توطين الصناعات الكهربائية والتحول للطاقة المتجددة: مسار استراتيجي لكسر الحصار

0

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
14 فبراير 2026مـ – 26 شعبان 1447هـ

تقريــر || هاني أحمد علي

اختتمت ” مجهر المواطن” على قناة المسيرة، اليوم السبت، سلسلة حلقات “ملف الكهرباء” التي سلطت الضوء على واقع الطاقة في اليمن، كاشفةً عن توجهات استراتيجية نحو التحول للطاقة البديلة، وتوطين الصناعات الكهربائية كضرورة حتمية لمواجهة تداعيات العدوان والحصار الأمريكي الصهيوني الذي استهدف البنية التحتية بشكل مباشر وممنهج.

وأظهرت المخرجات الإعلامية لهذا الملف تطوراً ملموساً في استجابة محطات التوليد الخاصة لبرنامج التحول الوطني؛ حيث وصلت نسبة الاعتماد على المنظومات الشمسية إلى 35%، فيما بدأت 15% من هذه المحطات باستخدام تقنيات بطاريات “الليثيوم” المتطورة لخزن الطاقة، حيث يأتي هذا التحول استجابةً لضوابط حكومية تهدف للاستغناء تدريجياً عن الوقود بنسبة تصل إلى 50% خلال عامين، وهو ما عززه صدور “وثيقة إطار الاستثمار” التي ستنظم العلاقة بين القطاعين العام والخاص، لتجسير الفجوات وتحويل المولدات الخاصة من “حل مؤقت” إلى شريك استراتيجي ومنافس في سوق الطاقة.

وسلّطت الحلقات على مدى أسبوع كامل، الضوء على برنامج وطني تبنته الحكومة قبل نحو عام، يلزم ملاك محطات التوليد الخاصة بإدخال الطاقة الشمسية تدريجياً، وصولاً إلى نسبة 50 في المئة من الاستغناء عن الوقود خلال أقل من عامين.

وخلال المتابعة الميدانية لقناة المسيرة، تبيّن وجود حالة من التشتيت وتعدد الأطر المعنية بالتحول، ما انعكس على بطء التنفيذ، غير أن النقاش الإعلامي أسهم في تحريك المياه الراكدة، حيث سُجلت استجابة من نحو 35 في المئة من المحطات الخاصة بتركيب منظومات شمسية، بينها 15 في المئة مزودة ببطاريات ليثيوم، إضافة إلى الاتفاق على وثيقة إطار لتنظيم الاستثمار في هذا التحول.

كما خُصصت حلقة لاستماع مباشر إلى ملاك محطات التوليد الخاصة، الذين طرحوا مخاوفهم المتعلقة بغياب الضمانات القانونية للاستثمار طويل الأمد، وطالبوا بالتعامل معهم كشركاء استراتيجيين ضمن رؤية واضحة، لا كحل مؤقت، وأبدوا استعدادهم للتحول إلى الطاقة البديلة خلال ستة أشهر إذا توفرت التسهيلات، بما في ذلك تخصيص أراضٍ لإقامة حقول ألواح شمسية والسماح بالنقل عبر الضغط العالي.

واستعرض البرنامج تجربة التوليد التشاركي المجتمعي في المنطقة الرابعة بأمانة العاصمة، حيث يتحول المشترك إلى مستثمر يضخ فائض إنتاجه في الشبكة عبر عدادات هجينة تنظم التيارات الداخلة والخارجة. تجربة وُصفت بالرائدة، لكنها تحتاج إلى لائحة تنظيمية لتعميمها على بقية المناطق.

كما تم تقييم وضع المؤسسة العامة للكهرباء وخططها لاستعادة الحد الأدنى من الجاهزية بعد الاستهداف الذي طال بنيتها التحتية العام الماضي، حيث أكدت قيادتها العمل على خيارات وبدائل لضمان استمرار الخدمة وتحسين التعرفة عند استقرار الوضع الفني والمالي.

إنارة شوارع العاصمة

ومن القضايا التي طُرحت بوضوح، غياب إنارة الشوارع الرئيسية في أمانة العاصمة، وسط تبادل للمسؤولية بين الجهات المعنية، وهي وزارة الكهرباء ومكتب الأشغال والجهات المالية، وحتى اللحظة، لا يزال المواطن ينتظر تحركاً عملياً يعيد الضوء إلى شوارع صنعاء قبيل شهر رمضان.

وفي حلقة اليوم، خُصص النقاش لتقييم أداء المؤسسة العامة للصناعات الكهربائية والطاقة المتجددة، التي أُنشئت بهدف توطين الصناعات الكهربائية، وتخفيف فاتورة الاستيراد، والاتجاه نحو الطاقة المتجددة كخيار استراتيجي.

في السياق، أكدت قيادة المؤسسة أنها تمكنت قبل الاستهداف من تنفيذ أعمال صيانة متقدمة لمحولات بقدرات كبيرة، وتصنيع صناديق عدادات وقواعد منظومات شمسية وأعمدة، إضافة إلى الشروع في مشاريع تصنيع محلي تعتمد على الهندسة العكسية، بما في ذلك نموذج تجريبي لتوربينات الرياح، غير أن الاستهداف الذي طال بنيتها التحتية شكّل عائقاً كبيراً أمام الانتقال إلى مرحلة التصنيع الواسع، في ظل محدودية الصلاحيات وضعف الدعم المالي، ودعت قيادتها إلى تمكينها بالصلاحيات اللازمة، وتوفير الحد الأدنى من التمويل، باعتبار أن المبالغ المطلوبة أقل بكثير من فاتورة الاستيراد السنوية لقطاع الطاقة.

المؤسسة العامة للصناعات الكهربائية: صمود رغم الاستهداف

وفي مواجهة الغارات الصهيونية التي استهدفت منشآت المؤسسة بأكثر من 16 غارة العام الماضي، أكدت قيادة المؤسسة ومستشاروها أن عجلة التصنيع لم تتوقف.

واستعرضت أبرز إنجازات المؤسسة في سياق الاكتفاء الذاتي وذلك من خلال:

– صيانة المحولات: تنفيذ صيانات كبرى لمحولات بقدرات تصل إلى 10 ميجا باستخدام “الهندسة العكسية”، مما وفر ملايين الدولارات من العملة الصعبة.

– توطين المستلزمات: تصنيع محلي للصناديق والعدادات والأعمدة الخرسانية بنسب قياسية.

– ابتكار يمني خالص: الكشف عن تركيب أول توربين رياح محلي الصنع في منطقة “المحيجر” بمحافظة مأرب، لإنشاء نظام طاقة هجين (رياح وشمس) مئة في المئة.

وسلط التقرير الميداني الضوء على تجربة رائدة في المنطقة الرابعة بكهرباء أمانة العاصمة، تعتمد على “العدادات الهجينة” التي تتيح للمواطنين بيع فائض الطاقة الشمسية للشبكة الوطنية. هذه التجربة التي تنتظر إطاراً قانونياً لتعميمها، تمثل ثورة في مفهوم إدارة الطاقة وتوزيعها، وتخفف الضغط على محطات التوليد المركزية.

ورغم النجاحات التقنية، لا يزال ملف إنارة الشوارع الرئيسية في العاصمة صنعاء يواجه عقبات تنسيقية بين وزارة الكهرباء ومكاتب الأشغال، وهو ما يتطلب تحركاً عاجلاً من القيادة السياسية قبل حلول شهر رمضان المبارك. كما دعا المعنيون إلى ضرورة منح المؤسسة العامة للصناعات صلاحيات أوسع ودعماً مادياً موازياً لحجم فاتورة الاستيراد الضخمة التي تسعى المؤسسة لتقليصها.

إن معركة “الكهرباء” لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية؛ فبينما يحاول العدوان إغراق اليمن في الظلام، تمضي الكوادر الوطنية في وضع لبنات استقلال طاقي يستند إلى الموارد المحلية والعقول اليمنية، مؤكدةً أن الخيار الاستراتيجي هو “توطين الصناعة” وليس مجرد البحث عن بدائل مؤقتة.

ويمكن القول إن ملف الكهرباء يكشف عن إرادة للتحول، واستعداد لدى القطاع الخاص، ونماذج واعدة في التوليد التشاركي، ومؤسسة صناعية تمتلك كادراً وخبرة، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في التنسيق، وتوحيد المرجعيات، وتسريع اتخاذ القرار، ومنح الصلاحيات والدعم اللازمين لترجمة الوثائق والاستراتيجيات إلى واقع ملموس.

ملف الكهرباء لم يُغلق بعد، لكنه بات اليوم أمام فرصة حقيقية للانتقال من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ، إذا ما توافرت الإرادة الجامعة، والإدارة المنسقة، والدعم العملي للمؤسسات المعنية.