دماء الأطفال وسحق جسد الآخر أداةً للهيمنة.. عن إمبراطورية الشرّ نتحدّث

1

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
4 فبراير 2026مـ – 16 شعبان 1447هـ

بين فظائع ملفات إبستين وحروب الإبادة في غزة، تتجلى بنية إمبراطورية تقتات على نزع الإنسانية عن الآخر.. إنها منظومة تتجاوز الفضائح الفردية لتكشف عن نهج استعماري يحوّل دماء الأطفال وانتهاك الأجساد إلى أدوات للهيمنة والضبط الرمزي.

هنا، تصبح الجريمة طقساً سيادياً، وتغدو الفضيحة وسيلةً لإعادة إنتاج نظام عالمي أكثر توحشاً وصلابة.

من يتذكر الرئيس الأميركي الذي خرج يخطب بعد انهيار جدار برلين مهنئاً العالم بانتصار الغرب على «إمبراطورية الشر» قاصداً «الشيوعية»؟ كان يقول: «أميركا ليست مجرد أمة، بل فكرة تعيش في عقول الناس في كل مكان، وبينما يتشكل هذا العالم الجديد، تقف أميركا وسط دائرة من الحرية آخذة في الاتساع» .

من العراق إلى غزة

ذلك الرئيس هو جورج بوش الأب، الرئيس الحادي والأربعون للولايات المتحدة، الذي ظهر اسمه لاحقاً في ملفات جيفري إبستين متهماً باغتصاب لصبي، ثم ارتبط اسمه بطقس شعائري قاسٍ ضد الضحية تضمن قطع أطراف بشرية بسيف، وهنا علينا طرح سؤال، من هي «إمبراطورية الشر؟».

ملفات إبستين تصف مشاهد مروعة من الاعتداء على الأطفال، تُراوح بين إلقاء رضّع في البحر إلى تقطيع أوصال آخرين، لكنّ هذا العنف ليس بعيداً تاريخياً، فهو تكرر طوال عامين ويتكرر في غزة، حيث أكثر من 20 ألف طفل تعرضوا للقتل بالجوع والقنص والقصف، برعاية أميركا التي تلعب دور الراعي والميسّر لهذه العمليات.

المشهد نفسه تكرر في العراق، أفغانستان، وأميركا اللاتينية، حيث تنظر أمريكا إلى العالم كله بوصفه آخر «غير أميركي»، آخر يمثل حياة فائضة يمكن التضحية بها من دون مساءلة.

مشاهد إبستين الصادمة، ليست مجرد فضائح جنسية، إنها استدعاء للاقتصاد الرمزي الذي شيده الخيال الكولونيالي حول الجسد يُستدعى باستمرار كموضوع للضبط والتأديب، وليس كذات إنسانية كاملة.

امتداد لتاريخ استعماري متوحّش

هذا التخييل الفاحش هو انعكاس لرغبات الغرب، امتداداً لتاريخه الاستعماري تجاه الشعوب العربية والإسلامية والشعوب الأصلية في الأميركيتين، وهدفه واضح بتأكيد السيطرة الرمزية عبر التاريخ، وتبرير نهب هذه الشعوب، وإدارة حضاراتها، وتجريب أسلحته فيها.

افتتان الشخصيات الغربية بالإذلال الجسدي كما ظهر في صور وملفات إبستين يتقاطع مع تاريخه في إعادة إنتاج تفوقه الرمزي، كما يذكر فانون في «معذبو الأرض»، فالاستعمار لا يعمل بالسلاح فقط، بل يعيد تشكيل الخيال، بحيث يصبح العنف مقبولاً حين يُمارس على أجساد جرى نزع إنسانيتها مسبقاً.

ملفات إبستين نموذج مصغّر لما يحدث على نطاق أوسع

في هذا السياق، تتقاطع بعض السياسات الأميركية الحديثة مع ما اعتبره فانون أساليب السيطرة الرمزية، وهنا يمكن فهم كيف تنظر أميركا لجرائم «إسرائيل» في فلسطين، التي تدعمها إدارات أميركية، ويمكن قراءة سياسة الإدارات الأميركية في هذا المجال تجاه الحروب والجرائم في العالم كطقوس تُمارس للمتعة الرمزية للهيمنة على حياة الآخرين، تماماً كما يظهر في ملفات إبستين.

بشاعة الرجل الأبيض

التاريخ مليء بأمثلة مشابهة، فهي ليست المرة الأولى التي تكشف فيها أميركا عن قبحها، ولو كانت اليوم على شكل أفراد وجرائم مباشرة بشكل أكبر، فسابقاً كشفت أوراق البنتاغون حول حرب فيتنام عن بشاعة الرجل الأبيض، إلا أنّ ما حدث لاحقاً كان ملاحقة مَن كشف عن ذلك، وتعرّضت الصحافة الأميركية حينها لعدد من التقييد ومنع المحاسبة الحقيقية.

كذلك الأمر مع جوليان أسانج، الذي نشر جرائم حرب في العراق وأفغانستان، ووجد نفسه محاصراً قانونياً، بينما المؤسسة العسكرية في أميركا بقيت بلا مساءلة.

أما إدوارد سنودن، الذي كشف منظومة تجسّس ضخمة، فكان جزاؤه النفي الدائم من بلاده، بينما توسعت المراقبة باسم الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.

وفي كل مرة كانت نتيجة الفضائح واحدة حيث لم تُسقط السلطة أو الإدارة الأميركية، بل تمنحها فرصة لإعادة هندسة نفسها، وإعادة إنتاج النظام بشكل أقوى وأصلب، وأقل قابلية للمساءلة.

وفي هذا السياق ملفات إبستين، ليست مجرد فضائح جنسية، بل نموذج مصغّر لما يحدث على نطاق أوسع، وعندما ترتبط هذا الملفات بشخصيات تقود العالم السياسي والاقتصادي والتكنولوجي، نفهم طبيعة النظام الأميركي المعاصر.

تفكيك الوهم الليبرالي

حتى السينما تقدم قراءة دقيقة لهذه الآليات، فيلم «Eyes Wide Shut» (1999) لستانلي كوبريك يبدو ظاهرياً كدراما نفسية عن الغيرة والرغبة، لكنه في العمق تشريح بارد لآليات السلطة حين تتخفّى وراء الطقوس والامتياز.

يوضح سلافوي جيجك أن جوهر الفيلم ليس فضح الممارسات السرية، بل تفكيك الوهم الليبرالي الذي يعتقد أنه يمكن الوصول إلى الحقيقة عبر كشف الأسرار، وهنا من المهم طرح سؤال: ما معنى قول الحقيقة إذا لم تغيّر شيئاً؟

الكاتبة / مروة جردي

بتصرف “الأخبار اللبنانية”