شتاء غزة يفضح الإجرام الصهيوني والصمت الدولي

1

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
11 يناير 2026مـ – 22 رجب 1447هـ

لم يعد الشتاء في قطاع غزة ذلك الزائر الذي يحمل “أمطار الخير” كما اعتاد الفلسطينيون تسميته، بل استحال فصلاً للموت المرعب والانتظار الثقيل تحت أنقاض المنازل وخيام النزوح المهترئة، في وقت تواصل فيه سلطات العدو الصهيوني إحكام قبضتها على عنق القطاع عبر منع دخول أبسط مقومات الإيواء والترميم، متنصلةً من كل الالتزامات التي نصت عليها اتفاقات وقف إطلاق النار المبرمة في أكتوبر الماضي.

خيامٌ في مهب الريح
مع هبوب المنخفض الجوي الأخير، تحولت حياة النازحين إلى جحيم مستعر بالبرد والمياه، حيث أفاد المتحدث باسم الدفاع المدني، محمود بصل، في بيان له، بأن الرياح العاتية التي بلغت سرعتها 60 كيلومتراً في الساعة تسببت بتطاير وتضرر آلاف الخيام بشكل كامل، لا سيما تلك المنصوبة قسراً على شاطئ البحر نتيجة الدمار الواسع الذي ألحقه جيش العدو الإسرائيلي بالمدن.

ويكشف “بصل” في تحليله لهذا المشهد الكارثي أن ما يمر به السكان ليس مجرد “أزمة طقس” عابرة، بل هو نتيجة مباشرة وممنهجة لسياسة التعطيل الصهيونية التي تمنع إدخال مواد البناء والبيوت المتنقلة (الكرفانات)، مؤكداً أن الفلسطينيين يعيشون في خيام ممزقة وبيوت متصدعة تفتقر لأدنى معايير الكرامة الإنسانية، وهو ما يحول كل منخفض جوي إلى كارثة إنسانية محققة تزهق الأرواح وتضاعف المعاناة في ظل حصار خانق لا يرحم.

غزة تفضح أكاذيب الحقوق الدولية
الواقع الميداني المسكوب بدموع الأطفال وأنين الشيوخ يعكس وحشية الإبادة الصهيونية المستمرة بأساليب جديدة؛ فقد أعلنت وزارة الصحة في القطاع أن المنخفضات الجوية منذ بداية الشتاء تسببت باستشهاد 12 فلسطينياً، بينهم 11 شخصاً قضوا نتيجة انهيار المباني المتضررة أصلاً من القصف الصهيوني السابق، إضافة إلى طفل رضيع لم يتجاوز أسبوعين من عمره، فارق الحياة نتيجة البرد القارس الذي ينهش أجساد الغزيين في ظل انعدام التدفئة والأدوية التي يمنع العدو دخولها.

وفي سياق متصل، وثق جهاز الدفاع المدني انهيار أكثر من 17 بناية سكنية بشكل كامل، وتعرض 90 بناية أخرى لانهيارات جزئية خطيرة، ما يهدد حياة الآلاف، في وقت أكد فيه محمود بصل لوسائل الإعلام أن نحو 90% من مراكز الإيواء والخيام في مختلف مناطق القطاع تضررت أو غرقت بالكامل، ما أدى إلى تلف ملابس النازحين وأفرشتهم، تاركاً إياهم في مواجهة مباشرة مع الموت غرقاً أو تجمداً.

تعددت طرق الإبادة، والموت واحد
في جولة لوسائل الاعلام بين مخيمات النزوح، تبرز مأساة مسنة فلسطينية تلاشت أحلامها تحت سقف خيمة تنضح بالماء فوق رأس زوجها المقعد وبناتها، حيث تقول بمرارة: “طول الليل الدنيا تشتي، والخيمة تنقط، وحطيت طناجر، والصباح من كثر المطر مرقت المياه علينا، وأنا ميتة من السقعة مش لاقية ألبس، ولا عارفة وين أروح الليلة”. هذه الصرخة تختزل حال ملايين الفلسطينيين الذين باتوا يدركون أن العالم الذي يدعي “حماية حقوق الإنسان” ليس سوى شريك صامت في الإجرام الصهيوني الذي قتل ودمر وحاصر ثم يتحدى الجميع بإدخال الاحتياجات الأساسية التي بمجرد ورودها في الاتفاق تمثل جريمة كبرى ما كان ينبغي حدوثها لو لم تكن الأمم المتحدة جزء من المشروع الصهيوني.

وتعزيزاً لهذا التوصيف، أكد تجمع المؤسسات الحقوقية “حرية” أن العدو الصهيوني يستخدم منع المساعدات الإغاثية والتحكم بالمعابر كوسيلة حرب تهدف إلى التدمير الكلي أو الجزئي للشعب الفلسطيني، وهو ما يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني في ظل تكلفة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار لترميم ما دمرته آلة الحرب الصهيو-أمريكية على مدار عامين من الإبادة الشاملة.

صرخات من وسط الوحْل
تكتمل فصول المأساة في قطاع غزة لتتحول إلى ملحمة دموية يكتبها الإجرام الصهيوني والتواطؤ والصمت الدولي، حيث لم يكتفِ العدو الصهيوني بتدمير المنازل فوق رؤوس ساكنيها، بل عمد إلى تجريد الفلسطيني من أبسط حقوقه في الاحتماء من البرد، والامطار والرياح، في سياسة إبادة جماعية تتعدد أدواتها والموت فيها واحد.

وبينما كانت طواقم الدفاع المدني تحاول انتشال ما تبقى من أشلاء الخيام، تبرز صرخة “أم خليل” التي تقبع في مدرسة إيواء متصدعة بمدينة غزة، وهي تصف ليلة المنخفض الجوي بأنها “ليلة القيامة الصغرى”، حيث تقول وهي تشير إلى سقف الغرفة الذي يقطر طيناً وماءً: “انتقلنا من مطر القنابل إلى مطر الوحْل؛ المياه تنهمر علينا من الشقوق التي خلفها القصف الصهيوني، وأطفالي ينامون وقوفاً لأن الأرض غارقة تماماً، والعدو الصهيوني يمنع عنا حتى قطعة ‘نايلون’ نغطي بها رؤوسنا،”.

وفي زاوية أخرى من الوجع، يجسد الشاب “سالم” ذروة العجز وهو يحاول إشعال بضع قطع من البلاستيك والملابس البالية لتدفئة والدته المريضة، معبراً عن مرارة الواقع بقوله: “نحن نختار بين الموت تجمداً أو الموت اختناقاً بدخان الحرائق البدائية، فالعدو الصهيوني أغلق في وجوهنا كل سبل الحياة، والمنظمات الدولية تكتفي بعدّ جثثنا. لقد أصبحنا نرى في المطر -الذي كنا ننتظره للزرع والحياة- كفناً أبيض يلف قطاع غزة بأكمله”.

هذه الشهادات الحية، التي تتقاطع مع ما وثقه المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل عن انهيار المنازل المتصدعة، تؤكد أن الكارثة في غزة ليست قدراً، بل هي جريمة صنيعة يد صهيو-أمريكية، استخدمت كل أدوات التدمير ضد شعب يرفض الانكسار، في وقت يواجه فيه الفلسطينيون شتاءهم بصدور عارية وأمعاء خاوية، مرددين خلف تلك المسنة التي غرق فراشها تحت الماء: “من لم يقف معك وأنت تغرق في دمك، لن يقف معك وأنت تغرق بالماء”.

إبادة بالبرد
لقد حول العدو الصهيوني قطرات المطر في قطاع غزة إلى أداة إعدام جماعي تطارد أكثر من مليوني إنسان، في ظل الإمعان في الحصار ومنع وسائل الإيواء كسلاح تدمير شامل يتكامل مع آلة الحرب العسكرية.

تؤكد المعطيات الميدانية الصادرة عن جهاز الدفاع المدني الفلسطيني، بلسان متحدثه محمود بصل، أن ما يشهده القطاع اليوم يتجاوز حدود الأزمة الإنسانية إذ منع العدو الصهيوني دخول الكرفانات أو مواد البناء، وهو ما أدى عملياً إلى غرق 90% من مراكز الإيواء، وتحويل حياة النازحين إلى رحلة نزوح ثانية داخل الوحل والمياه التي اجتاحت الخيام من فوقها ومن تحتها.

إن هذا التردي الكارثي هو نتيجة كارثية لتنصل الكيان الصهيوني من التزامات اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر الماضي، والذي قضى بإدخال “الكرفانات” ومواد الإيواء؛ وبدلاً من ذلك، تعمد العدو الإسرائيلي إبقاء السكان في بيئات هشة ومنازل متصدعة، وهو ما وثقته وزارة الصحة باستشهاد 12 فلسطينياً، بينهم طفل رضيع قضى برداً، وآخرون سحقتهم أنقاض المنازل التي انهارت بفعل الرطوبة والرياح بعد أن أضعفتها القذائف الصهيونية سابقاً.

تتجلى وحشية هذه السياسة في شهادات أهالي غزة التي رصدتها وسائل الاعلام، تعكس واقعاً تفرضه سلطات العدو لإذلال الإنسان الفلسطيني وتجريده من كرامته، في ظل صمت دولي مريب يكتفي بدور المتفرج على أكذوبة حقوق الإنسان التي تسقط يومياً تحت أقدام الأطفال الغارقين في مياه الصرف الصحي والأمطار.

بناءً على ما تقدم، فإن الوضع المأساوي في غزة يؤكد من جديد أننا أمام عدو مجرم، يبدع في ابتكار فنون القتل والإبادة دون مراعاة لأي قوانين أو اتفاقيات، وهو ما يستدعي موقف عسكري رادع لرفع المأساة عن الشعب الفلسطيني قبل أن يعم الخطر الصهيوني كل البشرية.

المصدر: “موقع انصار الله”