ترامب يعيد إنتاج الهيمنة الأميركية بالقوة.. استراتيجية “أمن قومي” تقوم على الأحادية وابتزاز الحلفاء ونهب الثروات

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
25 يناير 2026مـ – 6 شعبان 1447هـ

قدّم كل من الكاتب والباحث الأردني في الشؤون السياسية والاستراتيجية الدكتور ميشال شحادة، والخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية العميد علي أبي رعد، قراءة لما تسمى “استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للأمن القومي”.

وفي مداخلة خاصة على قناة المسيرة، كشف شحادة وأبي رعد الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية للاستراتيجية “الترامبية”، وانعكاساتها على الحلفاء والخصوم، في ظل تصاعد النهج الأحادي، وتراجع مفهوم الشراكات التقليدية، واتساع دوائر التنافس الدولي.

في الإطار العام لاستراتيجية ترامب أكد الدكتور ميشال شحادة أن الوثيقة الاستراتيجية للأمن القومي في عهد ترامب انطلقت من شعار “أمريكا أولاً”، ثم توسعت إلى “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، باعتبارهما الأساس الناظم للسياسة الأمريكية.

واعتبر أن ترامب حدّد المجال الحيوي للولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي، ليس فقط كمنطقة جغرافية، بل كحيز جيوسياسي يشكل عمقاً استراتيجياً شاملاً.

وأوضح أن هذه الرؤية أعادت تفعيل مبدأ مونرو بصيغة جديدة، مع إصرار ترامب على ربطه باسمه، بما يحوّل كامل نصف الكرة الغربي إلى مجال نفوذ مباشر للولايات المتحدة، وليس مجرد “حديقة خلفية” تقليدية.

ونوّه شحادة إلى أن الاستراتيجية الأمريكية اعتمدت ثلاثية متكاملة تقوم على الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة، إلى جانب البعد العسكري الهجومي والدفاعي، لافتاً إلى أن السيطرة على الطاقة اعتُبرت أولوية قصوى وحيوية، في سياق السعي لترسيخ التفوق الأمريكي الشامل.

وبيّن أن الوثيقة صنّفت المحيطين الهندي والهادئ كساحة المعارك المقبلة، في إشارة مباشرة إلى الصين، بينما تعاملت مع أوروبا من زاوية “الاستقرار الاستراتيجي” لا “الاستقلال الاستراتيجي”، رافضة الطروحات الأوروبية الساعية إلى مسار ثالث بعيداً عن واشنطن وبكين.

وتطرق شحادة إلى أن رؤية ترامب تقوم على إلزام الحلفاء بدفع ثمن دفاعهم عن أنفسهم، مع تقليص التدخل الأمريكي المباشر، والاكتفاء بإدارة الوكلاء في الدفاع والهجوم، بما يخدم المصالح الأمريكية أولاً.

أما في المنطقة العربية، فأكد أن الأولوية انتقلت من الترويج للديمقراطية إلى الشراكات الاقتصادية، مع تراجع أهمية المنطقة كمصدر وحيد للطاقة، بعد تنوع المصادر وتحول الولايات المتحدة نفسها إلى منتج رئيسي.

واعتبر شحادة أن الاستراتيجية تعكس انتقالاً من الهيمنة المطلقة إلى إدارة التنافس، في ظل اعتراف أمريكي ضمني بتراجع النفوذ.

وطرح تساؤلاً مركزياً حول ما إذا كانت سياسة “العودة إلى الحصن الأمريكي” قادرة على استعادة أمجاد الولايات المتحدة، أم أنها تمثل مدخلاً لتسريع التراجع الإمبراطوري، في سياق دولي يتجه نحو تعددية الأقطاب.

من جهته، شدد العميد علي أبي رعد على أن السمة الأبرز لإدارة ترامب تمثلت في الأحادية المنفّرة والتعاطي الفوقي مع الحلفاء، وهو ما تجلّى في خطاباته، بما فيها مواقفه في المحافل الدولية وتجاه حلف الناتو.

وأشار إلى أن هذا السلوك قوض إمكانية بناء تحالفات فاعلة، كما كان الحال في السياسات الأمريكية السابقة، سواء في العراق أو اليمن، معتبراً أن الخطاب الأمريكي حول اليمن، وتبرير الضربات باعتبارها أعادت أمن الملاحة، يتناقض مع الوقائع.

وفي سياق متصل، وأوضح أبي رعد أن الاهتمام الأمريكي بغرينلاند ينطلق أولاً من اعتبارات عسكرية بحتة، تتعلق بمسار الصواريخ البالستية العابرة للقارات، حيث تمثل الجزيرة نقطة مثالية لاعتراضها بنسبة إصابة مرتفعة في حال نشر أنظمة مضادة للصواريخ هناك.

وأضاف أن مشروع “القبة الذهبية”، الذي يتباهى به ترامب، يحمل كلفة أولية تتجاوز 175 مليار دولار، مع محاولة تحميل الأوروبيين جزءاً من أعبائه، رغم تغير الخطاب الأمريكي لاحقاً لتصويره كمنظومة دفاعية تشمل كندا وغرينلاند وأوروبا.

ولفت أبي رعد إلى البعد الاقتصادي الاستراتيجي، مشيراً إلى أن الصين تسيطر على نحو 75 بالمئة من المعادن النادرة عالمياً، في حين تؤكد الدراسات وجود 42 معدناً نادراً من أصل 50 تصنفها الولايات المتحدة ضرورية للصناعات العسكرية والتكنولوجية تحت جليد غرينلاند، ما يفسر تصاعد الاهتمام الأمريكي بالجزيرة.

وفي المحصلة، تكشف مداخلتا شحادة وأبي رعد أن استراتيجية ترامب للأمن القومي تقوم على إعادة رسم خريطة النفوذ الأمريكي عبر القوة والأحادية، مع تحميل الحلفاء كلفة الحماية، وتوسيع ساحات التنافس، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات اقتصادية وديوناً متراكمة، ما يضع مستقبل هذه الاستراتيجية بين رهان استعادة الهيمنة، واحتمال تعميق التراجع في نظام دولي متعدد الأقطاب.