو “انتصار كبير وعظيم” كان ثمرةً لصلابة النظام الإسلامي وقوة مؤسساته وبنيته، والتفافِ الشعب الإيراني المسلم المجاهد حول قيادته في حالة رسمت ما يمكن تقديمه كأنموذج يستحق الاحتفاء، وأشار السيد إلى أن العدو الصهيوني والأمريكي حاول بخبثٍ “استهدافَ مقدرات الحياة والحضارة”، عبر قصف الجامعات والمكتبات، في محاولة بائسة لكسر إرادة شعب، وتدمير مقدراته وركائز قوته الحضارية التي قامت عليها إيران وحققت منجزات عظمى تعد مكسباً لكل المسلمين. إلا أن النتيجة جاءت عكسية؛ إذ خرجت إيران “أقوى مما كانت”، وأثبتت أن “الارتهان للأعداء لا يمكن أن يكون سبيلاً للقوة”، وأن الاستقلال والاعتماد على الذات -كما هي أهداف وأسس الثورة الإسلامية في إيران- هي السر الذي صنع هذا الصمود الأسطوري والانتصار الاستثنائي.
“وحدة الساحات” نحو اشتباك شامل ودفاع متكامل
في الزاوية الأهم من الخطاب، توقف السيد القائد عند “وحدة الساحات” كأهم ثمرة أنتجها هذا الصمود، حين كرّس فكرة وحدة الساحات كخط دفاع شامل من فلسطين إلى لبنان والعراق و إيران واليمن، بالاستفادة من الاشتباك الأخير الذي حولها فعلياً إلى “واقع عملياتي” أعجزَ العدو وأربك حساباته. فالجبهة اللبنانية حيث وضع السيد “حزبَ الله” في صدارة المواجهة، مشيداً بزخمه العملي الذي ألحق بـ”إسرائيل” خسائر فادحة، مروراً بالجبهة العراقية التي وصفها السيد بـ”الشجاعة والوفاء”، حيث بلغت عملياتها وتيرة غير مسبوقة ضد القواعد الأمريكية، ما حوّل “حماية الأغيار” إلى عبء أمني وعسكري، ووصولاً إلى الجبهة اليمنية حيث أكد السيد -من واقع السيادة المكتملة والانخراط الكبير في المعركة- أن اليمن نجح في “منع العدو من الاستخدام العسكري للبحر الأحمر بشكل تام”، وهي معادلة غيرت موازين القوى البحرية دولياً، وتأتي تتويجاً لما راكمه اليمن من إنجازاته السيادية على مسرح القوات المسلحة اليمنية في أتون المواجهات السابقة مع العدو الصهيوني والأمريكي والبريطاني.
لخص السيد معادلةَ وحدة الساحات، وقدَّمها بديلاً مواجهاً وحلاً عملياً عن معادلة الاستباحة التي لا يفتأ العدو يحاول فرضها بالقوة على أمتنا. يلفت السيد إلى أهمية أن تستمر الأمة –بدءاً بالمحور– بالتحرك ضمن “مسار تصاعدي وخطط مدروسة”، وأن أي محاولة للاستفراد بجبهة دون أخرى ستواجَه بِردٍّ جماعي، محذراً: “لن نسمح أبداً بأن يتفرد العدو “الإسرائيلي” بأي جبهة من جبهات المحور”. يفرد السيد جزءاً كبيراً من كلمته للحديث عن جدوائية استراتيجية وحدة الساحات، وخطورة سعي العدو لتفكيك الأدوار وتفتيت الجبهات والتفرد بها واحدة تلو أخرى، يستند السيد إلى تجارب مريرة عاشتها الأمة أخرها معارك الطوفان وأولها معارك العدو الصهيوأمريكي مع أعدائه الذين صاروا حلفاءه اليوم، ويستشهد السيد بحالة المؤازرة الكبرى التي يحظى بها الكيان الصهيوني من مختلف الدول الغربية، والمساندة له والدعم بكافة صنوف الإسناد من الموقف السياسي إلى الجسور الجوية والبحرية لرفد وتعبئة مخازن أسلحته.
الدروس السياسية.. سقوط “المتاريس” العربية
بموضوعية لا تخلو من المرارة، حلل السيد القائد موقف بعض الأنظمة العربية التي اختارت الخنوع، كاشفاً عن أن هذه الأنظمة تحولت إلى “متراس يحتمي به الأمريكي”، وهو توصيف دقيق يوضح كيف فقدت هذه الأنظمة دورها كحامية لأمن شعوبها، لتصبح مجرد “دروع بشرية” للقواعد الأمريكية وللكيان الصهيوني.
استثمر السيد حوادث الجولة الأخيرة من الصراع، والتي تخلى فيها الأمريكي كلياً عن شعاراته وأهداف تواجده العسكري في المنطقة، ليصرف كل موارده العسكرية ناحية كيان العدو الإسرائيلي للدفاع عنه وحمايته من الصواريخ الإيرانية، متجاهلاً كلياً وعوده للأنظمة التي تتواجد في بلدانها قواعده بحمايتها وتأمينها، ومنها أوضح السيد أن “الرهان على الحماية الأمريكية هو رهان سراب”، فبدلاً من أن توفر القواعد الأمريكية الأمن لتلك الدول، باتت تلك الدول هي من تستنزف مقدراتها لحماية تلك القواعد من ضربات المقاومة.
البُعد الحضاري.. المواجهة مع “المافيا” الصهيونية
لم يغفل السيد القائد عن وصف الطبيعة الإجرامية للعدو، واصفاً قادته (ترامب ونتنياهو) بأنهم يتحركون بعقلية “المافيا” التي لا تحترم قوانين ولا مواثيق، وهو ما كشفته تصرفاتهم وتصريحاتهم التي هددت بـ “إزالة حضارة”، ويعد توصيف السيد لهذه العقلية الاجرامية بمثابة تشخيص يتجاوز الوصف العسكري إلى التحليل الثقافي؛ فالعدو يستهدف “مصر والعراق والجزيرة العربية وبلاد الشام” تحت عنوان “تغيير الشرق الأوسط”، وهنا تبرز أهمية استنهاض الوعي الشعبي، حيث أكد السيد أن المعركة هي معركة “وعي وفهم” قبل أن تكون معركة صواريخ ومسيرات، وقد قدم فيها العدو من الشواهد والأدلة ما يزيح اللثام عن كل أهدافه الفعلية المؤدلجة والمختبئة خلف سواتر الشعارات الدينية والعقائدية المحرفة، توظيفاً لتبرير جرائم الصهيونية وتمرير مخططاتهم التوسعية الساعية لإخضاع ا لجميع والسيطرة الشاملة على كل المنطقة شعوباً وموارد وجغرافيا ومقدّرات.
الفعل الشعبي كظهير عسكري
اختتم السيد خطابه بالدعوة إلى “الخروج المليوني”، وهي دعوة تحمل في طياتها دلالة عسكرية وسياسية؛ فالزخم الشعبي في اليمن هو “الوقود” الذي تستمد منه القيادة قوتها في اتخاذ القرارات الجريئة.
فالنصر الذي تحقق في إيران هو نصر لكل “أحرار العالم”، والطريق إلى القدس بات أقصر بفعل “تكامل الجبهات”، ووحدة الساحات اليوم باتت واقعاً عملياً مدعوماً بالإرادة ومشهوداً بالتجارب، ولا يمكن تجاوزه لما يمتلك من أوراق قوة تؤهله لخوض المعركة بجدارة، يقابله سقوط النفوذ الأمريكي بكل ترسانته العسكرية والتفوق التكنولوجي، والأهم سقوطه الأخلاقي الذي شاهده العالم كما لم يحدث من قبل.
أحيا السيد القائد في كلمته مفهوماً ليس بجديد للمقاومة، لكنه أجاد توظيف أهميته بالاستناد إلى المعركة الأخيرة، مؤكدا -كما في كل خطاباته وكلماته- أن الوعد يبقى أمل المجاهدين بحتمية “زوال الكيان الصهيوني” ورفض “معادلة الاستباحة”، مجدداً التأكيد أن الصراع الأخير أثبت أن المحور يمتلك اليوم “القدرة والجرأة” على خنق العدو اقتصادياً وعسكرياً، وأن وحدة الساحات هي الضمانة الوحيدة لإجهاض المخطط الصهيوني الكبير.
دول المحور اليوم -وبشهادة هذا الخطاب- لم تعد تتلقى الضربات فحسب، بل باتت هي من “تفرض المبادئ” وترسم حدود “التهدئة” و”التصعيد”، والساحات جبهة مفتوحة لكل الأمة من شاء منهم أن يتفادى ضربات العدو التي لاتستثني “صديقاً” ولا ترحم “حليفا”.
