قبيسي عن الضغوط الصهيوأمريكية ضد إيران: محاولات لاستعادة الردع دون الجرأة على مواجهة شاملة

0

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
25 يناير 2026مـ – 6 شعبان 1447هـ

أكد الكاتب والمحلل السياسي هادي قبيسي أن التدخل العسكري الأميركي في سياق المواجهة مع إيران كشف أزمة عميقة في مصداقية الولايات المتحدة، سواء تجاه حلفائها وعملائها داخل إيران من المجموعات الإرهابية، أو على مستوى صورة الردع الأميركي في المنطقة.

وأشار في مداخلة خاصة على قناة المسيرة، إلى أن التقديرات الأميركية والإسرائيلية قامت على افتراض أن “الكيان الصهيوني” لن يتدخل منفرداً، أو أنه غير قادر على ذلك دون غطاء أميركي مباشر، ما أدى إلى اختلال في ميزان الانطباعات الإقليمية.

وأوضح قبيسي أن هذا الواقع فرض على واشنطن أولوية ملحّة تتمثل في تحسين صورتها العسكرية والسياسية، ليس فقط على مستوى الإقليم، بل أيضاً داخل إيران نفسها، معتبراً أن هذا الهدف يشكل الدافع الأول للتحركات الأميركية الأخيرة.

وأضاف أن الإدارة الأميركية انتقلت بالتوازي إلى تنفيذ برنامج متكامل ذي أبعاد اقتصادية وعسكرية ونفسية، يقوم على ما وصفه بـ”مثلث الأوضاع”، حيث يشكل البعد النفسي جوهر هذا البرنامج عبر إدارة التوقعات وضغط الترقب، من خلال التلويح المستمر بمواعيد ومهل زمنية محددة، أسبوعاً بعد آخر، وربطها بأحداث اقتصادية وإعلامية، في عملية ممنهجة تهدف إلى إنهاك الدفاعات النفسية للمجتمع الإيراني.

ولفت إلى أن هذا الضغط النفسي يترافق مع ضغوط اقتصادية وحملات سياسية وإعلامية تسعى إلى زرع الانقسام داخل النخب الإيرانية والمجتمع، لافتاً إلى أن هذا البرنامج يحتاج إلى أشهر وربما أكثر لتحقيق نتائجه، كما جرى اختباره سابقاً في لبنان على مدى سنوات، لكنه فشل بسبب التماسك الروحي والمعنوي والعقائدي لدى مجتمع المقاومة وقيادته، مؤكداً أن الولايات المتحدة تحاول اليوم تكرار التجربة نفسها على مستوى إيران.

وعلى المستوى العسكري، شدد قبيسي على أن الأميركيين يتحدثون عن الحرب على إيران منذ عام 2003، إلا أن البنتاغون كان دائماً الجهة التي تعارض الذهاب إلى مواجهة شاملة، مؤكداً أن واشنطن، رغم استهداف إيران لقاعدة مركزية لها في قطر، امتنعت عن الدخول في حرب مباشرة واختارت الانكفاء.

وتطرق إلى أن التدخل الأميركي الأخير اقتصر على عملية محدودة باتجاه منشأة فوردو، وهي عملية مشكوك في نتائجها حتى داخل الأوساط الأميركية نفسها، بما فيها مصادر محايدة ومؤيدة للإدارة، رغم محاولات الرئيس ترامب تضخيم نتائجها بأسلوبه الاستعراضي.

وبيّن قبيسي أن الظروف الحالية مختلفة، إذ يواجه ترامب أزمات اقتصادية وداخلية، إضافة إلى صراع مع الصين، معتبراً أن الحديث الأميركي عن تراجع أولوية الصين دفاعياً ليس سوى محاولة لتجنب استفزازها، لأن أي مواجهة مباشرة معها ستكون مدمرة للاقتصاد الأميركي.

وتابع بالقول إن الولايات المتحدة تواجه أيضاً مأزقاً في المنطقة، حيث أثبتت الوقائع أن الكيان الصهيوني عاجز عن مواجهة إيران دون القدرات العسكرية الأميركية، وهو ما ظهر بوضوح في انسحاب واشنطن من التحريض خلال الاحتجاجات السابقة داخل إيران، وبعد افتضاح الدور الأميركي في العمليات الإرهابية.

واعتبر قبيسي أن واشنطن تحتاج إلى حضور عسكري مكثف لاستعادة صورة القدرة والحسم، وإلى حسم الصراع في الشرق الأوسط لإرسال رسالة إلى العالم، لكنه أشار إلى أن السيناريوهات العسكرية المحتملة معقدة ومتعددة، وأن الحديث عن نتائجها يطول.

وفي المقابل، رأى أن إيران، وفق المعطيات والتصريحات الرسمية، تتعامل مع هذا التهديد على أنه فرصة استراتيجية، لافتاً إلى أن طهران أعلنت خلال أيام الحرب الأولى أنها أعدّت خططاً مستقبلية ضد الكيان الصهيوني، ما يعني أنها لم تستخدم كامل قدراتها العسكرية، بل اعتمدت سياسة الاحتواء وإيصال رسائل نوعية لا كمية.

وضرب قبيسي مثالاً باستهداف محطة الطاقة في حيفا، حيث اكتفت إيران بضرب غرفة الإدارة بصاروخ أو صاروخين، ما أدى إلى تعطيل المحطة لأشهر، رغم امتلاكها القدرة على تدميرها بالكامل، مؤكداً أن هذه الضربات جاءت في إطار رسائل دقيقة استهدفت نحو خمسين موقعاً استراتيجياً داخل الكيان، دون استنزاف القدرة القتالية الإيرانية.

وأضاف أن الخطاب الحالي للقادة العسكريين الإيرانيين يوحي بأن ما جرى خلال المرحلة الماضية كان تمهيداً لمرحلة مختلفة، في ظل رفض شعبي أميركي واسع للدخول في حرب جديدة، وتماسك داخلي غير مسبوق في إيران عقب العمليات الإرهابية، وتفوق واضح في إدارة المواجهة الداخلية.

وشدد على أن الأوضاع الاقتصادية الأميركية، إلى جانب الانقسامات السياسية والاجتماعية الحادة داخل الولايات المتحدة، تجعل من الحرب الطويلة عبئاً خطيراً على واشنطن.

وختم قبيسي مداخلته بالقول إن القراءة الإيرانية تتجه نحو تحويل اللحظة الراهنة إلى نقطة انقلاب إقليمي، عبر إلحاق أذى بالغ بالكيان الصهيوني، مشيراً إلى أن داخل الكيان نحو ألف وسبعمئة هدف استراتيجي اقتصادي وحيوي وعسكري يمكن إصابتها بعدد محدد من الصواريخ ذات تأثير كبير، وهو ما يدركه الإسرائيليون أنفسهم، بدليل طلبهم من الأميركيين عدم فتح النار قبل وصول الأساطيل والقوة الأميركية الكافية، لعلمهم بعدم قدرتهم على المواجهة منفردين.