قراءة في فلسفة القوة والخطوط الحمراء بين طهران وواشنطن
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
19 فبراير 2026مـ – 2 رمضان 1447هـ
تقريــر || عبدالقوي السباعي
في لحظةٍ سياسية مشحونة بالتوتر، تتقاطع فيها لغة التهديد الصلبة مع حسابات القوة المعقدة؛ اختار قائد الثورة الإسلامية في إيران، السيد علي الخامنئي، أنّ يضع العالم أمام مشهدٍ جيوسياسي جديد، رافعًا سقف الخطاب إلى مستويات غير مسبوقة.
خطابٌ جاء حاسمًا في مفرداته ومدروسًا في توقيته الزماني والمكاني، حمل بُعدًا استراتيجيًّا موجهًا مباشرة إلى البيت الأبيض، ورسالة مفادها أنّ إيران لا تقرأ الرسائل الأمريكية من منظور الدبلوماسية التقليدية، وإنّما تراها محاولة متجدّدة لفرض الإرادة القسرية وكسر معادلة الندية التي استطاعت طهران تثبيتها لعقود.
القراءة المتأنية لما بين سطور خطاب السيد الخامنئي، يوم الثلاثاء الفائت، تكشف عن تحول جوهري في إدارة الصراع؛ فالملف النووي، الذي طالما نُظر إليه كقضيةٍ فنية أو تقنية، تحوّل في هذا الخطاب إلى عنوان عريض للصراع على الاستقلال الوطني والسيادة المطلقة، متجاوزًا تفاصيل نسب التخصيب وآليات الرقابة الدولية ليصل إلى جوهر حق الدولة في امتلاك قرارها الاستراتيجي المستقل بعيدًا عن الوصاية الدولية أو الضغوط الإمبريالية.
وجاء هذا التصعيد الإيراني ردًّا مباشرًا على نبرة واشنطن المتكررة، ولا سيما تصريحات ترامب الجنونية، التي تدعو إلى إعادة التفاوض بشروط أكثر تشدّدًا وتضييقًا.
بيد أنّ السيد الخامنئي، برؤيته التحليلية للسياسة الأمريكية، لم يتعامل مع هذه الدعوات بوصفها “مبادرة حوار”، وإنّما فككها باعتبارها محاولة لفرض شروط مسبقة تمس كيان الدولة الإيرانية، وهنا تبرز النقطة المحورية في الخطاب؛ الرفض المطلق للتفاوض الذي تحددت نتائجه سلفًا في الغرف المغلقة بواشنطن.
من وجهة النظر الإيرانية، حين يُطلب من دولة الجلوس إلى الطاولة مع اشتراط التخلي المسبق عن مقومات قوتها؛ فإنّ هذا المسار لا يُسمى تفاوضًا؛ بل إملاءً واستسلامًا مقنّعًا، ومن هذا المنطلق، يؤكّد قائد الثورة الإسلامية أنّ الخلاف مع الغرب ليس تقنيًّا حول أجهزة الطرد المركزي، وإنّما صراع وجودي بين إرادة التحرر الوطني وإرادة الهيمنة العالمية؛ فالمسألة بالنسبة لطهران هي مسألة سيادة لا تقبل التجزئة أو المساومة، وأنّ التنازل في الملف النووي تحت الضغط يعني بالضرورة سلسلة من التنازلات التي لن تنتهي إلا بتقويض ركائز الجمهورية الإسلامية ككيانٍ مستقل.
وفي ذروة التحدي، انتقل السيد الخامنئي من الدفاع السياسي إلى الردع العسكري المباشر، موجهًا ضربة نفسية لنظرية “التفوق المطلق”؛ فعندما يتباهى ترامب بامتلاك الجيش الأقوى في العالم، جاء الرد الإيراني ليذكره بحقيقة تاريخية واستراتيجية مفادها أنّ ضخامة الجيش لا تعني حصانته من الانكسار؛ فـ “أقوى الجيوش قد يتلقى ضربة قاصمة تجعله عاجزًا عن النهوض”، والسلاح الذي يمتلك القدرة على إرسال حاملات الطائرات إلى قاع البحر هو الأكثر خطورة من الحاملة نفسها في ميزان حروب العصر الحديث.
هذه الرسالة حملت بعدين في غاية الخطورة؛ الأول: هو كسر هيبة القوة العسكرية الأمريكية عبر التأكيد على أنّ التفوق العددي والتكنولوجي لا يمنع وقوع خسائر جسيمة لا يمكن للداخل الأمريكي تحملها، والثاني: هو تحذير واضح من استهداف المصالح الحيوية أو البحرية؛ ممّا يعني أنّ أيّة مواجهة لن تكون في اتجاه واحد، وإنّما ستكون مكلفة ومدمرة للمعتدي أيضًا.
كما أنّ التأكيد على أنّ الجمهورية الإسلامية ليست كيانًا هشًا يمكن إسقاطه بالتهديد، يعكس ثقة عالية في القدرات الدفاعية والتماسك الداخلي الذي يرى في التهديد الخارجي وقودًا لتعزيز الهوية الوطنية الجامعة.
وعلى الصعيد السياسي، كان خطاب السيد الخامنئي بمثابة إعلان رسمي عن فشل سياسة الضغوط القصوى؛ فبدلاً من أنّ تؤدي العقوبات والتهديدات إلى تراجع طهران، يبدو أنها دفعتها إلى رفع مستوى الرد الاستراتيجي.
والقراءة التحليلية لهذا الموقف ترجح أنّ رفع السقف الخطابي لا يهدف بالضرورة إلى إعلان حرب مفتوحة، وإنّما تكتيك تثبيت قواعد الاشتباك في أيّ مسارٍ تفاوضي محتمل مستقبلاً؛ فطهران، عبر هذا الحزم، ترسل رسالة للعدو والصديق؛ بأنّ العرض الذي قدمته في المفاوضات السابقة هو “أقصى ما يمكن الحصول عليه”، بل هو ذروة السخاء الإيراني، وما بعده ليس إلا التمسك بالحقوق دون تنازل.
وبهذا التكتيك يرسم السيد الخامنئي خطوطًا حمراء بمدادٍ من القوة والسيادة؛ إذ لا تفاوض تحت وطأة الإملاء، ولا مساس بالاستقلال الوطني، وأنّ أيّة محاولةٍ لكسر إرادة إيران ستقابل بردٍّ يغير معادلات المنطقة بأكملها.
وبالنتيجة؛ يظل خطاب قائد الثورة الإسلامية في إيران موجه سياسي يثبت أنّ القوة ليست فقط في فوهة البندقية، وإنّما في القدرة على قول “لا” في وجه من يعتبرها العالم القوى العظمى، مع الاستعداد الكامل لتحمل تبعات هذه الكلمة؛ ممّا يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مستقبل المنطقة في الأيام القليلة القادمة؛ فهل ستفهم واشنطن هذه الرسالة وتغير لغة الإملاء، أم أننا نتجه نحو اصطدام الإرادات الذي لا تحمد عقباه بالنسبة للأمريكي وحلفاءه؟
