معالم المشروع القرآني: رؤية إحيائية لإعادة بناء الأمة لتكون بمستوى التحديات
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
19 يناير 2026مـ –30 رجب 1447هـ
المشروع القرآني الذي قدّمه شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) كان بعيدًا عن أن يكون ردّة فعل آنية على حدثٍ سياسي عابر، لكنه ثمرة شخصية قرآنية متكاملة تشكّلت في قلب معاناة الأمة، واستنارت بالقرآن الكريم في واحدة من أكثر المراحل التاريخية قسوةً وتعقيدًا، ففي زمن الهيمنة الأمريكية–الإسرائيلية، وحالة الخضوع العام، وانسداد الأفق، وغلبة اليأس، تقدّم هذا الرجل، من موقع الإيمان الواعي والمسؤولية الدينية والأخلاقية، ليطرح على الأمة مشروعًا قرآنيًا متكاملًا، أعاد فيه للقرآن الكريم وظيفته كمنهج حياة، وميزان وعي، وأداة تغيير.
انطلق شهيد القرآن من قراءة قرآنية عميقة للواقع، قراءة تجاوزت السطحيات والتحليلات السياسية المجرّدة، لتعالج جذور الأزمة المتمثلة في أزمة الثقة بالله، وغياب الشعور بالمسؤولية، وتغييب الروحية الجهادية، وتشويه المفاهيم الإيمانية، وافتقاد الوعي بحقيقة الصراع وأدواته، ومن هذا التشخيص، قدّم مشروعًا قرآنيًا لا يشبه مشاريع المنظّرين والمقتصرين على تشخيص الداء دون تقديم الدواء، وإنما تميّز بتحديد مسارات العلاج، وإعادة بناء الإنسان المسلم فكريًا وروحيًا وعمليًا.
تبلور المشروع القرآني في ظروف عصيّة، حيث كانت الأنظمة متورطة في مشاريع الهيمنة، والنخب غارقة في الصمت أو التبرير، والشعوب واقعة تحت وطأة الإحباط والعجز، ومع ذلك، أتى شهيد القرآن ” رضوان الله عليه” بالمشروع القرآني ليغيّر المعادلات، بعد أن جعل من القرآن الكريم قوة فاعلة تصنع الوعي، وتبني الموقف، وتحرّك الأمة من حالة التلقي والتفرّج إلى موقع المسؤولية والفعل والتأثير.
إن الحديث عن معالم المشروع القرآني لشهيد القرآن هو حديث عن رؤية متكاملة لإحياء الأمة، بدأت بإعادة بناء العلاقة بالله، ومرّت بإحياء الشعور بالمسؤولية، وتعزيز الوعي والروحية الجهادية، وتصحيح المفاهيم، وانتهت إلى بناء موقف عملي في مواجهة الهيمنة والطغيان الأمريكي الإسرائيلي.
وفي الصفحات التالية، نقف عند أبرز هذه المعالم، كمرتكزات مشروع أثبت حضوره وتأثيره في الواقع، وفتح للأمة نافذة أمل في زمن ظنّ كثيرون أن الأبواب قد أُغلقت فيه إلى الأبد، وقد اعتمدنا على خطاب السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي في ذكرى شهيد القرآن للعام 1435هـ.
معالجة أزمة الثقة بالله
ينطلق المشروع القرآني الذي قدّمه شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي(رضوان الله عليه) من تشخيص دقيق لأزمة عميقة تعيشها الأمة الإسلامية، تتجاوز مظاهر الضعف السياسية والعسكرية لتصل إلى جوهر العلاقة بالله سبحانه وتعالى، فالأمة – وفق هذا التشخيص – باتت بعيدة عن التحرك على أساس الثقة بوعد الله، رغم وضوح هذا الوعد في القرآن الكريم بالنصر والتمكين لمن يتحمّل مسؤوليته في نصرة الحق ومواجهة الظلم.
يشير شهيد القرآن إلى أن حالة القعود والتخاذل التي أصابت الأمة ليست نتيجة غياب النصوص أو قلّة الوعظ، بل نتيجة فقدان الثقة العملية بالله، حيث تحوّلت الوعود الإلهية إلى مفاهيم نظرية غير قادرة على تحفيز الفعل أو صناعة الموقف، فبدلًا من أن تُقرأ الآيات القرآنية والوعود الإلهية بوصفها برنامج عمل، جرى التعامل معها كخطاب روحي منفصل عن الواقع.
ومن هنا ركّز المشروع القرآني على إعادة تقديم المعرفة بالله من خلال القرآن الكريم، بوصفها قوة دافعة تنتج الطمأنينة، وتحرّر الإنسان من الخوف من الطغاة، وتعيد بناء الثقة بوعد الله كحقيقة يمكن الرهان عليها في ميدان المواجهة.
في هذا الجانب يقول السيد القائد:
شهيد القرآن: “قدّم الرؤية المتكاملة من خلال القرآن الكريم في المعالم الأساسية لهذه الرؤية، عمد أولًا إلى تعزيز الثقة بالله سبحانه وتعالى، وبحكم تقييمه لواقع الأمة كان يرى هناك أزمة ثقة، أزمة ثقة بالله تعيشها هذه الأمة، عندما يقرأ في القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى قدّم وعودًا لهذه الأمة إن هي سارت في الاتجاه الصحيح، الاتجاه القائم على العدل، على الحق، على الخير في إطار المسؤولية الكبرى لهذه الأمة، أن ينصرها الله، أن يعينها عندما تقف في وجه الظلم، في وجه الطغيان، في وجه الإجرام، وتتحمّل مسؤوليتها التاريخية الكبرى لإقامة العدل، أن الله سينصرها، وعدها وعدًا مؤكدًا بالنصر (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)، أمام هذه الوعود الإلهية التي لم تكن مقنعةً للأمة، ما هو السبب الذي جعل الأمة تقعد وتتخاذل، وترى في القيام بالمسؤولية خطرًا وهوانًا وذلًا، وترى في القيام بالمسؤولية خطرًا حقيقيًا وليس عندها أبدًا أملٌ بالنصر، ولا ثقةٌ بالنصر؟ كان هناك أزمة ثقة بالله سبحانه وتعالى، وإلا فالموقف الإيماني الصحيح أمام تلك الوعود الإلهية هو الاستجابة، هو التحرّك العملي الجاد، وبثقة عالية، فقدم من خلال هذا المشروع العظيم دروسًا كثيرة يهدف منها إلى تقديم المعرفة
بالله سبحانه وتعالى من خلال القرآن الكريم معرفةً حقيقيةً تعزّز الثقة بالله، ولها ثمرتها في الواقع، ورأى في طبيعة النشاط التثقيفي والتعليمي في هذا الجانب الذي هو سائد في واقع الأمة قصورًا، قصورٌ ملموس، رأى فيه قصورًا ملموسًا… لماذا؟ لأنه ليس له ثمرة في الواقع، لو كان بالشكل الصحيح والشكل التام، ولو كان بالشكل المطلوب لكان له ثمرة في الواقع، أولى هذه الثمرات هي الثقة بالله سبحانه وتعالى، هي الخوف من الله، هي عدم الخوف من الآخرين.
لكن عندما كان النشاط العام التعليمي على المستوى الديني حتى لا يُثمر ثمرةً ملموسةً في أرض الواقع كان هناك دليل واضح من خلال الواقع نفسه، من خلال الممارسة العملية نفسها، أن هناك أزمة… أزمة ثقة بالله سبحانه وتعالى هي نتيجة لهذا القصور الذي لا يمكن أن يتممه إلا القرآن الكريم”.
إحياء الشعور بالمسؤولية
يضع المشروع القرآني مسألة غياب الشعور بالمسؤولية في قلب الأزمة التي تعيشها الأمة، فالمشهد العام يكشف عن أمة ضخمة العدد، هائلة الإمكانات، لكنها عاجزة عن التفاعل مع أبسط قضاياها المصيرية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
ويرى شهيد القرآن أن هذا الواقع هو نتيجة تراكم ثقافي وتربوي طويل، ساهم في تفكيك الإحساس بالمسؤولية الجماعية، وتعزيز النزعة الفردية، وربط الاهتمام بالحدود الجغرافية والسياسية التي صنعها الأعداء، وهكذا أصبح كثير من المسلمين يرون أنفسهم غير معنيين بما يحدث في فلسطين أو غيرها، وكأن الظلم إذا لم يقع داخل حدودهم لا يعنيهم.
حذّر شهيد القرآن من هذه الحالة، وأكد أن الإنسان غير معفي أمام الله، وأن الصمت والتخاذل قرارات لها تبعات، في الدنيا ذلًّا وهوانًا، وفي الآخرة حسابًا وعذابًا، وأوضح أن العبادة في الإسلام ليست غاية منفصلة، بل وسيلة لتزكية النفس وتأهيلها لتحمّل المسؤوليات الكبرى، وأن التفريط في هذه المسؤوليات يفرغ العبادات من قيمتها الحقيقية.
وقد نجح شهيد القرآن في إعادة بعث هذا الشعور الحي بالمسؤولية، حتى أصبح معلَمًا ظاهرًا في كل من ينتمي للمشروع القرآني، من الأطفال قبل الكبار؛ حيث اتسعت دائرة الاهتمام، وتجاوزت الحدود الضيقة، وصار الألم واحدًا والموقف واحدًا، لأن البوصلة عادت إلى الله، لا إلى الجغرافيا المصطنعة.
“كان من أهم معالم هذا المشروع الإلهي الذي قدّمه السيد/ حسين بدر الدين الحوثي “رضوان الله عليه”، هو إحياء الشعور بالمسؤولية في واقع الأمة، تذكير الأمة بمسؤوليتها، وتبصيرها بمسؤوليتها، وتبصيرها بخطورة التفريط في مسؤوليتها، ولما لذلك من تبعات في الدنيا والآخرة، التبعات العظيمة لذلك، في الدنيا ذلًّا وهوانًا وقهرًا وشرًّا، واستسلامًا وعجزًا وهوانًا، وفي الآخرة عذاب الله العظيم وجهنم، وبذل جهدًا كبيرًا، قدّم الكثير من المحاضرات والدروس من خلال القرآن الكريم التي تؤكد لزامًا على الإنسان المسلم أن يتحمّل مسؤوليته وإلا فهو خاسر، ليس عمله بمقبول ولا صلاته بمقبولة ولا بقية عباداته الأخرى بمقبولة عند الله أبدًا عندما يفرّط في مسؤوليته الكبرى التي كانت تلك العبادات أساسًا لتزكية نفسه وسموّ نفسه لتهيئه أكثر للقيام بتلك المسؤوليات الكبرى التي لا مناص عن القيام بها أبدًا، والتخاذل والتقصير والتفريط تجاهها له تبعات عظيمة وعذاب عظيم في الدنيا والآخرة، لأن الإسلام من أساسه مشروع قائم على العدل والحق والخير، وإذا فقدت الأمة في واقعها العدل والخير والحق، وأصبحت ساحة للشر وللظلم والظالمين والطغاة والمجرمين والمفسدين، ماذا بقي من قيمة لما تبقّى من دينها؟ إذا أصبح واقعها وأصبحت هي في واقعها ساحة مفتوحة للظلم والفساد والطغيان والإجرام أكثر من أي أمة أخرى من أمم الأرض، أي قيمة بقي لما تبقّى من دينها من صلاة وصيام، أو زكاة أو حج.
فعمد بشكل كبير إلى إحياء الشعور بالمسؤولية، ونرى هذا الأثر العظيم في أتباع هذا المشروع، على مستوى الأطفال، الطفل في هذه المسيرة له موقف مما يجري في فلسطين، وهو طفل، حتى الأطفال، بل هو عندما يتابع الأحداث على مستوى الأطفال، على مستوى الصغير والكبير في هذه المسيرة القرآنية ممن يتبعون هذا المشروع الإلهي العظيم، أصبح همّهم واسعًا، وأصبحوا يستشعرون المسؤولية ويتألمون لما يحصل في أي بقعة من بقاع الدنيا، وأصبح عندهم تحفّز للموقف، واستعداد لأي موقف يتمكّنون منه تجاه ما يحصل هنا أو هناك في أي بقعة من بقاع الأرض، لا الحدود الجغرافية السياسية، ولا الحدود الطائفية، ولا أي قيود أخرى جعلتهم بمعزل كما غيرهم بمعزل عمّا يدور ويجري ويحصل، بل أصبحوا متفاعلين بروح المسؤولية وباستشعارٍ للمسؤولية عمّا يحدث هنا أو هناك، وترى الكثير من المنتمين إلى هذه المسيرة يتألم لما يجري في العراق وكأنه عراقي أو أكثر، لأنه يرى نفسه مسؤولًا، ويرى أن عليه موقفًا، ويتجاوز كل القيود المحدودة والصغيرة والنظرة الضيقة والقاصرة”.
بناء الروحية الجهادية
في مواجهة مشاريع الهيمنة والاستباحة، أعاد المشروع القرآني الاعتبار للروحية الجهادية، بوصفها شرطًا أساسيًا لبقاء الأمة وحماية كرامتها، فالأمة التي تُستهدف في أرضها ومقدساتها لا يمكن أن تحمي نفسها بلا استعداد للتضحية، ولا يمكن أن تغيّر واقعها بلا إرادة مواجهة.
ويشير شهيد القرآن إلى أن تجارب المقاومة الناجحة في المنطقة – من لبنان إلى غزة – لم تكن نتيجة تفوق مادي، بل نتيجة امتلاك هذه الروحية التي حوّلت الإيمان إلى قوة فعل له تأثيره، وفي المقابل، فإن تغييب هذه الروحية حوّل كثيرًا من المجتمعات إلى ساحات مفتوحة للعدوان، رغم كثرة عددها وإمكاناتها.
شهيد القرآن: “عمد أيضًا في هذا المشروع المهم إلى إحياء الروحية الجهادية التي كانت قد خبت في نفوس الأمة، والأمة التي لها أعداء تحتاج إلى هذه الروحية، الأمة التي لها أعداء يتآمرون عليها، يقتلون أبناءها، يستهدفونها بكل أنواع وأشكال الاستهداف، قتلًا، وتدميرًا، وانتهاكًا للعرض، واحتلالًا للأرض، ومسًّا بالمقدسات، تحتاج هذه الأمة إلى أن تحمل الروحية الجهادية لتستطيع الدفاع عن نفسها ومبادئها ومقدساتها وعرضها وأرضها، ووجودها الحضاري، تحتاج إلى الروحية الجهادية، إذا لم تحمل الروحية الجهادية التي تهيئها للبذل والتضحية والموقف مهما كان حجم التضحية ومهما كان حجم الموقف، تكون أمة عاجزة مكسورة محطمة يعمل بها أعداؤها ما يشاءون ويريدون، والتجربة واضحة، لم يستطع أن يغيّر الواقع الذي كان سائدًا في لبنان من سيطرة مباشرة للإسرائيليين إلا التحرك الجهادي الذي قام به حزب الله والمقاومة هناك، وكذلك الحال في فلسطين، ما الذي جعل غزة وواقع غزة مميزًا عمّا عداه في فلسطين؟ هي الروحية الجهادية. هي الروحية الجهادية التي تجعل عند الأمة طاقة وقوة وإرادة واستعدادًا عاليًا لمواجهة التحديات كيفما كانت والتضحية بدون حدود أو قيود”.
تعزيز الوعي الذي يغيّر الواقع
إلى جانب ذلك، شدّد المشروع القرآني على الإيمان الواعي، الذي يربط الإيمان بالمسؤولية، والتحرّك الفاعل لتغيير الواقع؛ فالإيمان الذي يُعزل عن قضايا الأمة والأخطار التي تتهددها إيمان ناقص، مهما بدا زاهدًا أو روحانيًا؛ لذلك كان الوعي – في رؤية شهيد القرآن – هو السلاح الأول للأمة، وأخطر ما تخسره هو غياب الفهم الصحيح للدين، وللواقع، وللعدو، ولمشاريعه وأساليبه، ورأى أن القرآن الكريم هو المصدر الأول القادر على صناعة هذا الوعي الشامل، لأنه يفسّر الواقع، ويشخّص الداء، ويضع الحلول، ويمنح الإنسان بصيرة نافذة تجعله قادرًا على اتخاذ الموقف الصحيح في اللحظة الحرجة.
شهيد القرآن: “حرص أيضًا في هذا المشروع الإلهي على إحياء المفاهيم الإيمانية الواعية، لأنه للأسف كان هناك، أو أصبح في الأعم الأغلب وفي الحالة السائدة في واقع الأمة، تصوّر مغلوط للواقع الإيماني، وأصبح الواقع الإيماني بمعزل عن المسؤولية، بمعزل عن المشروع الإلهي الكبير في إحقاق الحق وإقامة العدل، أصبح الواقع الإيماني مقتصرًا على الحالة الروحية في عبادات أربع محصورة، فعمد على إحياء المفاهيم الإيمانية الواعية التي من خلالها تكون إنسانًا مؤمنًا، واعيًا، مستنيرًا، فاعلًا، مفيدًا، نافعًا، لك دور إيجابي في واقع الحياة، في مستجدات الحياة، وليس منعزلًا عن الواقع، منعزلًا عن المسؤولية، منعزلًا عن التحديات تتفرج على أمتك أو تتجاهل واقع أمتك.
لذلك كان أكبر ما يركّز عليه هو الوعي، الفهم الصحيح، الفهم الصحيح للواقع، الفهم الصحيح للدين، الفهم السليم للدين، الوعي بالواقع بكل ما فيه من أخطار وتحديات، الوعي عن الأعداء ومؤامراتهم ومشاريعهم ومكائدهم بكل أشكالها، الوعي بالمسؤولية، الوعي بما يجب علينا في مواجهة كل ما يعمله الأعداء، وقدّم رؤية أساسية في هذا الجانب، وهي أنه لا يمكن أن يصنع للناس وعيًا أي ثقافة أو أي فكر أو أي مشروع كما هو القرآن الكريم، ليس هناك أي شيء، أي رؤية، أي فكرة، أي مشروع يمكن أن يصنع للناس وعيًا عاليًا وبصيرة نافذة وإدراكًا دقيقًا للواقع بكل ما فيه مثلما هو القرآن الكريم، ثم دخل إلى التفاصيل، لم يقدّم المسألة هكذا مجرد عنوان عريض ويسكت، دخل إلى التفاصيل، ومن خلال القرآن الكريم تناول الواقع، تناول الأحداث، شخّص الواقع، تناول مشاكل الأمة، مشكلةً مشكلة، بتقييم جديد وبرؤية صحيحة للحل تمثّل مخرجًا أمام الله، ومخرجًا حقيقيًا وواقعيًا”.
إطلاق الموقف العملي: الشعار والمقاطعة كنموذج للفعل
لم يتوقف المشروع القرآني عند حدود التشخيص والتحليل، وإنما انتقل إلى بناء الموقف العملي، وكان أبرز تجلياته مشروع الشعار والصرخة في وجه المستكبرين والمقاطعة للبضائع الأمريكية والإسرائيلية، ويُقدَّم هذا المشروع بوصفه مواجهة مباشرة لمشروع الهيمنة والتطبيع، ومحاولة لكسر حالة الإذعان التي سعت بعض الأنظمة والقوى السياسية إلى فرضها على الشعوب.
فالشعار والمقاطعة ليسا تعبيرًا رمزيًا، وإنما خطوة عملية تنقل المجتمع من حالة الصمت إلى الفعل والعمل المؤثر، كما يشكّلان أداة لكشف حالة النفاق السياسي داخل الأمة، التي تعمل على تكريس الولاء للأعداء وتجريم أي موقف مناهض لهم.
ويرى المشروع القرآني أن هذه الخطوة تمهّد نفسيًا وثقافيًا لأي موقف أكبر قد تفرضه معادلات الصراع مستقبلًا، إلى جانب أثرها الاقتصادي التراكمي في إضعاف العدو وتعزيز ثقافة الاستقلال.
“أيضًا قدّم مشروعه المهم جدًا الذي هو الشعار والمقاطعة للبضائع الأمريكية والإسرائيلية ليواجه به مشروع التدجين وفرض حالة الولاء والتسليم المطلق لأمريكا والإذعان لها ولإسرائيل، لأنه تفرّع عن المشروع الأمريكي الإسرائيلي الغربي في السيطرة على الأمة، تفرّع عنه مشروع النفاق من داخل الأمة، الأنظمة والحكومات والقوى السياسية التي حذت حذوها، والتي ارتبطت عمليًا بالمشروع الأمريكي في السيطرة على الأمة في حالة يُوصّفها القرآن الكريم بأنها حالة نفاق، حالة نفاق، المنافقون من داخل الأمة الذين يحملون المشروع الهدّام في ضرب الأمة من الداخل، في فرض حالة الولاء داخل الأمة لصالح أعدائها، في فرض حالة التسليم المطلق داخل الأمة لأعدائها.
هذا المشروع النفاقي داخل الأمة الذي حمله منافقو الأمة من حكوماتها وأنظمتها وبعض القوى السياسية التي حذت حذوها، فعملت داخل الأمة لتفرض على الشعوب حالة الاستسلام، وحالة القبول بهيمنة أمريكا، وحتى عدم الاعتراض، ومن يعترض يحاولون أن يقمعوه بعد أن يشوّهوه إعلاميًا وسياسيًا ويستهدفونه بكل وسائل الاستهداف، لتبقى الحالة السائدة في أوساط الشعوب هي حالة الاستسلام والإذعان والخضوع الكامل لأمريكا وإسرائيل.
هذا المشروع، مشروع الشعار ومشروع مقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية، يواجه هذا المشروع، يواجه المشروع النفاقي، ويُفعّل الأمة في حالة من التعبير عن العداء والسخط، ويهيّئ الأمة لأي موقف تحتاج إليه بالتالي لمواجهة العدو، خطوة أساسية تخرج بها الأمة من حالة اللاموقف إلى الموقف، وتمنع حالة العمالة وحالة النفاق وحالة الهيمنة والقبول بالهيمنة من داخل الأمة نفسها، فهو مشروع يواجه مشروعًا آخر، يواجه مشروع النفاق والعمالة من داخل الأمة الذي يحاول أن يفرض على الأمة القبول بالهيمنة الأمريكية والتسليم لها وعدم الاعتراض عليها وعدم تبنّي أي موقف تجاهها.
يحاول أن يفرض حالة الصمت وحالة القبول وحالة الخضوع وحالة الإذعان وحالة الاستسلام، فأتى هذا المشروع ليقول: لا.
وليدفع الأمة في الاتجاه الصحيح ليكون لها موقف، ولتسخط وتعبّر عن سخطها هذا، وليهيّئها هذا السخط لأي موقف تحتاج إليه في المستقبل، فكان موقفًا مهمًا إضافة إلى النتائج المهمة لمقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية على قوة الأعداء أنفسهم، كلما اكتسحت مساحة هذا المشروع كلما تجلّى أثره في الواقع إن شاء الله أكثر فأكثر”.
تصحيح المفاهيم
وفي السياق ذاته، أولى الشهيد القائد أهمية كبرى لتصحيح المفاهيم الثقافية المغلوطة، باعتبار أن الأمة أسيرة أفكارها وقناعاتها، وأن السلوك الفاسد يبدأ دائمًا من مفهوم فاسد، فكلما تحرّر العقل من المفاهيم المزيّفة، تحرّر السلوك، واستقام الموقف، وتغيّرت النتائج، ومن هنا كان تصحيح المفاهيم خطوة تأسيسية لتحرير الأمة من الداخل قبل أي مواجهة خارجية.
ويضع المشروع القرآني مسألة تصحيح المفاهيم في مقدّمة أولوياته، انطلاقًا من قناعة أن الواقع المنحرف يبدأ دائمًا من فكرة منحرفة، فالأمة – كما يرى شهيد القرآن – أسيرة ثقافاتها وقناعاتها، ولا يمكن أن تغيّر سلوكها أو مواقفها ما لم تتحرّر من المفاهيم المغلوطة التي صُنعت عبر التعليم والإعلام والخطاب الديني التقليدي، ومن هنا عمل شهيد القرآن على تفكيك الكثير من القناعات التي روّجت للعجز، أو فصلت الدين عن قضايا الأمة المصيرية، أو صوّرت المواجهة على أنها عبث غير محسوب، واعتبر أن تحرير الأفكار هو الخطوة الأولى لتحرير الأرض والإنسان.
“من المعالم الأساسية لهذا المشروع ما بذله من جهد لتصحيح المفاهيم الثقافية المغلوطة، فهي ساهمت بشكل كبير في ضرب الأمة، الأمة أسيرة قناعاتها، قناعاتها الثقافية، مفاهيمها المغلوطة بأي شكل كان، سواءً رؤية تقدّم رؤية مغلوطة أو ثقافة مغلوطة أو قناعة مغلوطة اكتُسبت من كتاب أو من معلّم أو من مدرسة دينية أو نظامية أو أي شيء، الأمة أسيرة ورهينة لثقافاتها وقناعاتها، والإنسان لا يتحرك أوتوماتيكيًا بدون شعور، الإنسان يتحرك بشعوره، وشعوره تصنعه قناعة، وقناعته تصنعها ثقافة، وبالتالي تلعب الرؤى والمفاهيم المغلوطة في واقع الأمة دورًا أساسيًا في الواقع السيئ والمظلم للأمة، وكلما تصحّح مفهوم تصحّح وراءه سلوك، وتصحّح وراءه عمل، وتصحّح وراءه موقف، وبالتالي يصنع نتيجة صحيحة وسليمة، ولا يسعفنا الوقت لنتناول هذه المسألة بالشكل المطلوب، وإنما نتناولها هكذا بشكل مختصر”.
ختامًا
في المحصّلة، يتجلّى المشروع القرآني الذي قدّمه شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي “رضوان الله عليه” كرؤية شاملة لإعادة تشكيل وعي الأمة وبناء موقفها، بعيدًا عن الخطاب الوعظي المجرّد والبرامج السياسية المرحلية، وإنما كمنهج قرآني شامل متكامل يعيد الربط بين الإيمان الحقيقي وواقع الحياة، ويقرن الوعي بالمسؤولية، والأثر في الواقع العملي.
استطاع شهيد القرآن إعادة الدور القيادي للقرآن الكريم في تشخيص الداء، وصناعة البصيرة، وتحديد مسارات الخلاص، فحرّر الإنسان من أسر الخوف والوهم والثقافات المغلوطة، وربطه بالله ووعوده كحقائق ثابتة.
وقد أثبتت معالم هذا المشروع، من تعزيز الثقة بالله، وإحياء الشعور بالمسؤولية، وبعث الروحية الجهادية، وتصحيح المفاهيم، وبناء الموقف العملي، أن النهضة الحقيقية تبدأ من الداخل، من الوعي أولًا، ومن تحرير الإنسان قبل الأرض؛ فحين يتغيّر الوعي، يتغيّر السلوك، وحين يُستعاد الموقف، تستعيد الأمة قدرتها على الفعل والتأثير، مهما كانت موازين القوة مختلّة.
إن المشروع القرآني، كما قدّمه شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي، هو خيار ضروري للحاضر والمستقبل، ونداء دائم للأمة أن تعود إلى القرآن فهمًا ووعيًا وموقفًا، ومع زحمة مشاريع التدجين والتضليل، يظل هذا المشروع علامة هادية، ودليلًا عمليًا على أن الأمة التي تلتجئ إلى الله والقرآن الكريم، وتتحرّك على أساسه، قادرة – بإذن الله – على كسر الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية، واستعادة كرامتها، وصناعة فجرها مهما طال ليلها.
