هل صارت الحرب أهون الشرور؟

1

ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
24 يناير 2026مـ – 5 شعبان 1447هـ

بقلم / ناصر قنديل

في كل السيناريوهات الافتراضية للحرب في المنطقة أنها ما لم تكن هناك حرب أميركية إسرائيلية مع إيران فلن تتمكن من الحديث عن إنجاز تغيير في الشرق الأوسط، خصوصاً أن الحسم في حرب مع لبنان وغزة غير ممكن عملياً مع ارتباطه بحرب برية مكلفة جداً وغير مضمونة النتائج، بينما الحرب مع اليمن أشدّ صعوبة وأعلى كلفة، وما دامت الحرب مع إيران أو عليها قدر في حال خوض حرب أخرى ضد قوى المقاومة يصير الأفضل عدم تشتيت القوى والذهاب مباشرة إلى هذه الحرب في التقييم والتقدير، بعد سقوط نظرية قص الأذرع التي ثبت عدم واقعيتها، حيث رغم إضعاف من تصفهم أميركا و”إسرائيل” بأذرع إيران، بقي لديهم ما يعطل الحلول الأميركية الإسرائيلية ويصعب اجتثاثه، والسؤال هنا عن حسابات هذه الحرب مع إيران أو عليها؟

ما جرى خلال الأسبوعين الماضيين يكشف حجم الارتباك الناجم عن قرار الحرب في واشنطن، وصعوبته وكلفته على “إسرائيل”، حيث تمّ التراجع عن قرار الحرب بعدما نجحت إيران في احتواء الاحتجاجات الشعبية ومنع تصاعدها، كما نجحت في تطويق وتفكيك شبكات التخريب الداخلي تقنياً وأمنياً، وسقط رهان الجمع بين الحرب الخارجية والتمرد الداخلي الوازن، وبات على صاحب قرار الحرب أن يصرف النظر عن انتظار وضع داخلي مناسب في إيران، وأن يدرس خياراته بناء على تقديرات موازين القوى والاحتمالات.

النقاش هذه المرة لا يتم على خلفية الحاجة إلى استكمال الحروب التي بدأتها واشنطن وتل أبيب، فكل المعطيات تقول إن الحرب ليست نزهة في الحسابات الأميركية والإسرائيلية من زاويتين كافيتين لاعتبار الحرب تحدياً صعباً، الزاوية الأولى اقتصادية تتصل بمصير سوق الطاقة العالمي الذي سوف ينفجر قطعاً في حرب فاصلة، بفعل إقفال مضيق هرمز الذي لا شك في حدوثه، وما يترتب على ذلك إضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة، من تداعيات على كل من أوروبا التي لن تجد مورداً للطاقة بعدما خسرت المورد الروسي، ودول الخليج المهددة بوقف مواردها المالية لأسابيع وربما لأشهر، أما من الزاوية العسكرية فعلى أميركا الاستعداد لحتمية استهداف قواعدها وسفنها وحاملات طائراتها وفقدان أعداد من جنودها وضباطها، بينما سوف يكون على “إسرائيل” الاستعداد لضربات صاروخية قاسية أشدّ تسبباً بالألم من الضربات التي رافقت جولة الحرب في حزيران العام الماضي، وقد بات معلوماً لواشنطن وتل أبيب أن القدرة النارية التي يمكن استهداف إيران بها سوف تلحق أضراراً ضخمة بإيران لكنها لن تمنع قدرة مواصلة الحرب على إيران.

النقاش يدور حول بدائل الحرب، وقد صار واضحاً أن التهويل والعقوبات والضغوط الاقتصادية والسياسية والأمنية لن تسقط إيران، ولن تدفع بقياداتها للتنازل، ولن تدفع الوضع نحو انهيار النظام الإسلامي الحاكم، وببقاء الوضع على حاله، حيث إيران صامدة متمسكة بتخصيب اليورانيوم وتطوير البرنامج الصاروخي ودعم حركات المقاومة، سوف تكون المنطقة على صفيح ساخن يستحيل أن يحسم فيها أي ملف أو تحسم فيها أي ساحة وأي حرب، من لبنان إلى غزة إلى اليمن والعراق، وتكفي حركات المقاومة الصمود كي تتحدّث عن انتصار، وتكفي أميركا و”إسرائيل” التسليم بالعجز عن تحقيق النصر كي تواجه الهزيمة، والاستعصاء في المنطقة يعني استنزافاً عسكرياً واقتصادياً وسياسياً لـ”إسرائيل” وحكومتها التي ستقترب لحظة إدانتها بالفشل، لكنه يعني فشلاً أميركياً سياسياً كبيراً، في ظل تحديات وجودية في المنافسة مع روسيا والصين ومخاطر انشقاق أوروبا، بحيث تصبح المعادلة أنه من دون حرب فاصلة في المنطقة يصبح التراجع حتمياً في سطوة أميركا ومهابة رئيسها الذي بدأ يتلمس معالم التمرد على مزاعمه بقيادة العالم مع مقاطعة لا يستهان بها لمجلس السلام الذي أراده مجلس إدارة لحكم العالم انطلاقاً من ملف حرب غزة.

بالمقابل لم تعد الحرب بالنسبة لإيران وقوى المقاومة مصدر القلق الأكبر الذي يجب تفاديه، لأن الاستنزاف القائم لا يقل كلفة وصعوبة وقسوة عن الحرب الفاصلة، وحيث تداعيات الحروب غير المنتهية في داخل كل ساحة تتسبب بتغييرات سياسية هيكلية لصالح إتاحة المبادرة أمام القوى المناوئة للمقاومة ومحاصرتها، ويبدو أن بديل الحرب مع الاحتلال فرضيات حروب داخلية صغيرة، ولذلك لم يكن الكلام الإيراني عن فرضية الحرب الاستباقية ولا كلام قوى المقاومة عن حدود للصبر على الاعتداءات المتواصلة مجرد كلام إعلامي وسياسي، بل تعبير دقيق عن التحرر من قلق الحرب الكبرى، وهو تحرّر بات يطال جمهور وبيئة قوى المقاومة التي تضغط للخروج من هذا الاستنزاف المادي والمعنوي القاتل.

اللحظة التي تعيشها المنطقة ربما تفرض الحرب تمهيداً لرسم توازنات غير قابلة للاجتهاد، لا يستطيع الجميع فيها التحدّث عن النصر، يكون الرابح فيها واضحاً والخاسر فيها بائناً، وإن أجبر التوازن الأطراف على وقف الحرب فسوف تمهد للتفاوض الذي ينتج تسويات تطال كل الملفات المفتوحة لإقفالها على قياس ما تكون توازنات الحرب قد

قامت برسمه بوضوح، وربما هذا ما يجعل الحاجة لأخذ الحديث عن فرضية الحرب هذه المرة بجدية أكبر من المرات السابقة التي تلت حرب الصيف في العام الماضي.