خبيران: واشنطن تهدم النظام الدولي وتدشّن مرحلة الفوضى والاستعمار المكشوف

1

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
19 فبراير 2026مـ – 2 رمضان 1447هـ

يعكس مؤتمر ميونخ للأمن حجم التحول العميق الذي يشهده النظام الدولي، ويكشف تصدّع البنية التي قادتها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في ظل تصاعد خطاب أمريكي يقوم على منطق القوة والصفقات وفرض الوقائع بدل الالتزام بالقواعد متعددة الأطراف.

ويشير تقرير ميونخ لعام 2026 إلى دخول العالم مرحلة جديدة تتراجع فيها مفاهيم “إصلاح النظام الدولي” لمصلحة أطروحات الهدم وإعادة التشكيل، وسط تنامي خيبة الأمل داخل المجتمعات الغربية من أداء المؤسسات الديمقراطية وفقدان الثقة بجدوى الإصلاح التدريجي.

في هذا السياق، أكد الكاتب والباحث الدكتور حسان الزين، في مداخلة مع قناة “المسيرة” من البرازيل، أن الولايات المتحدة باتت تعتبر المنظومات الدولية التي أنشأتها بعد عام 1945 عبئاً سياسياً واقتصادياً، بعد أن استنفدت وظيفتها في خدمة الهيمنة الأمريكية.

وأوضح أن واشنطن خرجت من العديد من المؤسسات الدولية لأنها لم تعد ترى نفسها ملزمة بقواعد جماعية، معتبرة أنها القوة الضاربة القادرة على فرض إرادتها بعيداً عن أي شراكة حقيقية.

وأشار الزين إلى أن التجارب الأمريكية في العراق وأفغانستان وليبيا، إضافة إلى التعاطي مع العدوان على غزة، أظهرت أن واشنطن لم تعد تراعي القانون الدولي أو قرارات المؤسسات الأممية، بل تتصرف وفق منطق المصلحة المباشرة.

ولفت إلى أن الولايات المتحدة تنقل الأعباء السياسية والاقتصادية إلى حلفائها، بما في ذلك حلف شمال الأطلسي، وتتجه نحو ما وصفه بـ “الأنانية الأمريكية” القائمة على اقتناص الفرص وتعظيم المكاسب.

وبيّن أن من أبرز دوافع هذا التحول القلق الأمريكي من صعود قوى جديدة مثل الصين وروسيا، ومن تنامي تكتلات كـ “البريكس” واتساع التعامل بالعملات الوطنية، ما يضعف هيمنة الدولار. واعتبر أن واشنطن تتجه إلى “استراتيجية تنظيف جغرافي” في محيطها، سواء في أمريكا اللاتينية أو في الشمال، لضمان أمنها القومي وإبعاد أي تمدد منافس.

وشدّد الزين على أن الصراع على الموارد النادرة، كالكوبالت والنيكل والليثيوم، يفسر التحركات الأمريكية في مناطق عدة، معتبراً أن السيطرة على سلاسل التوريد تمثل أولوية استراتيجية، مشيراً إلى أن الإدارة الأمريكية باتت تفضّل الشراكات الاقتصادية المباشرة مع الشركات الكبرى على الالتزام بمبادئ الديمقراطية أو تغيير الأنظمة، طالما أن المصالح الاقتصادية مضمونة.

من جهته، أكد الكاتب والباحث علي مراد من بيروت، أن الولايات المتحدة تمرّ بحالة ذعر بنيوي؛ نتيجة انهيار النظام الأحادي القطبية الذي نشأ بعد عام 1991، مشيراً إلى أن ما نشهده اليوم هو ظهور أعراض هذا الانهيار إلى العلن.

واعتبر أن السياسات التي تعتمدها إدارة الرئيس الأمريكي تعبّر عن استعداد لمرحلة ما بعد الأحادية، سواء بقي الجمهوريون أو عاد الديمقراطيون إلى الحكم؛ لأن الأزمة في جوهرها بنيوية اقتصادية.

وأوضح مراد أن الأوروبيين ما زالوا يعيشون حالة إنكار، ويتمسكون بخطاب القانون الدولي والنظام القائم على القواعد، رغم إدراكهم تراجع الالتزام الأمريكي بأمنهم.

ولفت إلى أن الخطاب الأوروبي في ميونخ عكس تردداً بين الاستمرار في الارتهان لواشنطن أو البحث عن استقلال استراتيجي، مع شكوك كبيرة حول قدرة أوروبا على تعويض تآكل الهيمنة الأمريكية.

وتوقف مراد عند الطرح الأمريكي المتعلق بأطر بديلة عن منظومة الأمم المتحدة، معتبراً أن الهدف هو شرعنة التدخل في سيادة الدول ونهب ثرواتها تحت عناوين جديدة.

وأكد أن واشنطن تدرك صعوبة فرض قانون دولي جديد على مقاسها، إلا أنها تسعى إلى خلق وقائع انتقالية تتيح لها أكبر قدر من المكاسب قبل تبلور نظام متعدد الأقطاب، مرجحاً أن المرحلة المقبلة ستشهد على الأقل ثنائية قطبية مع صعود الصين.

وأشار إلى مؤشرات اضطراب اقتصادي داخل الولايات المتحدة، من بينها المخاوف المتعلقة بالدولار والتوجه المتزايد نحو الذهب، مع حديث عن أزمات مالية محتملة، ما يعزز تفسير السياسات الأمريكية الحالية بوصفها محاولة استباقية لإعادة التموضع.

ويجمع الخبيران على أن العالم يدخل مرحلة انتقالية تتراجع فيها الشعارات الليبرالية التقليدية لمصلحة صراع مفتوح على الجغرافيا والموارد ومراكز النفوذ، وأن ملامح النظام الدولي الجديد تتشكل تحت ضغط التحولات الاقتصادية وصعود قوى دولية منافسة.

وتؤكد المعطيات أن زمن الهيمنة الأحادية يقترب من نهايته، وأن الصراع على إعادة صياغة موازين القوة العالمية يفتح الباب أمام مرحلة تتقدم فيها المصالح الصريحة على حساب القواعد، وتتحدد فيها مكانة الدول بقدرتها على حماية سيادتها وانتزاع موقعها ضمن معادلة دولية آخذة في التشكل.