قراءة في دلالات التفوق اليمني وسقوط الرهان البريطاني الأمريكي الصهيوني

1

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
26 يناير 2026مـ – 7 شعبان 1447هـ

تقريــر || عبدالقوي السباعي

في السادس والعشرين من يناير 2024م، كان البحر العربي مسرحًا لواحدةٍ من أعظم عمليات الرصد والكسر في تاريخ المواجهة البحرية الحديثة ومن أكثر العمليات العسكرية دلالة وتعقيدًا؛ واليوم، يزيح الإعلام الحربي اليمني الستار عن الصندوق الأسود لعملية السفينة البريطانية “مارلين لواندا”، ويرسم مشهدًا دراماتيكيًا تجاوز حدود الخيال العسكري.

قبيل غروب شمس ذلك اليوم، وبينما كان البحر العربي يلفه هدوء حذر، كانت السفينة البريطانية “مارلين” تحاول التسلل تحت علم “جزر مارشال”، ظن طاقمها أنّ التمويه كفيل بعبورهم صوب الموانئ الصهيونية، لكنهم سقطوا في فخ الأعين المفتوحة؛ فالقوات المسلحة اليمنية، وفي تطبيقٍ حرفي لتوجيهات القيادة الصارمة، كانت ترصد أدق حركات السفينة، منتظرة اللحظة التي تجتاز فيها الخطوط الحمراء.

وبقرارٍ فوري وتوقيت دقيق، انطلق “صاروخ البحر الأحمر” ليستقر في منتصف السفينة تمامًا، في إصابةٍ مباشرة حوّلت جسد السفينة البريطانية إلى كتلةٍ لهب، وصرّح ضابط في القوات المسلحة أنّ اختيار خليج عدن للاستهداف كان رسالة تعمّد واضحة، “حظرنا لا يحده البحر الأحمر، ونيراننا ستطالكم في كل مناطق الحظر المشمولة”، في إطلالةٍ تحمل أبعادًا استراتيجية.

وفي سياق الكشف عن تفاصيل هذه العملية التي أحدثت موجة من القراءات والتحليلات في الأوساط العسكرية والسياسية؛ فخلف النيران التي استمرت 19 ساعة، تكمن تحولات استراتيجية كبرى تُعيد رسم موازين القوى في خليج عدن والبحر العربي وما وراءه؛ وفيما يلي قراءة شاملة لهذا الحدث المهم وفقًا لخبراء ومراقبين عسكريين:

التفوق الاستخباراتي وجغرافيا الانفجارية.. رسالة المدى المفتوح

يرى خبراء ومحللون عسكريون أنّ العملية لم تكن عشوائية، وإنّما استندت إلى جهد استخباري يمني متطور استطاع اختراق جدار السرية والتعتيم والتمويّه الذي تفرضه شركات الشحن المرتبطة بكيان العدو الإسرائيلي ومنها السفن البريطانية؛ ما يبرهن على أنّ هذه العملية تمثّل نقطة تحول جوهرية في معادلة حرب البحار التي تشنها صنعاء إسنادًا لغزة.

ويؤكّد المحللون أنّ معرفة نوع الحمولة “وقود طيران حربي” رغم رفع السفينة لعلم “جزر مارشال” للتمويه، يثبت أنّ القوات المسلحة اليمنية تمتلك قدرات رصد سيبراني وبشري، تتجاوز حدود المراقبة التقليدية؛ ممّا يجعل كل سفينة مشبوهة كتابًا مفتوحًا أمام القيادة العسكرية في صنعاء.

ويُشير مراقبون وعسكريون إلى أنّ تعمّد استهداف السفينة في خليج عدن، وليس في مضيق باب المندب، يحمل دلالة عملياتية بالغة الأهمية؛ فبينما كانت القوى الغربية تراهن على تأمين ممرات بديلة بعيدة عن البحر الأحمر، أثبتت القوات المسلحة اليمنية قدرتها على مد ذراعها الطولى إلى مناطق مفتوحة.

والاستهداف في خليج عدن يعني أنّ بنك الأهداف اليمني لا ينحصر في جغرافيا وإنّما يتسع ديناميكيًا مع تحرك الهدف؛ ممّا يجعل مفهوم المنطقة الآمنة لشركاء العدو الصهيوني مفهومًا ساقطًا عسكريًا أمام القدرات اليمنية المتصاعدة كمًّا ونوعًا.

وعند هذه النقطة تحديدًا يتوقف الخبراء طويلاً، حيث اعتبر اختيار هذا الموقع رسالة ردع جغرافية صريحة؛ فمن خلال ضرب هدف استراتيجي خارج نطاق البحر الأحمر، ترسل اليمن رسالة للأساطيل الغربية بأنّ منطقة الحظر ديناميكية وتتطوّر باستمرار ويمكن تجسيدها مستقبلاً؛ ممّا يسقط نظرية الهيمنة المطلقة التي حاولت لندن وواشنطن الترويج لها أو ربطها في إطار تفاهمات سابقة.

أسرار الشحنة.. السقوط الأخلاقي واللوجستي لـ “لندن”

الكشف اليمني بأنّ السفينة كانت تحمل وقودًا مخصصًا للطيران الحربي الصهيوني، يضع بريطانيا في مواجهةٍ مباشرة مع القوانين الدولية كشريكٍ في جرائم الإبادة؛ ما يعكس البُعد الأخلاقي والسياسي، في الربط بين طبيعة الحمولة “وقود الإبادة” وبين الجرائم الصهيونية في قطاع غزة.

ويرى مراقبون أنّ اليمن نجح في تحويل المعركة من إعاقة ملاحة إلى تجفيف منابع القتل، واستهداف وقود الطائرات تحديدًا هو رسالة بأنّ صنعاء تقرأ بيانات الشحن بدقة استخباراتية عالية، وليست مجرد ضربات عشوائية كما يروج الإعلام الغربي.

كما أنّ السفينة “لواندا” لم تكن مجرد ناقلة نفط؛ بل كانت مخزنًا لـ “أسرار قاتلة”، والحمولة لم تكن تجارية عادية، وإنّما كانت “مواد سريعة الاشتعال مخصصة للطيران الحربي الصهيوني”، وهنا تحولت السفينة من هدف ملاحي إلى هدف أخلاقي استراتيجي؛ فإحراق هذه الشحنة يعني حماية أطفال غزة من غارات إجرامية كانت تنتظر هذا الوقود.

الأمر الذي يُثبت أنّ اليمن نجح في تأطير عملياته كـ “دفاع مشروع” ومنع مادي للمساهمة في الإبادة الجماعية، وهذا الربط يضع الجانب البريطاني في موقف حرج أمام الرأي العام الدولي، حيث ظهرت لندن كمزود لوقود القتل؛ بينما يعكس مصداقية اليمن كقوةٍ تمنع هذا الوقود من الوصول لآلة الحرب الصهيونية.

الرسائل السياسية.. الردع في زمن العسكرة

يربط المحللون بين توقيت بث هذه المشاهد اليوم الاثنين، وبين المحاولات الأمريكية البريطانية الصهيونية المستمرة لإعادة عسكرة اليمن عبر تحريك الأساطيل البحرية هنا أو هناك، أو الأدوات المحلية من العملاء والخونة في الداخل.

وعــدَّ مراقبون بث المقطع تحذيرًا شديد اللهجة لأمريكا وبريطانيا؛ مفاده لن تجدوا في الأدوات الداخلية إلا مزيدًا من الخسارة والفشل، كونها ستواجه بردود أقسى؛ فمن عجز عن حماية وقود طائراته في عرض البحر، هو أعجز من أنّ يكسر إرادة شعب قرر مساندة غزة بالدم والنار.

وجاءت كرسالة ضمنية تجسيدًا لمعادلة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- “بأننا نرصد.. نراقب عن كثب.. نتابع.. ولن نتردد”؛ رسالة قاسية وصفعة تذكيرية خشنة للتحالفات القديمة والجديدة، والتي لا تزال تراهن على عسكرة اليمن والمنطقة، بأنّ يستوعبوا دروس الماضي القريب.

تقنيًّا؛ عاش العالم 19 ساعة من الذهول؛ 19 ساعة والطواقم البريطانية تطلق صيحات الاستغاثة المرعوبة، و3 سفن حربية متعددة الجنسيات تحاول عبثًا إخماد غضب اليمن، وفشلت التكنولوجيا الغربية في إطفاء حريق أشعلته إرادة يمنية حرة، لتظل السفينة عبرةً لكل من يحاول كسر الحصار اليمني أو العبث بأمن المنطقة واستقرارها.

يؤكّد مهندسون أنّ إصابة السفينة في منتصفها بدقة متناهية كانت تهدف لتفجير خزانات الوقود بشكّلٍ مباشر، تعكسها دقة نقطة الارتطام؛ ممّا جعل عملية الإطفاء شبه مستحيلة، وهذا العجز يعزز من مصداقية خطاب السيد القائد حول فاعلية السلاح اليمني وقدرته على إحداث ضرر دائم، ويعكس هزيمة تقنية للمدمرات البريطانية والأمريكية التي عجزت عن حماية بيئة العمليات أو حتى إنقاذ شحنتها الحيوية.

ويخلص الخبراء إلى أنّ هذه العملية ثبّتت ثلاث حقائق رئيسية: (استخباراتيًّا)، قدرة اليمن على كشف هوية الشحنات المخفية خلف أعلام التمويه، (عملياتيًّا)، قدرة الصواريخ اليمنية على الوصول لأهداف بعيدة وبدقة جراحية، (سياسيًّا)، تأكيد أنّ الحصار اليمني على كيان العدو قرار سيادي لم ولن يتأثر بالتهديدات الأمريكية والبريطانية والصهيونية.

وبالنتيجة؛ فإنّ عملية “مارلين لواندا” باتت مرجعًا عسكريًّا سيُدرّس في الأكاديميات العسكرية، للاستفادة بكيفية تحوّل اليمن إلى قوة قادرة على فرض معادلات زمنية ومكانية من البحر الأحمر والعربي وإلى ما بعدهما وفي ضفافٍ أخرى، وأخذ العبّرة كون الذي احترق تلك الليلة هو أكثر من سفينة ووقود؛ لقد احترق كبرياء وغطرسة قوى الهيمنة والاستكبار العالمية ككل.