الخبر وما وراء الخبر

ترامب يُغلق أجواء فنزويلا عقب إكماله التحضيرات السياسية والعسكرية “المدمّرة”.. مؤشرات حرب شاملة لإسقاط “المحور اللاتيني المقاوم”

2

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
29 نوفمبر 2025مـ – 8 جماد الثاني 1447هـ

تتجه الولايات المتحدة بقيادة ترامب نحو تصعيد شامل ضد فنزويلا، في خطوة تهدف إلى الإطاحة بنظام الرئيس نيكولاس مادورو، الذي يقود المحور اللاتيني المناهض للهيمنة الأمريكية.

وأعلن ترامب، اليوم السبت، عبر منصته “تروث سوشيال”، عن إغلاق المجال الجوي في فنزويلا، مضيفًا: “يرجى اعتبار المجال الجوي فوق فنزويلا ومحيطها مغلقًا بشكل كامل، شكرًا لاهتمامكم بهذا الموضوع”.

وفيما حاول ترامب تضليل المراقبين عن أبعاد هذا الإعلان عبر توجيه خطابه إلى من أسماهم “المهربين والمتاجرين بالبشر والمخدرات”، إلا أنها محاولة مكشوفة تزيد تأكيدات عزم واشنطن على غزو فنزويلا، حيث يرى مراقبون أن إعلان إغلاق المجال الجوي لا يتوافق مع الواقع العملي لمهربي المخدرات، إذ إن هؤلاء لا يستخدمون الطيران لتهريب ما زعمه ترامب، بل يعتمدون أساسًا على مسارات نقل أخرى براً أو بحراً.

كما أن هذا التحذير الأمريكي الرسمي لن يُعيق النشاطات الفعلية للمهربين، في وقت تستمر فيه الضربات الأمريكية دون سابق إنذار على قوارب في سواحل فنزويلا تحت مبررات مكافحة مهربي المخدرات، ما يعكس حقيقة أن الهدف من إعلان إغلاق الأجواء الفنزويلية له مآرب أخرى، وعلى رأسها تصعيد واسع ضد “كاراكاس”.

وتعقيباً على إعلان ترامب، أدان وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز باريا “التدخل الكهرومغناطيسي المستمر في منطقة البحر الكاريبي وخاصة فوق المجال الجوي الفنزويلي”، موضحاً أن “التدخل الكهرومغناطيسي سببه الانتشار العسكري الهجومي والاستثنائي لأمريكا في المنطقة”، في إشارة إلى وجود تحضير “حربي” كبير من الجانب الأمريكي.

وبيّن باريا أن “ما يحدث في البحر الكاريبي جزء من العدوان العسكري المتصاعد والحرب النفسية على الأراضي الفنزويلية”.

ويأتي إعلان ترامب بعد يومين من تصريحاته بأن “العمليات البرية” ضد ما أسماها “شبكات تهريب المخدرات في فنزويلا” ستبدأ “قريبًا جدًا”، حسب ما أوردته شبكة NBC ووسائل الإعلام الأمريكية.

وفي كلمة له نهاية الأسبوع المنصرم أشار ترامب إلى أن العمليات البرية في فنزويلا أسهل من العمليات البحرية.

هذه التصريحات المكشوفة وما يترافق معها من وقائع ميدانية تؤكد أن ما يجري تحشيد عسكري كبير، فقد نفّذت الولايات المتحدة اعتداءات جوية في نطاق واسع من السواحل الفنزويلية على البحر الكاريبي، بالتزامن مع الدفع بأكبر حاملة طائرات تمتلكها واشنطن “جيرالدر فورد”، وقطع بحرية هجومية وقاذفات استراتيجية شبحية ونووية من طراز B-52 وB-2، وهي منظومات لا تُحرّك عادة إلا في سياق حروب كبرى أو عمليات إسقاط أنظمة، وليس في إطار ملاحقة قوارب صغيرة أو جماعات تهريب المخدرات كما تدّعي إدارة ترامب.

وما يزيد فضح التبريرات الأمريكية هي التقارير الأممية التي صدرت الشهر الماضي وأكدت أن فنزويلا لا تصنف ضمن قائمة الدول الرئيسية المصدرة للمخدرات أو كوجهة أساسية لمهربيها، ليعكس هذا التناقض استغلال واشنطن لذرائع واهية لتبرير حشد عسكري شامل.

كما نفذت القوات الأمريكية منذ سبتمبر الفائت أكثر من 21 عملية جوية استهدفت قوارب قالت واشنطن إنها تحمل مخدرات في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، ما أسفر عن مقتل أكثر من 83 شخصًا، دون تقديم أي أدلة تثبت استخدام هذه الزوارق فعليًا في عمليات تهريب تهدد الأراضي الأمريكية، حسب تقرير “نيويورك تايمز” و”أكسيوس”.

وتعيد هذه التبريرات الأمريكية للأذهان الخطاب التقليدي للغزو الذي شهدته المنطقة العربية والإسلامية خلال العقدين الماضيين: عناوين مكافحة الإرهاب استخدمت لغزو أفغانستان، وذريعة أسلحة الدمار الشامل استخدمت لغزو العراق. واليوم، تعيد واشنطن النسخة نفسها في أمريكا اللاتينية تحت عنوان “ملاحقة تجار المخدرات”، بينما واقع التحضير العسكري “الترامبي” يُستخدم ضد جيوش وأنظمة.

المزيد من المعطيات التي تؤكد عزم أمريكا الاعتداء على فنزويلا، حيث ذكرت “نيويورك تايمز” أمس أن الرئيس ترامب أجرى اتصالًا هاتفيًا مفاجئًا بمادورو قبل أسبوعين ودعاه لزيارة واشنطن “لبحث التفاهمات”، على الرغم من تصنيفه “رئيسًا لمنظمة إرهابية”. وهذا الأسلوب يُشبه إلى حد كبير “تكتيك التخدير السياسي” الذي استخدمه ترامب سابقًا مع إيران: اتصالات ورسائل ودعوات للحوار وعقد جلسات شكلية، وتحديد موعد لـ “مرحلة تفاوض ثانية”، لياتي العدوان الصهيوني الأمريكي على طهران قبل الموعد بيومين، ما كشف أنّ تلك الاتصالات لم تكن سوى غطاء لتهيئة الضربة.

وعلى المنوال نفسه، تريد واشنطن إشعار كاراكاس بالاطمئنان بينما تسابق وقتها على الأرض، ليتضح أن هذه المكالمات مع مادورو تمثّل أسلوب “ترامب” المعروف لتخدير الأطراف المستهدفة عبر إشارات سلام زائفة قبل تنفيذ الضربات العسكرية.

وفي السياق يرى مراقبون أن إثارة أمريكا لعناوين الإرهاب والتهريب، ومنح “جائزة نوبل للسلام” لزعيمة المعارضة في فنزويلا “ماريا ماتشادو”، يُقرأ كغطاء سياسي يهيّئ المسرح الدولي لقبول ما تسعى إليه واشنطن.

يبدو المشهد كله، من تحليق المقاتلات الشبحية فوق فنزويلا وتنفيذ الضربات المباشرة على سواحلها وتفويج الأسلحة الاستراتيجية إلى الكاريبي، والتخدير الدبلوماسي والتضليل السياسي وترويض ردود الفعل الدولية بعناوين زائفة، والحديث عن قرب عملية برية، وصولاً إلى إغلاق المجال الجوي، يعطي صورة واضحة عن مسار واشنطن السريع نحو حرب واسعة ضد كاراكاس.

هذه الحرب المرتقبة باتت مكشوفة بأنها مساعٍ أمريكية لإعادة هندسة التوازنات في أمريكا اللاتينية بما يخدم مصالح الهيمنة الأمريكية، كون مادورو يمثل أكبر خصومها في القارة ويقود محورًا متناميًا يضم كوبا وبوليفيا ونيكاراغوا، ما يجعل استهدافه مرتبطًا باعتبارات استراتيجية تهم أمريكا وتتجاوز الاقتصاد والنفط اللذين يندرجان كأطماع ثانوية لترامب في هذه المعركة.