رمضان غزة.. صيامٌ بلا سحور وفطورٌ بلا أكل
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
19 فبراير 2026مـ – 2 رمضان 1447هـ
في ظل “هدنة” لا توجدُ إلا في تصريحات السياسيين، استقبل قطاع غزة شهر رمضان المبارك على إيقاع القصف الذي لم يهدأ.
ففي المخيمات المكتظة بأوجاع النازحين، نرصد لكم مشهداً يختزل مأساة العصر؛ حيث الإصرار على إحياء شعائر الله يصارع آلة القتل الصهيونية، وحيث الجوع بات رفيقاً دائماً للصائمين.
ببراءةٍ غلبتها الدموع، تحدثت طفلةٌ نازحة لـ “المسيرة”، وهي التي فقدت بيتها وألعابها لتجد نفسها في خيمة ضيقة.
استذكرت الطفلة بكلمات مخنوقة رمضان قبل عامين من العدوان الإسرائيلي الأمريكي، حين كانت في بيتها وبين ألعابها، وقالت بصوت متهدج: “بتمنى بيتنا يرجع.. راح البيت كله”.
وعن رسالتها للعالم، تمنت أن يأتي رمضان القادم وهي في بيتها المدمر، لا في خيمة تفتقر لأدنى مقومات الحياة، في مشهد يجسد كيف سرق العدو الإسرائيلي المتوحش طفولة غزة قبل أن يسرق طعامها.
ومن بين خيام النازحين، برز أحد كبار السن وهو يشرف على تزيين المخيم ببعض الحبال البسيطة والرسومات بألوان متعددة على “طرابيل” الخيام، قائلاً بنبرة يملؤها العزة رغم الألم والجراح والدمار والقتل: “قررنا أن نحتفل بقدوم رمضان، ورسالتنا للكيان الغاصب أنك لن تكسر إرادتنا؛ سنزين خيامنا، وسنصلي ونقيم الليل ومجالس الذكر في هذه الخيام التي جعلناها مساجد بديلة عن مساجدنا التي دمرتها صواريخكم”.
ووجه الحاج التحية من قلب الحصار إلى أهل اليمن وصنعاء، مؤكداً أن دمار البيوت لا يعني دمار العقيدة، وأن أهل غزة صامدون حتى النصر الموعود.
وفي زاوية أخرى من المخيم، نقلت سيدة فلسطينية صورة حية عن الواقع المعيشي المرير، وصفت بمرارة كيف تحول الإفطار والسحور إلى رحلة شقاء يومية قائلة: “نصوم بدون سحور ونفطر بدون أكل، ونسمع ضربات الصواريخ والغارات والمدفعية عند كل أذان، وقبل الفطور بدقائق، ولكن هذا بات مشهداً مألوفاً لدى أطفالنا، ويعتبرونه جزءاً من المفرقعات الرمضانية”.
وتتابع: “نتسحر على العتمة، بدون أي طعامٍ مشتهى كالفول والبازلاء والبقوليات، ونطبخ طعامنا على النار لعدم وجود غاز أو كهرباء”. وأشارت السيدة إلى أن “لمة العائلة” انكسرت؛ فالسفرة التي كانت تضم عشرة أفراد، باتت اليوم تضم ثلاثة فقط بعد أن استشهد الباقون.
وتحدثت عن ندرة المساعدات وانتشار أمراض فقر الدم بين الأطفال، قائلة: “نبحث طوال النهار عن علبة فول أو حمص لسد رمق الأطفال الذين لا يفهمون معنى الحصار، ويعانون من أمراض جلدية نتيجة سوء التغذية وندرة الطعام، وما يدخل من مساعدات شحيح جداً”.
وأجمعت شهادات المواطنين على أن الحديث عن “وقف إطلاق النار” هو مجرد وهم؛ فالصواريخ تساقطت فوق رؤوسهم قبل أذان المغرب بدقائق. وأوضحت السيدة أن أطفال غزة، ومن فرط اعتيادهم على الانفجارات، باتوا يظنون صوت الصواريخ “مفرقعات رمضانية” لعدم قدرتهم على شراء الفوانيس الحقيقية.
يبقى رمضان في غزة هذا العام شاهداً على أكبر جريمة تجويع وإبادة في العصر الحديث، لكنه في الوقت ذاته يقدم للعالم درساً في “فقه الصمود”؛ حيث يُصام بلا سحور، ويُفطر بلا أكل، وتُقام الصلوات على الأنقاض، في انتظار نصرٍ يراه الغزيون قريباً ويراه غيرهم بعيداً.
