التغير البنيوي في استراتيجية إيران وقدراتها الدفاعية.. كلفة باهظة لأي عدوان قادم
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
3 فبراير 2026مـ – 15 شعبان 1447هـ
تقريــر || زين العابدين عثمان
إن القراءة العسكرية الرصينة لمسار تطور القوة الإيرانية، بعيدًا عن السرديات الدعائية الغربية ومحاولات التقليل المنهجي، تُظهر بوضوح أن الجمهورية الإسلامية في إيران لم تعد تتحرك ضمن منطق الردع الدفاعي التقليدي، بل أعادت تعريف وظيفة القوة ذاتها، وانتقلت إلى مرحلة امتلاك قدرة نارية شاملة مصممة لفرض نتائج استراتيجية، لا لمجرد منع العدو من المبادرة.
ما بعد حرب الأيام الـ 12 لا يمكن اختزاله بإجراءات امتصاص أو إعادة تموضع، و تلك الحرب شكّلت في الحسابات العسكرية الإيرانية نقطة اختبار قصوى، وجرى التعامل معها كمختبر عملياتي تم فيه قياس صلابة منظومات القيادة والسيطرة، واختبار استمرارية النيران، وتقييم كفاءة التكامل بين الوسائط الدفاعية والهجومية المختلفة ومن هذا المفصل لم تُنتج معالجات جزئية، بل أفضت إلى ضرورة فرض تحول بنيوي في فلسفة ايران لإدارة القوة واستخدامها ضمن مبادئ حرب وجودية.
هذا التحول سيدفع في الانتقال من منطق الرد المرحلي المحكوم بسقوف عسكرية للدفاع، إلى عقيدة هجومية مفتوحة، تقوم على حشد القوة في وحدة الزمن، وتوجيهها لتدمير مراكز الثقل المعادية منذ اللحظة الأولى للحرب، فالهدف لم يعد امتصاص الضربة ثم الرد، بل مواجهة الصدمة بالصدمة.
ولذلك، ستصبح العقيدة الايرانية مركزة على نزع المبادرة من يد العدو منذ اللحظة الأولى، لا في اليوم التالي، وعلى تفكيك تفوقه الجوي والتقني عبر توسيع مسرح الاشتباك، وتحويل كل مساحة آمنة يتوهمها العدو الامريكي والاسرائيلي إلى محرقة عملياتية تتجاوز قدرته على الصمود أو الاستمرار في الحرب.
إيران اليوم لا تتحدث عن الصواريخ بوصفها مخزونًا، بل بوصفها نظام نيران متكامل، قائم على التراكم المتسارع، والقدرة على تنفيذ هجمات صاروخية ذات سقف استراتيجي يفوق عمليات “الوعد الصادق 3” بأضعاف.
هذا التحول يعني أن العدو الأميركي والإسرائيلي لن يواجها “ضربة” أو “موجة” رد محدودة، بل بيئة قتالية مشبعة بالنيران، ستعمل آلاف الصواريخ بدل المئات وسيكون التركيز على تدمير البنى التحتية للعدو بشكل غير مسبوق.
تداعيات أي جولة قادمة
وفي حال اندلاع مواجهة جديدة ضد إيران، سيكون كيان العدو الإسرائيلي المحتل للأراضي الفلسطينية في قلب الحرب وسيتحول عمقه الجغرافي المحدود وبنيته التحتية إلى منطقة عمليات مفتوحة. ولن تقتصر الأهداف هذه المرة على القواعد والمنشآت والمراكز العسكرية الحساسة في مغتصبات [يافا وحيفا وغيرها] بل ستشمل مراكز الطاقة، والمطارات، والموانئ، وشبكات الاتصالات، ومفاصل الاقتصاد الحيوي وكل ركائز القوة، وبالتالي اذا كان الكيان قد فرّ في حرب الاثني عشر يومًا تحت ضغط 400 صاروخ و1000 مسيّرة إيرانية، فإنه في الجولة المقبلة سيجد نفسه غارقًا تحت وابل من آلاف الصواريخ والمسيّرات المتدفقة على مدار أيام وربما أسابيع، ضمن معركة تهدف إلى تدمير بنيته الحيوية والأمنية تدميرًا استراتيجيًا.
أما بالنسبة للوجود الأميركي في المنطقة فلن يكون بمنأى عن هذا المشهد، فالقواعد العسكرية المنتشرة في الخليج وغرب آسيا، والأساطيل البحرية، ومقرات القيادة المركزية، جميعها تقع ضمن بنك أهداف دقيق ومحدّث.
التدخل الأميركي بلا كلفة كان ممكنًا في الماضي، أما اليوم فأي تدخل عدواني ضد إيران يعني فتح حرب شاملة تُساق فيها القوات والمصالح الأميركية إلى المحرقة.
وعليه، فإن العدو الأميركي يدرك جيدًا أن أي حرب مع إيران لن تكون سريعة ولا تكتيكية، بل حرب استنزاف طاحنة، تتآكل فيها القوة الأميركي، و تتضاعف الخسائر، وتُصاب المصالح بضربات قاضية، من دون قدرة حقيقية على الاحتواء أو الردع.
في الأخير نؤكد أن إيران، بما وصلت إليه اليوم من جهوزية وقدرة -بعون الله تعالى-، لا تبحث عن الحرب، لكنها مستعدة لها إلى أقصى الحدود، ومن يخطئ في تقدير هذه الحقيقة، أو يراهن على ردود فعل محدودة، سيكتشف متأخرًا أنه كان يعيش حالة من التبلد وسوء التقدير، في فهم حجم الإعداد، وطبيعة العقيدة الإيرانية الجديدة، والمعطيات الاستراتيجية التي ستفرضها ايران بعون الله تعالى على أرض المعركة.
باحث عسكري
