شهيد القرآن بعيون معاصريه: وعيٌ كسر الصمت وصنع المسار
ذمــار نـيـوز || تقارير ||
18 يناير 2026مـ –29 رجب 1447هـ
تقرير ||محمد ناصر حتروش
يشكّل الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) علامة فارقة في التاريخ اليمني المعاصر، بوصفه قائدًا استثنائيًا أسّس مشروعًا قرآنيًا تحرريًا أعاد صياغة وعي الإنسان اليمني، وربط قضايا الداخل بقضايا الأمة الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي جعلها محورًا مركزيًا في معركته الفكرية والثقافية.
ومنذ انطلاق مشروعه، يرسّخ الشهيد القائد معادلة وعي متكاملة تقوم على إحياء الثقة بالله، والعودة الصادقة إلى القرآن الكريم باعتباره مصدر العزة والقوة، والتأكيد على مسؤولية الفرد في حمل الأمانة وعدم التنصّل من واجبه تجاه أمته.
وفي هذا السياق، تتحوّل محاضراته، التي تجاوزت المائة محاضرة، والمدوّنة لاحقًا فيما عُرف بـ«الملازم»، إلى حالة وعي ثوري متصاعد، تكسر حالة الخضوع والاستكانة التي فُرضت على الشعوب العربية والإسلامية بفعل أنظمة الاستبداد والهيمنة الغربية.
ومع اتساع أثر هذا المشروع، تدخل السلطة حينها في مواجهة مفتوحة معه، مستخدمة كل أدوات القمع، وصولًا إلى إشعال الحرب الأولى في مران عام 2004م، في محاولة لإخماد جذوة الوعي المتقدة، غير أن النتيجة تأتي معاكسة تمامًا، حيث يتحوّل استشهاد الشهيد القائد إلى منبع جديد للثبات والاستمرار، وتتسع رقعة المشروع، ويترسّخ حضوره الشعبي والسياسي والثقافي.
شهادة معاصر للمشروع القرآني
في حلقة خاصة من بودكاست «ثِقة»، يقدّم الناشط الثقافي يحيى أبو عواضة شهادة معمّقة تسلّط الضوء على محطات مفصلية في حياة الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه)، وعلى أبعاد مشروعه القرآني ومسيرته الجهادية، وأثره المتواصل حتى اليوم، في ظل وصول اليمن إلى موقع متقدم في إسناد القضية الفلسطينية ومواجهة قوى الاستكبار العالمي.
ويستعرض أبو عواضة بدايات تعرّفه على الشهيد القائد أواخر ثمانينيات القرن الماضي، في مجلس والده العلامة السيد بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه)، موضحًا أن السيد حسين يبرز منذ تلك المرحلة كشخصية علمية متميزة، تجمع بين الهدوء، والعمق الفكري، والقدرة على إدارة الحوار العلمي الراقي.
ويبيّن أن الشهيد القائد يتعامل مع الدرس الديني بوصفه مساحة حيوية للنقاش والتفكير، لا إطارًا تقليديًا للتلقين، ما يسهم في رفع مستوى الوعي وبناء نمط متقدم من التفاعل مع المعرفة الدينية. ومع مرور الوقت، تتطور العلاقة من إطار علمي إلى ارتباط واعٍ بمشروع متكامل، يركّز على بناء الإنسان، خصوصًا فئة الشباب، ثقافيًا وتربويًا، وربط قضاياهم اليومية بالقرآن الكريم وقضايا الأمة.
ويشير إلى تأسيس الشهيد القائد جمعية خيرية في التسعينيات للمطالبة بالمشاريع الخدمية بوسائل سلمية ورسمية، إضافة إلى تأسيس مدرسة الإمام الهادي (عليه السلام)، التي شكّلت رافدًا مهمًا لنشر الوعي القرآني.
ويلفت إلى إدراك الشهيد القائد المبكر لخطورة المد الوهابي، ومشاركته في المواجهة الفكرية معه، إلى جانب دخوله المعترك السياسي وموقفه الرافض لحرب 1994م. ومع أحداث 11 سبتمبر، تتبلور ملامح المشروع القرآني بوضوح، وصولًا إلى إطلاق الصرخة في 17 يناير 2002م، ثم اندلاع الحرب الأولى على مران، حيث يبرز الشهيد القائد قائدًا ميدانيًا يجمع بين البعد الروحي والتنظيمي، ويدير المواجهة بثبات رغم شح الإمكانات وشراسة القصف.
ووفقًا لأبو عواضة، فإن استشهاد الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) في جرف سلمان أسّس لانطلاقة جديدة لمسيرة وعي ومقاومة تتسع رقعتها وتتعاظم آثارها، فمحاولات إخفاء جثمانه لتسع سنوات لم تفلح في طمس هويته، وإنما عززت حضوره، ليتحوّل يوم تشييعه في عام 2013م إلى مشهد شعبي غير مسبوق، يحمل رسائل واضحة عن تجذّر المشروع في وجدان اليمنيين.
حضور متجدد في الوعي والإعلام
ويتجلّى حضور شهيد القرآن بوضوح في الفضاء الإعلامي والشعبي، حيث تتحوّل ذكراه إلى محطة مراجعة ووعي، وتعبير صريح عن حجم الأثر الذي تركه مشروعه في وجدان النخب الإعلامية والناشطين، الذين يستحضرون فكره بوصفه معيارًا للموقف، وبوصلة للسلوك، وأداة لفرز الصادق من المدّعي في زمن تتكشف فيه الحقائق وتسقط الأقنعة.
وفي السياق، تداول ناشطون إعلاميون على منصات التواصل الاجتماعي مقتطفات من فكر الشهيد القائد، مؤكدين أن معيار الرفعة الحقيقي، كما كان يردد، هو القرب من الله، وأن أي رفعة سياسية أو اجتماعية لا قيمة لها إن لم تستند إلى هذا الأساس الإيماني.
ويشدّد الإعلامي يحيى المحطوري على أن الانتماء للمسيرة القرآنية لا يكون شكليًا أو لفظيًا، وإنما يتطلب فهمًا عميقًا لمنهجية الشهيد القائد، ثم تجسيدها التزامًا وسلوكًا وتطبيقًا عمليًا، محذرًا من أن الانتماء الأجوف يسيء إلى صاحبه وإلى المسيرة معًا.
ويدعو إلى تحويل ذكرى الاستشهاد إلى محطة صادقة لمراجعة الذات، وطرح الأسئلة الجوهرية حول مدى حمل المشروع والاقتداء الحقيقي بصاحبه.
بدوره، يلفت الناشط الإعلامي عبداللاه حيدرة إلى أن ما تعرّض له اليمن من عدوان وحصار سبق أن حذّر منه الشهيد القائد بوضوح، كاشفًا أدوار الأدوات الإقليمية والمحلية في تنفيذ المشروع الأمريكي – الصهيوني، ومؤكدًا أن ما يجري اليوم هو تجلٍّ صريح لتلك التحذيرات.
ويذهب حيدرة إلى التأكيد على أن المرحلة تكشف حقيقة كثير من الأصوات التي كانت تتزيّن بخطاب براق وألقاب زائفة، ليتضح لاحقًا حجم ولائها وعمالتها لقوى الاستكبار، في مشهد يعيد الاعتبار لصدق رؤية الشهيد القائد وعمق قراءته للواقع.
مشروع تحرري
وفي سياق استحضار الأثر الممتد للشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه)، يبرز البعد السياسي والوطني للمشروع القرآني بوصفه امتدادًا طبيعيًا لذلك الوعي الذي أسسه الشهيد القائد، والذي تحوّل اليوم إلى موقف عملي في مواجهة العدوان وإسناد قضايا الأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
وكان الناطق الرسمي باسم أنصار الله، محمد عبدالسلام، قدّم في عام 2024م قراءة سياسية معمّقة حول شهيد القرآن، وضع من خلالها مشروع الشهيد القائد في إطاره الاستراتيجي الأشمل، باعتباره مشروع تحرر متكامل تتلازم فيه الرؤية مع الموقف، وتتجسّد فيه الثقافة وعيًا يُترجم إلى فعل.
ويوضح أن الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي رسّخ في وجدان الشعب اليمني قضية فلسطين كقضية مركزية في مشروع التحرر، انطلاقًا من إحياء الثقة بالله، والتأكيد على أن القرآن الكريم هو مصدر العزة الحقيقي للأمة، وترسيخ مفهوم المسؤولية الفردية والجماعية في حمل الأمانة.
ويشير إلى أن ملازم الشهيد القائد (رضوان الله عليه) فجّرت وعيًا ثوريًا واسعًا في أوساط المجتمع، وكسرت حالة المهانة والاستكانة التي فرضتها أنظمة الاستبداد التابعة لمنظومة الاستكبار العالمي.
الشهيد القائد… وعي لا ينطفئ
في المحصلة، يُستحضر الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) كرمز تاريخي جامد، وكحقيقة حية تتجدد في الوعي والموقف والفعل، فمشروعه الذي حاولت السلطة وأدوات الاستكبار إخماده بالحرب والحصار وإخفاء الجثمان، يخرج أكثر حضورًا وتأثيرًا، ويتحوّل إلى معادلة قوة في زمن المواجهة المفتوحة.
لقد أثبتت تجربة شهيد القرآن أن الدم حين يُقترن بالوعي يصنع أمة، وأن الفكر حين يُترجم إلى موقف يهزم أعتى المشاريع وما يعيشه اليمن اليوم من حضور فاعل في معركة الأمة، ومن موقع متقدم في إسناد فلسطين، ليس إلا امتدادًا طبيعيًا لتلك الصرخة الأولى التي أطلقها الشهيد القائد، فكانت بداية مسار لم ينكسر ولن ينكسر.
وهكذا، يبقى الشهيد القائد مشروعًا قائمًا، ومسؤولية مستمرة، وميزانًا يُقاس به الصدق والانحياز.
