كيف حول أهالي ريمة المعاناة إلى مشاريع تنموية مستدامة؟

0

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
25 فبراير 2026مـ – 8 رمضان 1447هـ

تقريــر || محمد ناصر حتروش

تشهد محافظة ريمة نشاطاً مجتمعياً متزايداً يعكس إرادة سكان الريف في مواجهة تحديات العزلة ونقص الخدمات الأساسية، ضمن سياق متكامل يربط بين العمل الشعبي والدعم المؤسسي. ففي مديرية الجعفرية، يواصل أبناء بني الغزي تنفيذ مبادرتين محوريتين، تتمثل الأولى في رصف الطريق الوحيد الذي يربط قراهم بالمراكز الحيوية، والثانية في تأهيل مدرسة الوادي الأخضر، والتي كانت تعاني تدهوراً في بنيتها التعليمية.

وتعكس هذه المبادرات تضحيات الأهالي، الذين يساهمون بإمكاناتهم المحدودة، ويبيع بعضهم ممتلكاته لدعم المشاريع، بينما تقدم النساء تضحيات مماثلة، حيث تأتي الجهود بدعم من وحدة التدخلات المركزية ومؤسسة بنيان التنموية، بما يضمن إشراك المجتمع بشكل مباشر في التنفيذ.

وتجسد هذه التحركات قدرة المجتمع على المبادرة الذاتية في مواجهة الإهمال، وترسيخ ثقافة الصمود، مع خلق بيئة قادرة على تثبيت السكان والحد من نزوحهم، وتحويل الاحتياجات اليومية إلى مشاريع تنموية عملية مستدامة تصون حق الصحة والتعليم والخدمات الأساسية.

في السياق، ينفذ أبناء بني الغزي في مديرية كسمة بمحافظة ريمة مبادرة رصف الطريق على ثلاث مراحل، بكلفة إجمالية تقارب خمسة عشر مليون ريال، سعياً لإنهاء معاناة استمرت سنوات طويلة بسبب وعورة الطريق وانقطاعه خلال المواسم الممطرة.

ويقول أحمد حسن وهو أحد المساهمين في المبادرة، :” كانت حالات نقل المرضى تتم عبر الأكتاف والدواب، ما أدى إلى فقدان حياة العديد من الحالات قبل الوصول إلى العلاج، الأمر الذي جعل الطريق أولوية قصوى للمجتمع المحلي. المرحلة الأولى شملت فتح وشق المسار، فيما نفذت المرحلة الثانية بتمويل مجتمعي مباشر يقارب ثلاثة ملايين ريال، بينما تحتاج المرحلة الثالثة لاستكمال الرصف ومعالجة المقاطع الوعرة، ويستمر المواطنون في دعم المشروع عبر مساهماتهم المحدودة، بما فيها بيع بعض الممتلكات، بينما ساهمت نساء ببعض الحلي لدعم التنفيذ، مؤكدين أنهم قدموا ما يستطيعون انتظاراً للدعم لاستكمال الأعمال”.

وفي موازاة ذلك، يواصل المجتمع العمل على إعادة تأهيل مدرسة الوادي الأخضر التي تضم ثمانية فصول، أربعة منها خارج الخدمة.

ويشير التقييم الميداني إلى ترميم ثلاثة فصول بكلفة تجاوزت خمسة ملايين ريال، بدعم من وحدة التدخلات المركزية ومؤسسة بنيان التنموية التي وفرت كميات كبيرة من الأسمنت ومواد البناء.

ووفق الشيخ محمد الحدري: “لا تزال المدرسة بحاجة إلى استكمال أعمال الترميم وتوفير الأبواب والنوافذ والأثاث المدرسي، في ظل استمرار بعض الطلاب بالدراسة في العراء وجلوسهم على الحجارة”.

ويوضح في حديث خاص لقناة المسيرة أن هذه المبادرات ساهمت في الحد من نزوح أكثر من مئة وخمسين أسرة، وتثبت قدرة المجتمع على مواجهة تحديات غياب الخدمات الأساسية.

في المجمل، تعد تجربة بني الغزي في ريمة نموذجاً ناجحاً لقدرة المجتمع على تحويل المعاناة والاحتياجات إلى مشاريع تنموية عملية مستدامة، تعكس ثقافة الصمود والعمل الجماعي.

ويمثل الطريق الذي يجري رصفه اليوم شريان حياة أساسي لتسهيل الوصول إلى الخدمات الصحية والأسواق والحد من المخاطر التي كانت تهدد حياة السكان، فيما يشكل تأهيل المدرسة خطوة أساسية لصون حق التعليم في بيئة آمنة.

وتعكس الشراكة بين المجتمع المحلي ووحدة التدخلات المركزية ومؤسسة بنيان التنموية نموذجاً عملياً للتكامل بين الجهد الشعبي والدعم المؤسسي، بما يعزز استدامة المشاريع ويخلق فرص تثبيت السكان في مناطقهم.

وبين محدودية الإمكانات وصعوبة التضاريس، يواصل أبناء ريمة تقديم نموذج عملي للتضحية والتكاتف، مؤكدين أن التنمية تبدأ من احتياجات الناس المباشرة، وأن الإرادة المجتمعية قادرة على تحويل المعاناة إلى فعل ملموس، يعزز مقومات الحياة الكريمة ويثبت الاستقرار في الريف، ويوجه رسالة واضحة إلى كل الجهات المعنية حول ضرورة دعم المشاريع الحيوية التي تصون حياة الأجيال ومستقبلهم.