معركة البحر الأحمر لا تغادر الذاكرة الغربية

1

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
14 فبراير 2026مـ – 26 شعبان 1447هـ

تقرير || وديع العبسي

هدأت أصوات قذائف المواجهة بين اليمن والغزاة الأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين وباقي الجوقة الاستعمارية، إلا أن وقع المواجهة بصيغتها اليمنية المفاجِئة ما تزال مسيطرة على التداولات الغربية. لم تبدد فقط حالة الاسترخاء لعقلية المهيمن وصاحب السطوة والنفوذ، وإنما تسببت في صحوة عارمة دفعت لتحسس موطئ القدم كما هو، دون افتعال فرضيات توهمهم بأنهم يسيرون على كثافة سحابية ناعمة تقلهم من مكان إلى آخر بلا حواجز وبلا موانع.

​الفصل الاستثنائي من مسيرة العربدة الأمريكي كان هنا، في البحر الأحمر وباب المندب، ورغم اجتهاد النخبة العسكرية الأمريكية في تصنُّع امتصاص أثر ما حدث، والتقدم خطوات لمحو الصورة الجديدة التي رسمتها قبضات اليمنيين للقوات الأمريكية، قُبيل البدء من جديد لاستعادة ما دمرته العقلية “الترامبية”، إلا أن الانعطافة التي عاشتها البحرية الأمريكية وأخرجتها من سياقها المعتاد كقوة عظمى وقوة لا تهزم، وقوة بمقدورها حتى أن تعكس اتجاه دوران الأرض في ذهنية ضحايا الدعاية الأمريكية، ظلت بتفاصيلها عالقة في الذاكرة الداخلية لكثير من قيادات هذه القوة.

بعد أن جنحت أمريكا و”إسرائيل” إلى التعاطي بجدية مع الحقائق الجديدة التي قدمت اليمن كَـ “نِدّ” قوي لا يهاب الدعايات والتهويلات وعبارات التهديد المشحونة بالنار، لم تتمكن حالة هدوء البحر الأحمر من حذف ملفات ومجلدات تفاصيل المواجهة من الذاكرة، وهي تفاصيل استراتيجية فرضت على الأمريكيين تقبل الصدمات على أمل أن يساهم الزمن والتعمد في الاستمرار على نهج البلطجة بمعالجة الخدوش التي طرأت على “رسمة” القوة العظمى.

​نهاية حقبة الوهم
​وعلى غير رغبة أمريكا، صارت تلك المواجهة معلماً تاريخياً يعيد إلى الأذهان -بشكل تلقائي- مشاهد الانكسار. لهذا لن يكل الأمريكيون والفرنسيون والألمان -في لقاءات التقييم لواقع قواتهم- عن الإقرار بأن ما حدث ما يزال يفرض عليهم -حتى اللحظة- العودة إلى تعديل ما رسموه لحاضر ومستقبل منطقة العرب والمسلمين وفق المتغيرات الجديدة، حتى صار طموحهم أن يعود حال التعامل مع المنطقة (مياهها وأرضها وثرواتها) إلى ما كان عليه قبل ملحمة “الطوفان” الفلسطينية ودخول اليمن كعامل مؤثر خلق كل هذا الإرباك في بنية الاعتداد بالذات والثقة بالاقتدار لديهم.

​ويصير استعراض المستجدات أكثر قتامة كلما استحضروا الماضي، حين فرزت نتائج الحرب العالمية الثانية قوى العالم إلى معسكرين شرقي وغربي، وصدّرت الشيطان الأمريكي كحامل لراية الشر، وصار العالم -إثر ذلك- تحت رحمة نوازع قوى الإقصاء والتمرد للسيطرة والهيمنة، لتعصف معطيات اليوم بمرحلة الصدارة المريحة تلك، تعصف بها اليوم معطيات جديدة، فالاستفراد الطاغوتي الأمريكي بمتطلبات الخِسة والتمرد على الطبيعة البشرية، والذي أزاح منافسيه من تصدر المشهد العالمي لم يعد حاضراً، كون المعطيات الجديدة تعيد رسم خارطة المؤثرين. هذا العهد الذي لا ينساه الأمريكيون، لم يعد في الوضعية المُريحة ومشاهد البحر الأحمر والعجز عن حماية المندوب السامي للشيطان “إسرائيل”، نموذجاً يبدد الوهم بهذه الأفضلية.

​يرسم قائد العمليات البحرية الأمريكية الأدميرال “داريل كودل” -في تصريحات حديثة- صورةً لهذا الواقع، إذ اعتبر أن ما واجهته بحريته “حدث غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية”، مؤكداً أن طبيعة المواجهات كشفت تعقيداً عالياً حوّل البحر الأحمر إلى مختبر قتال حي تُستخلص منه الدروس وتُدرّس اليوم في مراكز تطوير القتال الأمريكية.

​”أسطول” سفن حربية بسبب اليمن
​كما أن التسليم بأن وقع ما تعرضت له القوى الإمبريالية لم يكن بسيطاً أو هيناً، يعكسه الحضور القوي لهذه الحقيقة، في لحظة يفترض أنها تؤسس لمرحلة جديدة تريدها أمريكا مفصلية لجهة التربُّع المطلق على عرش العالم عقب اللعب بأوراق العالم وصنع بؤر صراعات وتوتر. ففي لحظة التداول بشأن ما يسمى “مشروع الأسطول الذهبي” يحضر المتغير الذي تسبب به اليمن كخطر لا يمكن تجاهله. حيث يدحض الأدميرال “كودل” الترويجات القائلة بأن بناء “الأسطول الذهبي” يأتي في سياق التحديث والتطوير كمتطلب طبيعي لم تتسبب به أي عوامل خارجية، فيؤكد أن الأسطول ليس مجرد بناء سفن، وإنما “إعادة تصور شاملة لمستقبل القوة البحرية في مواجهة تهديدات تتصاعد وتتعقد”.

​فيما يُقر رئيس أركان البحرية الفرنسية الأدميرال “نيكولا فوجور” بأن نطاق التهديدات كان واسعاً جداً، شمل طائرات مسيّرة متعددة الأنماط وصواريخ مضادة للسفن وباليستية، ما فرض إعادة نظر جذرية في التدريب واختبارات الجاهزية.

​ولم يكن هذا أقصى ما يمكن أن تصف به منظومة البلطجة الدولية حالة الإحباط من قدرةِ واحدةٍ مما تسمى بدول العالم الثالث على الإفلات من قبضة الرقابة والحصار الواسع الذي استهدف العالم العربي والإسلامي لجهة عدم السماح لها بالنهوض وامتلاك أي مستوى من أدوات الدفاع والردع، فمؤتمر باريس الذي عُقد بداية الشهر الجاري وجد نفسه غارقاً في هذا الهَم الجمعي للمجتمع الغربي باعتباره قد يؤسس لنزعة تحررية لدى كثير من الدول.

​كيف يُقر الأمريكي باقتدار اليمن
​المشاركون في المؤتمر (وهم خلاصة المجتمع الدولي الذي جعل من نفسه حاكماً ومُسيّراً لأحداث العالم، قادة بحرية أمريكا وبريطانيا وهولندا وإيطاليا وفرنسا) لم يغادرهم مشهد هروب القطع البحرية الغربية من البحر الأحمر، والالتفاف حول أفريقيا للوصول إلى صنيعهم “الإسرائيلي” من احتياجاته، أو حالة الفوضى التي عاشتها أقوى بحرية في العالم (أمريكا) بسبب اضطرارها -خلال المواجهة مع البحرية اليمنية- لتغيير تموضعها خشية الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

​في جو المؤتمر المشحون بالمفردات المتوترة كان الكلام صريحاً -وإن جرى أحياناً من البعض تغليف الموقف تجاه المستجد اليمني- بعناوين مثل “الحرص على أمن الملاحة الدولية”، فمندوب أمريكا أوضح بأن برامج بناء السفن الجديدة تهدف إلى تكييف القوة البحرية الأمريكية لمواجهة التهديدات المتنامية عالمياً، بالتعاون مع الحلفاء. وبهذه الصيغة يصير اليمن واحداً من التهديدات في العقلية الأمريكية، وهي مسألة يرى مراقبون بأنها تُقر لليمن بمستوى متقدم من الاقتدار والتمكّن.

​إعادة اكتشاف التهديدات
​وإذا كانت أمريكا قد سلّمت بالتأثير اليمني، فلن يكون لطرح الأتباع (مجموعة الحلفاء كفرنسا وألمانيا وباقي الأشباه) الوزن الأكبر إلا بكونه تأكيداً للمؤكد على ما تعلمه الأمريكي. فيشير رئيس أركان البحرية الفرنسية الأدميرال “نيكولا فوجور” أن هذه التهديدات لم تقتصر على الطائرات المسيّرة الصغيرة، بل شملت مسيّرات أكبر حجماً، ومسيّرات سطحية، إضافة إلى صواريخ مضادة للسفن وصواريخ باليستية، ما يعكس تغيّراً جذرياً في طبيعة المواجهات البحرية الحديثة. هكذا فرض المشهد البحري للقوات اليمنية على القائد البحري الفرنسي رسم الصورة.

وفيما أكد قائد البحرية الملكية الهولندية الأدميرال “هارولد ليبريجز” أن “زمن الاستعداد بعد مغادرة الميناء قد انتهى، وأن كل شيء يجب أن يكون واقعياً منذ البداية”، أكد نائب مساعد رئيس أركان الحرب المعلوماتية في البحرية الملكية البريطانية الكابتن “برايان مكافور”، أن البحر الأحمر مثّل “إعادة اكتشاف” للتهديدات منخفضة المستوى، مع التركيز على الأسلحة الصغيرة والدفاعات متعددة الطبقات، بما في ذلك التشويش والصواريخ الخفيفة والموجهة بالليزر. وأوضح أن تمرين الطائرات المسيّرة السنوي “وايلدفاير” ركّز على خطر التشبع بالنيران واحتمال وقوع أخطاء في بيئة مزدحمة.