السيد القائد يرسم استراتيجية المشروع القرآني في مواجهة الاستباحة الصهيونية

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
15 يناير 2026مـ – 26 رجب 1447هـ

تقريــر ||عبدالقوي السباعي

وضع السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي -يحفظه الله- العالم أمام مرآة الحقيقة، في خطابٍ اتسم بالشمولية، متجاوزًا الوصف العابر للأحداث ليغوص في فلسفة المواجهة وعمق المشروع القرآني كبديلٍ إنقاذي وحيد، ومنتقلاً من تشخيص أزمة الهوية إلى صياغة مفهوم الصراع والمواجهة مع الصهيونية العالمية في نسختها الأكثر “توحشًا وانكشافًا”.

السيد القائد وفي ثنايا خطابه بمناسبة إحياء الذكرى السنوية لشهيد القرآن 1447هـ، مساء الخميس، حلل التحول الدراماتيكي في الهجمة الصهيونية مع بداية الألفية الثالثة؛ فالعدو الذي تخفى طويلاً خلف عناوين “مكافحة الإرهاب”، انتقل اليوم إلى مرحلة “الإنجاز” العملي لمشروعه.

وفي قراءةٍ تحليلية لما بين السطور؛ نرى أنّ السيد القائد يُجزّم أنّ “التطبيع” ليس مجرد اتفاقات سياسية، وإنّما عملية “إلحاق بنيوي” للمنطقة بالعدو الإسرائيلي، ويلفت النظر إلى تفاصيل دقيقة وخطيرة؛ كربط المنطقة به في “شربة الماء” والغاز والثروات المنهوبة، وصولاً إلى إعادة صياغة المناهج الدراسية لتصفية “العوائق الثقافية” أمام الاستباحة والسيادة الصهيونية.

تشريح المشروع الصهيوني.. أذرع الأخطبوط والاختراق الداخلي

ووضع السيد القائد يده على الجرح الغائر في جسد الأمة، موضحًا أننا لسنا أمام عدو محلي، وإنّما أمام منظومة استهداف عالمية تقودها الصهيونية العالمية بأذرعها الكبرى أمريكا، بريطانيا، وكيان العدو الإسرائيلي، مدعومة من “الغرب الكافر”، مؤكّدًا أنّ (إسرائيل) ليست كيان حدودي؛ بل هي “جبهة متقدمة” وُضعت في قلب المنطقة لتمزيقها من الداخل.

ويلفت إلى أنّ وضعية الأمة بالإشارة إلى “الاختراق البنيوي” تعكس أسباب الفشل؛ إذ لم يعد العدو يكتفي بالهجوم من الخارج، وإنما أصبح يتحرك عبر أنظمة وظيفية، تتمثل بقوى إقليمية تتنافس فيما بينها على “نيل رضا السيد الأمريكي”، إلى جانب استلاب ثقافي واقتصادي رهيب.

وإذ يُحذّر من بقاء الأمة في حالة “فراغ”، اعتبر أنّ غياب المشروع الأصيل يعني “الاحتواء التلقائي” ضمن مشاريع الأعداء؛ مقدّمًا مقارنةً نقدية للمشاريع التي شهدتها الساحة العربية، مثلاً: المشاريع التكفيرية والمناطقية، التي وصفها بأنها “مشاريع استهلاكية” تخدم الأعداء لتدمير بنية الأمة من الداخل، ومن المشاريع المستوردة، والتي استوردت رموزها ومحتواها من خارج هوية الأمة، مؤكّدًا أنها “تلاشت” بعدما استنزفت دماء وأموال الشعوب دون أنّ توفر لها حصانة.

مقارنة المشاريع.. الأصالة القرآنية مقابل الهشاشة المستوردة

وقدّم السيد القائد مقارنةً فلسفية وتاريخية بين نوعين من المشاريع التي عرفتها المنطقة، من المشاريع المستوردة والفاشلة، مشيرًا إلى أنّ الساحة الإسلامية شهدت طوال عقود مشاريع مستوردة (قومية، يسارية، أو ليبرالية) كانت غريبة عن هوية الأمة؛ والنتيجة أنّ هذه المشاريع تلاشت ولم تشكّل حصانة؛ بل أهدرت تضحيات الشعوب لأنها افتقرت إلى “الأصالة”.

في المقابل، يُبرز المشروع القرآني الذي أسسه “شهيد القرآن” كضرورةٍ حتمية، تكمن في قوته ومميزاته التي تجعله “عصيًا على التقادم”، متمثلاً الأصالة والنقاء، وكمشروعٍ نابعٍ من “هوية الأمة” القرآن الكريم؛ ممّا يمنحه حصانة ضد “المحتوى المغشوش” للمشاريع الأخرى، مؤكّدًا أنّ هذا المشروع ليس “نظريًا” أو “حالمًا”، وإنّما هو “مشروع واقعي ملامس للهموم”.

وقدّم دعوة لفك الارتباط بكل المشاريع التبعية والعودة إلى “المنبع الأصيل”، مؤكّدًا أنّ الصراع ليس على حدود جغرافية، وإنّما صراع بين “مشروع الاستعباد الصهيوني” الذي يسعى لتفريغ الإنسان من محتواه الأخلاقي، وبين “المشروع القرآني” الذي يسعى لربط الأمة بخالقها لتستمد منه النصر والتأييد، مشدّدًا على أنّ الحجة اليوم قائمة على الجميع؛ فإمّا الانخراط في “المشروع القرآني” الذي يوفر المناعة والعزة، أو الانتظار السلبي للمجهول تحت رحمة “شريعة الغاب” الصهيونية.

سيكولوجية الإبادة.. درس “الهنود الحمر”

وفي تحليلٍ تاريخي عميق، استدعى السيد القائد مأساة “الهنود الحمر” في أمريكا ليضرب مثلاً على ما ينتظر الأمة إذا تخلت عن هويتها، في رسالةٍ تُشير إلى أنّ الأعداء لا يريدون “تغيير السلوك” السياسي فقط، بل يريدون “الاستباحة الشاملة، الدم، العرض، الثروة”، وما سهل إبادة الهنود الحمر هو “هشاشة الهوية الثقافية”، والمشروع الصهيوني اليوم يرى في الهوية الإسلامية “العائق الأخير” أمام تكرار سيناريو الإبادة الجماعية في المنطقة.

وربط في قراءةٍ كونية لـ “البلطجة الأمريكية”، بين ما يحدث في فلسطين وبين الأطماع الأمريكية العالمية، مشيرًا بوضوح إلى “ترامب” كنموذجٍ للطاغية المجاهر بالنهب؛ ففي فنزويلا، اختطاف السيادة لنهب النفط، وفي “غريلاند” بالدنمارك، السعي لنهب المعادن النادرة والموقع الاستراتيجي، وهذا الربط يهدف إلى إيصال رسالة للأمة: “الأمريكي لا يحترم حلفاءه ولا القوانين؛ هو يتحرك بشريعة الغاب، وأمتنا هي الهدف الأول لحقده وأطماعه”.

وكشف السيد القائد عن معلومات استخباراتية وعسكرية هامة تتعلق بتحركات العدو الإسرائيلي في “أرض الصومال”، وبتحليل “زيارة المتسلل” وزير الخارجية الصهيوني “ساعر” إلى “هرجيسة”، مؤكّدًا أنّ التخفي الإسرائيلي خلف طائرات رومانية ورحلات سرية هو نتيجة “الخوف من الموقف اليمني”.

في المقابل؛ لم يكتفِ السيد القائد بالاستنكار، وإنّما بالإعلان العسكري الصريح؛ بأنّ اليمن “يرصد وجاد في استهداف أيّ تمركز عسكري صهيوني ثابت في أرض الصومال”، وهذا ما سيوسع دائرة الردع اليمني لتشمل الضفة المقابلة لباب المندب، حماية للأمن القومي اليمني والإسلامي ككل.

الانكشاف الصهيوني الكبير.. سقوط الأقنعة

وتحدث السيد القائد عن أنّ العامين الماضيين “خاصة بعد أحداث غزة”، نقلا الصراع إلى مرحلة “الانكشاف الكلي”، سقوط العناوين المخادعة؛ إذ لم يعد الأمريكي قادرًا على الاختباء خلف “حقوق الإنسان” أو “مكافحة الإرهاب”.

وحذّر من أخطر سلاح نفسي يمتلكه العدو، وهو “تطبيع الجريمة”، مؤكّدًا أنّ استمرار العدو في ممارسة المجازر في غزة، لبنان، وسوريا، وانتهاك المسجد الأقصى والمسجد الإبراهيمي، بهدف تحويل هذه الفظائع إلى “مشاهد اعتيادية” في التلفاز لا تحرك ساكنًا، مقدّمًا الحل ممثلاً بالمشروع القرآني والذي يعمل على “تحصين الإنسان” من الداخل، ليكون عصيًّا على التخدير الإعلامي أو الابتزاز السياسي.

ولفت إلى تبجح العدو، بما فيهم قادة الغرب وقد أصبحوا يفتخرون بصهيونيتهم علنًا، ويتحدثون صراحة عن (إسرائيل الكبرى) و”تغيير وجه الشرق الأوسط”، وهذا الانكشاف إلى جانب الإبادة والاستباحة أحيا الضمير الإنساني لدى شعوب بعيدة جغرافيًّا؛ بينما لا تزال بعض الشعوب والأنظمة الإسلامية في حالة “سبات وانتظار للمجهول”.

كما عرّج السيد القائد على الأحداث في الجمهورية الإسلامية في إيران، واصفًا إياها بمؤامرة “مطبوعة بالطابع الأمريكي” “إحراق مساجد وذبح”، مشيدًا بـ “اليقظة المليونية” للشعب الإيراني التي أفشلت هذا الاستهداف، معتبرًا صمود إيران نموذجًا لكسر أدوات الفوضى الأمريكية.

ووجّه نصيحةً وتحذيرًا أخيرًا للأنظمة المرتبطة بأمريكا، مذكّرًا إياهم بمصير الزعماء السابقين الذين تخلص منهم الأمريكي “بكل سهولة” بمجرد انتهاء صلاحيتهم، مشدّدًا على أنّ الارتباط بالأمريكي يجعل الجبهة الداخلية لهذه الدول “هشة ومخترقة” استخباراتيًا وثقافيًا؛ ممّا يجعلها قابلة للتفكيك في أيّة لحظةٍ يقررها البيت الأبيض.

وبهذا يوضّح السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي، في الرسالة الختامية للخطاب اليوم؛ بإنّ “المسألة ليست نظرية مؤامرة؛ بل هو واقع موثق يُدرس في الجامعات الغربية والصهيونية ويُنفذ في الميدان، والبقاء بدون مشروع يعني أنّ تكون وقودًا لمشاريع الأعداء”.