استراتيجية الفجوة الرادارية: كيف صممت إيران “المناطق العمياء” لاصطياد القوة الأمريكية؟
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
8 مارس 2026مـ – 19 رمضان 1447هـ
تقريــر || إبراهيم العنسي
حشدت واشنطن ترسانة ضخمة إلى المنطقة، بينما كانت القواعد الأمريكية في الخليج تستعد لتفعل فعلها في توجيه أسراب الطائرات المقاتلة والمسيرة نحو أهدافها في عمق طهران. كان هذا الأمر بحاجة لتحرك سريع ومباشر لضرب وجه العدو وربما لفقء عينه التي يرى بها في الخليج والمنطقة.
منذ اليوم الأول ركزت الاستراتيجية الإيرانية بشكل مكثف على تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي الحساس والذي سيتوقف عليه شكل المعركة واتجاها ومستقبلها، حيث كان لابد من استهداف رادارات الإنذار المبكر بعيدة المدى ومنظومات التتبع التابعة للولايات المتحدة والعدو الإسرائيلي في المنطقة والتي يتركز الجزء الهام منها في الخليج.
ضربة “العين الاستراتيجية”
كان الهدف الأبرز في اليوم الأول من الحرب هو شل قدرة الرصد بعيد المدى للولايات المتحدة في الخليج، لذا سارعت إيران لاستهداف رادار الإنذار المبكر العملاق “AN/FPS-132” التابع للقوات الجوية الأمريكية، شمال قطر “موقع شراعوه”. هذا الرادار يعد من أهم الرادارات في العالم بقدرة رصد تصل إلى 5000 كم، وهو المسؤول عن تتبع الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وتم استهدافه بمزيج من صواريخ “فتاح-2” الفرط صوتية وطائرات مسيرة انتحارية لإشغال الدفاعات الجوية. ولتحييد وإضعاف عمليات الاعتراض للهجمات الإيرانية، تم استهداف مراكز القيادة والسيطرة المرتبطة بشبكة الرادار الإقليمية التابعة لـ (CENTCOM)، في قاعدة العديد الجوية في قطر. هذه المراكز هي “الدماغ” الذي يحلل البيانات القادمة من الرادارات المنتشرة في دول الخليج، الأردن، والعراق، والسفن الحربية في البحر، والذي يقوم بتنسيق العمليات الجوية وتوجيه عمليات الاعتراض ضد الطائرات بدون طيار (Drones) والصواريخ الباليستية.
والمعلوم أن العمليات المشتركة الأمريكية CENTCOM””، ترتبط بمراكز قيادة وسيطرة تابعة للدول الشريكة مثل السعودية، الإمارات، الأردن، والكويت، ويتم تبادل البيانات عبر وصلات بيانات تكتيكية مثل Link 16، ما يسمح للرادارات المحلية “بالتحدث” مع الأنظمة الأمريكية.
كما تم استهداف “مركز خدمات الأسطول الخامس” في قاعدة الجفير بالبحرين، في اليوم الأول والثاني، والهدف من الضربات كان تدمير السفن وفي نفس الوقت استهداف البنية التحتية للاتصالات الفضائية (SATCOM) ومنظومات الربط المعلوماتي (Data Links) التي تتيح للأسطول الخامس تبادل بيانات الرادار مع قاعدة “العديد” في قطر ومع السفن في عرض البحر.
“ولم يترك المخطط الإيراني مجالاً للصدفة؛ ففي الساعات الأولى من اليوم الأول، كان التزامن هو سيد الموقف. فبينما كان رادار قطر يتهاوى، كانت مسيرات ‘شاهد’ تنهال على قاعدة ‘موفق السلطي’ في الأردن لـ “فقء العين” الغربية ومنع المقاتلات من رصد المسار المار عبر البادية. ومع حلول اليوم الثاني، وُجهت ضربة قاصمة لـ قاعدة الأمير سلطان في السعودية، استهدفت تحديداً ‘عقد الاتصال’ البديلة، ليُقطع بذلك عصب الحياة عن أي محاولة أمريكية لنقل إدارة المعركة من قطر إلى العمق السعودي. هذا التنسيق الزمني حوّل المنطقة في اليوم الثالث إلى ‘صندوق أسود’ لا يرى فيه الأمريكي إلا ما تسمح به رادارات سفنه المنهكة.”
في اليوم الثاني والثالث من الحرب، توسعت العمليات لتشمل تعطيل الدفاعات الصاروخية “ثاد” و”باتريوت” عبر استهداف رادارات التوجيه الخاصة بها؛ وهي رادارات AN/TPY-2K ، وقد تم الإبلاغ عن محاولات استهداف لرادارات نظام “ثاد” المحمولة في عدة مواقع بالخليج، وهي الرادارات المسؤولة عن توجيه الصواريخ الاعتراضية.
وبالنسبة لمنظومات الإنذار داخل الكيان الإسرائيلي، فقد استهدف الحرس الثوري الإيراني بصواريخ “خيبر شيكن” مواقع مرتبطة بقيادة بسلاح جو العدو ومنظومات تتبع في النقب (بالقرب من قاعدة نيفاتيم) لإضعاف قدرة منظومة “السهم” (Arrow) على اعتراض الموجات التالية.
عندما استهدفت إيران مراكز القيادة والسيطرة التابعة لـ (CENTCOM)، كانت تعتبر البحرين “العقل المدبر” للعمليات البحرية وقطر “العين الكبرى” للرصد الجوي. ضرب البحرين كان يعني بالضرورة شل قدرة الأسطول الخامس على تنسيق دفاعاته الصاروخية مع بقية الحلفاء في المنطقة، ما خلق حالة من “الارتباك المعلوماتي” في الأيام الأولى للمواجهة.
وإلى جانب استهداف العقل المحلل والعين الكبيرة، في قطر والبحرين، اعتمدت إيران استراتيجية “التعمية الطبقية”، والتي شملت تدمير رادارات متخصصة ومنظومات إنذار كانت تُعتبر الحصن الأخير الذي يحمي العمق الإسرائيلي والقواعد الأمريكية.
وباستهداف رادارات “دفاعات العمق” الإسرائيلي في الأيام الأولى (1-2 مارس) حيث رادار AN/TPY-2 في النقب والذي يُعرف بـ “رادار ديمونا” أو رادار “جبل كيرين”، فهذا يعني تعطيل منظومة “Arrow-3″، وجعل العدو الإسرائيلي يعتمد فقط على الرادارات المحلية قصيرة المدى (مثل رادار الراز – ELM-2084)، وهو ما يسهل اختراق سمائه. حيث أن “رادار ديمونا” يعتبر الأغلى والأكثر تطوراً في العالم، وهو مخصص لرصد الصواريخ الباليستية في مراحل انطلاقها الأولى.
في اليوم الثاني والثالث، تعرضت قاعدة “ميرون” الجوية شمال فلسطين المحتلة لضربات مكثفة بالتنسيق مع المقاومة الإسلامية في لبنان. هذه القاعدة هي المسؤولة عن مراقبة حركة الطيران في الحوض الشرقي للمتوسط، وتعطيلها يعني شل قدرة سلاح الجو الإسرائيلي على رصد المسيرات القادمة من الجهة الشمالية والغربية.
وفي اليوم الرابع والخامس انتقلت إيران لاستهداف التغطية البحرية، وانتقل التركيز إلى الرادارات التي تحمي القطع البحرية والمنافذ الحيوية، لذا تم استهداف رادارات المراقبة البحرية ومنظومات الاتصالات في المنامة في مقر الأسطول الخامس (البحرين)، ما أدى إلى أضرار في بنية التتبع السطحي والجوي.
وإلى جانب هذا تم ضرب رادارات التوجيه في قاعدة “علي السالم” بالكويت وقواعد في الإمارات لتقليص قدرة الطائرات الاعتراضية على الإقلاع تحت غطاء راداري آمن. واستُهدفت أبراج الاتصالات المشفرة في قاعدة “علي السالم” بالكويت وقاعدة “الظفرة” بالإمارات. والهدف ليس الرادار نفسه، بل “القناة” التي تنقل بيانات الرادار إلى بطاريات الصواريخ؛ فبدون هذه الوصلات، يصبح الرادار (حتى لو كان سليماً) معزولاً وغير قادر على إعطاء أوامر الإطلاق للبطاريات.
في اليوم السادس والسابع وصل الامر إلى مرحلة “الإغراق الكمي وتعمية الأهداف”، وفي هذه المرحلة، استخدمت إيران تكتيكات “الإغراق” لإنهاك ما تبقى من منظومات الإنذار والانتقال إلى تكتيك “الخداع الراداري”، حيث أطلقت إيران مئات الطائرات المسيرة الرخيصة من طراز “شاهد” بالتزامن مع إطلاق صواريخ باليستية، ما أجبر الرادارات المتبقية على “الاشباع المعلوماتي”، حيث تعجز المنظومة عن تحديد الأهداف الحقيقية وسط آلاف الأجسام الطائرة. ولتعميق حالة العمى لدى العدو فقد تم استهداف محطات إنذار مبكر صغيرة على الحدود العراقية والأردنية لإنشاء “ممرات عمياء” تسمح للصواريخ الإيرانية بالمرور نحو أهدافها في العمق دون رصد مبكر.
هذه الاستهدافات أدت إلى ما وصفته تقارير استخباراتية بـ “الفجوة الرادارية”، وفقدت القوات الأمريكية و”الإسرائيلية” في الأيام الأولى جزءاً كبيراً من قدرتها على “الرصد خلف الأفق”، وهذا سمح لعدد أكبر من الصواريخ الإيرانية بتجاوز الدفاعات الجوية في الموجات اللاحقة.
عيون العدو في أوروبا
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد حيث اُستُهدفت العيون الاستخباراتية للعدو في قاعدة “أكروتيري” البريطانية في قبرص، ففي اليوم الثالث (2 مارس)، استهدفت إيران بمسيرات انتحارية القاعدة البريطانية. هذه القاعدة تضم رادارات إنذار مبكر ومحطات تنصت إلكتروني ضخمة تراقب الشرق الأوسط بالكامل. وقد كان الهدف من ضربها منع “بريطانيا والولايات المتحدة” من تقديم معلومات رادارية فورية لـ “إسرائيل” حول مسارات الصواريخ المنطلقة من غرب إيران.
ولضرب “العين الطائرة” في سماء الخليج، كثفت إيران في اليوم الرابع والخامس من استخدام منظومات الدفاع الجوي (مثل خرداد 15) لاستهداف طائرات الاستطلاع المسيرة الأمريكية التي تعمل كـ “رادارات طائرة” فوق الخليج، لسد الفجوة الناتجة عن تدمير الرادارات الأرضية.
بعد أن نجحت إيران في “فقء الأعين” البرية حيث “الرادارات الاستراتيجية في قطر والنقب والبحرين” خلال الأيام الأولى، وجد التحالف الأمريكي نفسه مضطراً بين اليوم الخامس والسابع للاعتماد كلياً على رادارات الأسطول (نظام إيجيس) وطائرات الإنذار المبكر (E-2D Hawkeye) المنطلقة من حاملات الطائرات “فورد ولينكولن” في بحر العرب وخليج عمان.
استنزاف (نظام إيجيس)
للمعلوم أن حاملات الطائرات في الوضع الطبيعي، تعتمد على رادارات الإنذار البعيد في قطر والبحرين لتعرف بوجود هجوم صواريخ باليستية قبل وصولها بـ 10-15 دقيقة.
لكن بعد تدمير رادار قطر ورادار النقب، تقلص زمن الإنذار المبكر للحاملة من دقائق إلى ثوانٍ معدودة بين 30-90 ثانية. لذا اضطرت السفن المرافقة لحاملة الطائرات لتشغيل راداراتها الخاصة ببيانات كاملة، ما جعلها “مصابيح مضيئة” في البحر، سهلة الرصد من قبل الصواريخ الإيرانية الجوالة المضادة للسفن. ومع اضطرار “نظام إيجيس” للعمل بشكل منفرد، فإن هذا جعله أقل كفاءة في مواجهة الهجمات التي تصل في شكل “أسراب” تشنها إيران بمزيج من الزوارق السريعة، والمسيرات، والصواريخ الجوالة في آن واحد.
ومع محاولة الولايات المتحدة تعويض غياب الرادارات الأرضية بتكثيف طلعات طائرات E-2D Hawkeye وهي عبارة عن “رادارات طائرة”، لجأت إيران لاستخدام تكتيك مناسب بإطلاق صواريخ دفاع جوي بعيدة المدى مثل (صياد-4B ومنظومة باور 373) لاستهداف هذه الطائرات تحديداً فوق مياه الخليج وبحر العرب. هذا التكتيك الناجح أدى إلى تراجع طائرات الرادار الأمريكية بعيداً عن السواحل الإيرانية، وخلق “ثقوباً سوداء” في التغطية الجوية، سمحت للمسيرات الانتحارية الإيرانية بالاقتراب من مجموعة حاملة الطائرات دون رصدها حتى اللحظات الأخيرة.
ومع ضرب مراكز القيادة والسيطرة المرتبطة بـ (CENTCOM) في البحرين، فقدت حاملة الطائرات القدرة على تلقي إحداثيات الأهداف من الأقمار الصناعية والرادارات الأرضية بشكل فوري.
هروب حاملة الطائرات
وفي ظل تزايد الضغط الراداري في اليومين السادس والسابع، وأطلاق إيران صواريخ “خرمشهر” و”سجيل” لتعمل كأهداف جاذبة للرادارات، فإن هذا العمل الذي تم على مراحل استنزف مخزون الصواريخ الاعتراضية (SM-3 وSM-6) على المدمرات المرافقة للحاملة، وكانت واشنطن أمام قرار اصعب في ظل خطر “العمى” ونفاد الصواريخ الدفاعية، فاضطرت قيادة الأسطول الخامس لإصدار أوامر بتحريك حاملات الطائرات أكثر من 500 كم بعيداً عن السواحل الإيرانية إلى عمق بحر العرب، لخروجها من “منطقة القتل” الرادارية، ما جعل طائرات (F-35) و(F-18) على متنها غير قادرة على الوصول للأهداف الإيرانية دون عمليات تزويد بالوقود معقدة وخطرة.
وبحلول اليوم السابع، تحولت حاملة الطائرات من “أداة هجومية مرعبة” إلى “هدف يحاول البقاء على قيد الحياة”. فبدون شبكة الرادار الإقليمية التي دمرتها إيران بكفاءة مدهشة، أصبحت حاملة لطائرات مثل “ملاكم قوي” يقاتل في غرفة مظلمة؛ يمتلك القوة، لكنه لا يرى من أين ستأتي اللكمة القادمة.
بعد هذا الإنجاز الإيراني الكبير انتقلت إيران إلى مرحلة تالية في الميدان.
بمجرد أن أطبق “العمى الراداري” على الأسطول الأمريكي وحلفائه بحلول اليوم الخامس والسادس، وظفت إيران هذه الثغرات التقنية لتنفيذ استراتيجية “السيطرة” على مضيق هرمز ومحيطه.
فبعد تدمير رادارات المراقبة الساحلية في البحرين والإمارات وتعطيل رادارات السفن الكبرى بفعل الإغراق، أطلقت إيران أسراباً من الزوارق السريعة الانتحارية والمزودة بصواريخ قصيرة المدى. هذه الزوارق تتميز بظهور راداري “ضئيل جداً”، ومع غياب التغطية الجوية من طائرات (Hawkeyee) التي أُجبرت على التراجع، تمكنت هذه الزوارق من الاقتراب لمسافات “صفر” من السفن التجارية والقطع العسكرية التابعة للتحالف دون رصدها، وفرضت إيران “منطقة حظر بحري” فعلية في مضيق هرمز، حيث لم تعد السفن تجرؤ على العبور دون إذن إيراني مباشر.
