قراءةٌ في مأسسة الإبادة من أنقاض غزة ومخططات ترامب الاستثمارية على دماء المنكوبين

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
28 يناير 2026مـ – 9 شعبان 1447هـ

تقريــر || عبدالقوي السباعي

كشفت حرب الإبادة الجماعية الصهيونية على قطاع غزة عن تصدعاتٍ عميقة في أُسس القوانين الإنسانية والقيم الأممية، وغدت إعلانًا صريحًا عن انهيار النظام الدولي، مفسحةً المجال لمرحلةٍ جديدة تتسم بمأسسة الإبادة الوحشية عبر ما يُسمى “مجلس ترامب للسلام” في قطاع غزة.

الطرح الذي يبرز اليوم في أروقة السياسة الأمريكية المتطرفة، وتحديدًا مع عودة طروحات ترامب، لا يهدف إلى إرساء الاستقرار وجبر الضرر، بقدر ما يسعى لتصفية القضية والقانون الدولي واستبداله بنظام إمبراطوري يقوم على سطوة المال والاحتكار السياسي، حيث لم تعد المؤسسات الأممية سوى عائق أمام مشروع إدامة الفوضى وتطويع الجغرافيا لمصالح القوى العظمى وحلفائها.

الانهيار الأخلاقي الذي يشهده العالم اليوم يتجلى في تحويل الإبادة الجماعية والدمار الهائل في غزة إلى فرصةٍ استثمارية، وهو ما عكسته التسريبات والتقارير الصحفية، ولا سيما ما أوردته صحيفة “فايننشال تايمز” حول خطط “جاريد كوشنر”، صهر الرئيس ترامب، التي وُصفت بأنها أقرب إلى الخيال السياسي الممزوج بالجشع الرأسمالي، حيث تتعامل مع قطاع غزة كأرضٍ مشاع خالية من شعبها، جاهزة لإعادة الصياغة كشركةٍ عقارية كبرى تحت مسمى الإعمار.

إنَّ الفلسفة التي يقوم عليها نظام “مجلس سلام ترامب” المقترح تمثل ذروة العلو الرأسمالي، حيث يتم تهميش القانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان لصالح قرارات تُصنع في الغرف المغلقة بناءً على الثروة والنفوذ، وتعمل على تجميلها الأبواق الإعلامية الصهيونية العالمية.

نظامٌ يهدف بوضوح إلى حل محل الأمم المتحدة، وتحويل النزاعات الدولية من قضايا حقوقية وقانونية إلى صفقات تجارية؛ ممّا يهدّد ليس فقط السلم العالمي، وإنّما يُنذر بانهيار اقتصادي داخلي في الولايات المتحدة نتيجة التمدّد الإمبراطوري المفرط وبروز قوى عالمية منافسة ترفض هذا التفرد “الصهيوأمريكي”.

وفي قلب هذا الانهيار، يأتي قطاع غزة كشاهد عيان على محاولات اقتلاع الهوية الوطنية واستبدالها بسجلات ملكية إلكترونية وأسهم في أبراج سكنية، ضمن مخطط يهدف إلى شرعنة سرقة الأرض الفلسطينية بأسلوبٍ ناعم يبدو في ظاهره إعمارًا وفي باطنه تصفية للوجود التاريخي والاجتماعي للشعب الفلسطيني، تمامًا كما جرى في نكبة عام 1948م، أو ما يحدث الآن من التفاف وسيطرة للأراضي في القدس والضفة الغربية، بغيّة التوسع في الاستيطان.

لقد طرحت صحيفة “فايننشال تايمز” تساؤلات جوهرية حول منطقية “خطة ترامب” عبر صهره “كوشنر” التي خرجت من جعبة “دافوس” مؤخرًا، مشيرةً إلى أنها تفتقر للموضوعية وتتجاهل الحساسية الفلسطينية المطلقة تجاه أيّ مشروع أمريكي.

إن “كوشنر”، الذي لا يشغل منصبًا سياسيًا رسميًا يخول له تقرير مصير الشعوب، ويقدّم رؤية تقسم القطاع إلى محاور وطرق استثمارية، متجاهلاً أنّ غزة ليست أرضًا بلا شعب، وإنّما مجتمع مترابط يمتلك قداسة خاصة للملكية الشخصية والحيز العام.

الخطة التي تدعو الفلسطينيين لإثبات ملكياتهم أو التحول إلى شركاء بأسهم في مشاريع عقارية تقام على أنقاض بيوتهم، تُعد إهانة للتضحيات الفلسطينية ومحاولة بائسة لتعويض الدم بالمال؛ فالفلسطيني لا يقبل بالتعويض أو الشراكة في ضياع أرضه، خاصة وأنّ الطرف الذي يقدّم هذه الخطط هو نفسه شريك في المقتلة والإبادة والإجرام عبر الدعم العسكري والسياسي غير المحدود الذي يغذي آلة الحرب؛ ممّا يجعل أيّ حديث عن إعمارٍ من قبل هذا الطرف هو محض استكمال للجريمة بوسائل أخرى.

في المقابل هذه المخططات الخيالية، لا بد من اعتماد مبادرات وخطط واضحة تراعي الحالة الفلسطينية، وتحظى بدعم الأمة العربية الإسلامية، وخصوصًا الدول الوسيطة؛ تنطلق من المسؤولية الدينية والإنسانية، والفهم العميق للمكون الاجتماعي الفلسطيني، والإصرار على رفض البرامج والخطط المشبوهة كالتهجير القسري وغيرها، وأنّ تتعامل مع القضية كحق تقرير مصير وطني ثابت، لا كملفٍ عقاري للبيع والمساومة.

وعلى القوى الفلسطينية أنّ تتوحّد في خندق مجابهة هذه المخططات كما توحدّت في مواجهة الإبادة؛ فإنّ صدقت وعود المجلس بالإعمار؛ فلابد أنّ تكون على أساس المنطق الإنساني والتاريخي، وليس مجرد رص حجارة أو تشييد أبراج صماء، وإنّما عملية ذات طابع اجتماعي، وثقافي، وحضاري، تهدف لاستعادة كرامة الإنسان في أرضه وأرض أجداده.

أمّا نظام “مجلس سلام ترامب” وتوجهات “كوشنر”؛ فهي تسعى لتفريغ الإعمار من محتواه القيمي وتحويله إلى أداة للسيطرة والهيمنة، ضاربةً عرض الحائط بكل القوانين الدولية التي يبدو أنها تحتضر تحت وطأة المصالح الرأسمالية المتوحشة؛ ممّا يضع العالم أمام مفترق طرق: إمّا استعادة سلطة القانون الدولي أو الانزلاق نحو غابة عالمية يحكمها مجلس سلام مزعوم بوقودٍ من المال والدماء.