نزيف مالي لصالح واشنطن.. تعثر مشاريع رؤية 2030 السعودية
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
28 يناير 2026مـ – 9 شعبان 1447هـ
تقريــر ||نوح جلّاس
تتوالى الإخفاقات السعودية من يوم إلى آخر، معلنة عن فشل ذريع لمشاريع ما تسمى “رؤية 2030” التي أطلقها مجرم الحرب محمد بن سلمان منذ سنوات.
وذكرت وسائل إعلام سعودية ودولية عن تعليق العمل في مشروع المكعب العملاق في وسط العاصمة الرياض، وهو أحد أبرز مشاريع المربع الجديد، بعد أعمال حفر التربة ووضع الركائز، في خطوة تؤكد فشل تنفيذ المشاريع الكبرى ضمن رؤية 2030، وإعادة تقييم جدواها الاقتصادية.
يأتي ذلك في وقت يشهد فيه صندوق الاستثمارات العامة تراجعاً عن الإنفاق الضخم على المشاريع المستقبلية، ليتم التركيز على مبادرات أقل طموحاً وربحية أسرع، مثل البنية التحتية لمعرض إكسبو 2030، ونهائيات كأس العالم 2034، ومنطقة الدرعية الثقافية، ومشروع القدية السياحي.
وتأتي هذه الإخفاقات بعد النزيف المالي السعودي الخارجي، حيث حولت السعودية موارد هائلة نحو الولايات المتحدة خلال ولايتي ترامب، لتتجاوز نصف تريليون دولار في الأولى، وأكثر من تريليون دولار في الثانية، دون أي عائد اقتصادي حقيقي على المشاريع الوطنية، ليكون هذا الإنفاق الهائل وغير المدروس أحد أبرز عوامل العجز السعودي عن تمويل المشاريع الاستراتيجية مثل “نيوم”، المربوطة برؤية 2030.
وإلى جانب النزيف المالي لصالح أمريكا، استنزفت السعودية مواردها المالية وأضعفت بيئتها الاستثمارية عبر شن الحروب الإقليمية وتغذية الصراعات في المنطقة، وعلى رأسها العدوان على اليمن، حتى تشكلت صورة دولية سلبية وبيئة داخلية مهددة، أدت إلى عزوف المستثمرين المحليين والدوليين عن المشاركة في المشاريع الكبرى.
وتم إطلاق رؤية 2030م والمشاريع الاقتصادية الكبرى بالتزامن مع ذروة العدوان على اليمن، وهو ما خلق حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، بما يتناقض مع متطلبات جذب الاستثمار الخارجي.
وبغض النظر عن كُلفة العدوان طيلة عشر سنوات وما تحتاجه “نصف مليون غارة جوية” من أموال باهظة، فقد أدت العمليات اليمنية في العمق السعودي إلى تراجع كل الأسهم الاستثمارية داخل المملكة، فضلاً عن بروز الردع اليمني كتهديد جعل السعودية بيئة طاردة للاستثمار والبناء الاقتصادي، فيما تسببت الصواريخ والمسيرات اليمنية في حرمان الرياض من نصف عائداتها النفطية، سيما بعد عملية بقيق وخريص التي عطلت إنتاج ما يقارب خمسة ملايين برميل نفط.
ومن أبرز الشواهد على ذلك ما حصل لأرامكو جراء الضربات اليمنية، حيث تراجعت اكتتابات الشركة إلى أدنى من ربع المبلغ الذي كانت السعودية قد حددته كسقف للبيع، حيث حاولت الرياض تجاوز أزماتها المتشابكة ببيع حصص من أرامكو وفتح باب الاستثمار الخارجي، إلا أن الاكتتابات جاءت محدودة، ثم تحولت بعض الاستثمارات إلى الداخل السعودي بأحجام صغيرة، ما يعكس ضعف ثقة المستثمرين في هذه المشاريع المرهونة بتحديات سياسية وعسكرية كبيرة.
وإلى جانب ذلك، يبرز سوء التخطيط والإدارة، فتوقف المشاريع الكبرى التي تم الإعلان عنها بشكل طموح دون دراسة واقعية للقدرات المالية والتنفيذية، مثل (المكعب العملاق)، بعد حفر الركائز فقط، رغم أن تكلفة المربع الجديد تقدر بنحو 50 مليار دولار، أي ما يعادل الناتج المحلي الأردني، يؤكد غياب الدراسات الحقيقية وتضارب الأهداف.
كما لم تستطع الرياض التغلب على “عقدة الاعتماد على النفط”، سيما أن حصيلة مشاريع الترفيه والسياحة والشباب لم تحقق أي مردود اقتصادي، ما جعل الاقتصاد السعودي يعتمد على النفط بنسبة عالية بعيداً عن الطموح الذي روّج له بن سلمان، ما يكشف ضعف استراتيجية تنويع مصادر الدخل وفشل الرؤية الاقتصادية في تحويل السعودية إلى اقتصاد مستدام.
وفي إطار العوامل التي ساهمت في إضعاف القدرات السعودية والحيلولة دون إنجاز المشاريع، فإن أزمة اغتيال خاشقجي 2018 وما خلفته من عزلة دولية للسعودية، والنزاعات مع قطر، وجائحة كورونا، كلها زادت من تعقيد تنفيذ المشاريع، وعكست عدم قدرة الحكومة السعودية على إدارة الأزمات السياسية والاقتصادية بشكل متكامل، فضلاً عن حملة الاعتقالات واحتجاز الشخصيات البارزة التي قادها بن سلمان داخل وخارج “المحيط الملكي” عقب إقصاء ولي العهد السابق محمد بن نايف، والتي أحدثت حالة شك داخلي وأضعفت الثقة في المشاريع الاقتصادية الكبرى، بينما كانت الرؤية تحاول الترويج لـ”نموذج سعودي جديد”.
ومع كل ذلك، قد يقود احتدام الصراع مع الإمارات إلى نتائج أكثر كارثية، ما يجعل المشاريع الصغرى البديلة – التي لجأ إليها قطاع الاستثمار السعودي – غير قابلة للتنفيذ أيضاً، الأمر الذي يزيد من حالة التيه والتقهقر السعودي على كل المستويات.
وبناء على كل هذه المعطيات، بات الجميع أمام حقيقة ثابتة تتمثل في أن المشاريع الضخمة في السعودية لم تكن سوى مسرحية للترويج السياسي والصورة الدولية، بينما الواقع الاقتصادي والسياسي للمملكة يواجه إخفاقات كبيرة، تجعل من تنفيذ أي مشروع استراتيجي طموح تحدياً شبه مستحيل في ظل هذه السياسات المتضاربة التي جعلت المملكة بقيادة بن سلمان لا تحمل أهدافاً واضحة ولا رؤى حقيقية، ولا مساراً محدداً يُدرك نهايته.
لقد اجتمعت عوامل كثيرة، لتعثر المشاريع وفقدان رؤية 2030 بريقها، ومن أبرزها الفساد المستشري في الأسرة الحاكمة، وهدر المليارات من الدولارات على حساب الشعب، إضافة إلى قيام ترامب بالحلب المتواصل للمملكة التي سلمت واشنطن تريليون دولار، وكلها تأتي على حساب المواطن البسيط في السعودية.
المصدر: “المسيرة نت”
