خسائر متراكمة تضرب الاقتصاد السعودي وتعطل النفط والمطارات يفاقم أزمة الاستثمار والمالية العامة
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
2 نوفمبر سبتمبر 2026مـ – 22 جماد الأول 1448هـ
تتجاوز تداعيات الردع اليمني ضد العدو السعودي حدود الأهداف الميدانية لتطال القطاعات الاقتصادية المرتبطة بالنفط، والطاقة، والتصدير، والنقل، والاستثمار، وهي قطاعات تشكل ركائز أساسية في الاقتصاد السعودي.
ومع تعطل منشآت نفطية ومرافق حيوية وتوقف حركة الصادرات، تتسع دائرة التأثير لتشمل الشركات، والأسواق المالية، والموازنة العامة، فضلاً عن انعكاساتها على ثقة المستثمرين وقدرة المملكة على استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية.
وتكشف المؤشرات التي تناولها مراقبون وخبراء اقتصاديون عن فجوة بين الصورة التي يسعى النظام السعودي إلى تقديمها بشأن تماسك اقتصاده، وبين الخسائر التي ظهرت في نتائج بعض الشركات وتراجع أداء قطاعات الإنتاج، والتكرير، والبتروكيماويات. كما أن تعطل المطارات والمرافق الملاحية يهدد الأنشطة السياحية والرياضية والمؤتمرات والمعارض، ويؤثر في تدفق السلع، والمعدات، وقطع الغيار، والأدوية، بما يوسع نطاق الأضرار من القطاع النفطي إلى مختلف مفاصل النشاط الاقتصادي.
وفي مقابل محاولات العدو السعودي تعويض الخسائر وطمأنة المستثمرين، تبرز معادلة “الحصار بالحصار” وما ترتب عليها من قيود على حركة النفط والتجارة عبر البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب استمرار العمليات العسكرية.
وتضع هذه التطورات الاقتصاد السعودي أمام أعباء متراكمة، تشمل خسائر الصادرات والمنشآت، وتراجع الأسواق، وارتفاع الحاجة إلى الاقتراض والاستثمارات الجديدة لإصلاح الأضرار وإعادة تشغيل القطاعات المتضررة.
وفي هذا السياق، يعرض الخبير الاقتصادي الدكتور عماد عكّوش والصحفي والمحلل الاقتصادي رشيد الحدّاد جملة من المؤشرات والتداعيات التي طالت الاقتصاد السعودي، من نتائج أعمال الشركات إلى إنتاج النفط وصادراته، مروراً بالمطارات، والأسواق المالية، والموازنة العامة.
عكّوش: المؤشرات الاقتصادية السعودية تكشف أضراراً ستكون مفاعيلها طويلة الأمد
الدكتور عماد عكّوش يوضح أن المؤشرات الاقتصادية المتداولة تعكس أضراراً ستكون لها مفاعيل طويلة الأمد على الاقتصاد السعودي، مستشهداً بنتائج أعمال شركات القطاع الخاص خلال الربع الثالث، ومنها شركة إعمار المدينة الاقتصادية التي سجلت خسائر بنحو 65 مليون دولار، وشركة جبل عمر التي بلغت خسائرها قرابة 70 مليون دولار خلال الفترة نفسها.
ويشير إلى أن هذه النتائج لم تكن معزولة عن بقية القطاعات، بل انعكست على سلاسل النشاط الاقتصادي المرتبطة بالشركات، بما فيها السياحة، والبنية النفطية، والطاقة، والمشاريع التي كان يفترض تنفيذها ضمن خطة 2030. ولفت إلى أن توقف جزء كبير من المشاريع أو تراجع أدائها يفرض إعادة هيكلتها، كما أن إعادة تفعيلها وتشغيل آبار النفط ومحطات التكرير وغيرها يتطلب وقتاً طويلاً وضخ استثمارات جديدة.
وفي رده على سؤال بشأن مدى دقة المؤشرات الاقتصادية التي تعلنها الرياض، يقول عكّوش إن قطاعات الإنتاج، والتكرير، وصناعة البتروكيماويات تمثل نحو 70% من الاقتصاد السعودي، وإن التراجع الذي طال هذه القطاعات تجاوز 70%، وهو ما اعتبره مؤشراً على أن الأرقام المعلنة لا تعكس حجم الانكماش الفعلي.
ويضيف أن تراجع قطاعات بهذا الوزن لا يمكن أن ينعكس على الاقتصاد الكلي بانكماش لا يتجاوز 3.6% أو 3.8%، مرجحاً أن يكون التراجع الحقيقي أكبر من 10%.
ويتجول عكّوش في تداعيات تعطل المطارات والمرافق الملاحية، موضحاً أن أثرها لا يقتصر على حركة الطيران، بل يمتد إلى الأنشطة السياحية، والرياضية، والمؤتمرات، والمعارض، التي تعتمد على المطارات وسيلةً أساسيةً لنقل المشاركين والزوار.
ويلفت إلى أن تعطل هذه المرافق يؤثر في استيراد المعدات التقنية، وقطع الغيار، والسلع التي لا يمكن تصنيعها محلياً، سواء تلك التي تحتاجها المصانع، والشركات، والطائرات، أو الأدوية الأساسية والسلع الزراعية، فضلاً عن تصدير السلع الضرورية، منوّهاً إلى أن استمرار التعطل قد يؤدي إلى توقف عدد كبير من المصانع، والمزارع، والمنشآت الاقتصادية.
ويربط عكّوش هذه التداعيات بتراجع النشاط النفطي والتكريري وصناعة البتروكيماويات، لافتاً إلى أن تضرر هذه القطاعات الأساسية، بالتزامن مع تعطل الأنشطة المرتبطة بالمطارات، بدأ ينعكس على المؤشرات الاقتصادية، ومنها مؤشر “تاسي” في البورصة السعودية، الذي شهد تراجعاً كبيراً.
ويؤكد أن هذا التراجع سيستمر ما دامت الاعتداءات السعودية على اليمن قائمة، مستحضراً المعادلة التي أرساها اليمن: “الحصار بالحصار، والمطار بالمطار، والمرافئ بالمرافئ”، محذراً من أن استمرار التصعيد سيجعل الأضرار التي تلحق بالاقتصاد السعودي أكبر.
وينوّه إلى أن الرياض بدأت بمحاولة تعويض جزء من خسائرها من خلال رفع أسعار الخدمات، ومنها الكهرباء والاتصالات، بما يوفر إيرادات إضافية لمواجهة الخسائر وتمويل الموازنة التي بدأت تواجه عجزاً كبيراً.
وفي ختام حديثه، يؤكد الخبير في الشؤون الاقتصادية الدكتور عماد عكّوش أن الأسواق المالية لم تعد مهيأة لتوفير التمويل المطلوب للمملكة عبر إصدار السندات والاكتتاب العام في ظل الظروف القائمة.
الحدّاد: العدو السعودي يحاول تغطية الخسائر بأرقام غير حقيقية والعمليات اليمنية تستهدف عموده الفقري
من جانبه، يقول الصحفي والمحلل الاقتصادي رشيد الحدّاد إن النظام السعودي حاول إظهار اقتصاده بمظهر المتماسك أمام الضربات العسكرية اليمنية التي طالت الصناعات النفطية، باعتبارها المصدر الأساسي للدخل السعودي والمكون الرئيسي في الميزانية والناتج المحلي الإجمالي.
ويبيّن أن الرياض استندت إلى أرقام الربع الثالث لتقديم صورة توحي بتحسن الأداء مقارنة بالربع الثاني، الذي شهد انكماشاً وصل إلى 4.7% أو 4.8%، نتيجة الاضطرابات السياسية والعدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران.
ويعتبر أن هذه الأرقام لم تعكس حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع النفطي خلال الربع الثالث، حين أدت العمليات العسكرية اليمنية إلى توقف شبه كلي لصادرات النفط وتوقف معظم المصافي، ولا سيما منشآت التكرير.
ويتحدث الحدّاد عن ست مصافٍ نفطية سعودية كانت ضمن الأهداف المشروعة للقوات المسلحة اليمنية، موضحاً أن من بينها مصفاة جيزان، التي تبلغ طاقتها 400 ألف برميل، وظلت متوقفة منذ مطلع أغسطس، إضافة إلى مصفاة رابغ التي تعرضت للاستهداف أكثر من مرة بعدد من الصواريخ، فضلاً عن ثلاث مصافٍ في منطقة ينبع ومصفاة رأس تنورة.
ويؤكد أن الأضرار التي لحقت بهذه المنشآت لم تكن أضراراً عابرة، بل احتاجت إلى أشهر أو سنوات لإعادة بناائها وتشغيلها، مشيراً إلى أن استهداف المصافي طال منشآت تكريرية رئيسية في وقت كان فيه الطلب العالمي على المنتجات البترولية مرتفعاً.
ويضيف أن النظام السعودي حاول إخفاء معلومات دقيقة عن حجم الأضرار التي أصابت البنية التحتية النفطية، وتسويق صورة اقتصادية توحي بأن المملكة لا تزال متماسكة ولم تتأثر كثيراً بالعمليات العسكرية، رغم أن الضربات طالت ما وصفه بالعمود الفقري لشركة أرامكو، التي تشكل المصدر الأساسي للدخل وتمويل الميزانية السعودية.
ويشير الحدّاد إلى أن أرامكو، التي كانت تقدم تمويلات لشركات ومشاريع كبرى، اتجهت إلى الأسواق الآسيوية للحصول على قرض بقيمة 10 مليارات دولار وبأعلى فائدة، معتبراً ذلك مؤشراً على حجم الضغوط المالية التي تواجهها الشركة.
وفي ملف الصادرات النفطية، يتحدث الحدّاد عن أثر الحصار المفروض على حركة النفط عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، موضحاً أن مرور السفن عبر هذا المسار تراجع بصورة كبيرة، بالتزامن مع تراجع مبيعات النفط السعودي.
ويقول إن السعودية كانت تبيع خلال الربع الثاني ما بين 4.6 و5.7 مليون برميل في ظل طلب خارجي كبير، بينما اعترفت في أرقام الربع الثالث بتراجع المبيعات إلى أقل من ثلاثة ملايين برميل. ويقدّر أن ذلك يعني خسارة أكثر من 150 مليون برميل خلال ثلاثة أشهر، بما لا يقل عن 15 مليار دولار من الإيرادات النفطية، إلى جانب خسائر أخرى طالت الصادرات.
ويضيف أن التراجع لم يقتصر على النفط، بل شمل الأسمدة والبتروكيماويات بمختلف أنواعها، مشيراً إلى أن توقف الصادرات من منطقة الخليج عبر مضيق هرمز أوجد فرصة أمام السعودية لزيادة مبيعاتها، إلا أن القيود على حركة النفط عبر البحر الأحمر وباب المندب حدّت من قدرتها على الاستفادة من ذلك.
ويتناول الحدّاد كذلك تراجع مبيعات النفط والأسهم السعودية، مشيراً إلى أن مؤشر السوق السعودي سجل خسائر كبيرة في ظل اتجاه المستثمرين إلى البيع وعزوفهم عن الاستثمار في أرامكو وقطاعات أخرى. كما يربط ذلك بالتحذيرات والتنبيهات التي أصدرتها القوات المسلحة اليمنية للمستثمرين، وما أحدثته من مخاوف بشأن استمرار النشاط في المنشآت المستهدفة.
وفي ما يتعلق بالقدرة على تعويض الأضرار، يقول الحدّاد إن السعودية ستضطر إلى البحث عن مسارات تمويلية جديدة في ظل تراجع الثقة بها لدى المؤسسات المالية والبنوك الدولية، لافتاً إلى أن المملكة قد تلجأ إلى الاقتراض من البنوك الدولية، وزيادة الدين العام الخارجي، واستقطاب استثمارات أجنبية جديدة، وربما تسهيل بيع أجزاء إضافية من أسهم أرامكو لإيجاد شركاء أوروبيين أو أمريكيين أو أجانب يساهمون في إصلاح الأضرار.
ويتطرق إلى أن الدين العام السعودي تجاوز، بحسب الأرقام التي أوردها، 450 مليار دولار، معتبراً أن الخسائر الاقتصادية ستفرض على المملكة دفع أثمان مالية كبيرة لإعادة تشغيل المنشآت وإصلاح البنية التحتية المتضررة.
ويستشهد بمصفاة جيزان التي تبلغ طاقتها 400 ألف برميل، قائلاً إنها تعرضت للاستهداف في مطلع أغسطس وتوقفت عن العمل، قبل أن تعلن أرامكو أنها ستعود إلى الخدمة في أواخر الشهر، إلا أن عمليات عسكرية لاحقة أدت إلى استهدافها مجدداً وتوقفها بصورة كاملة.
ويوضح أن المصفاة كانت تنتج كميات كبيرة من المنتجات البترولية، وأن استمرار توقفها خلال الربع الثالث حرم السوق من إمداداتها، في وقت كانت فيه الأرقام السعودية تتحدث عن محدودية الأضرار التي لحقت بصناعة النفط.
وينوّه الحدّاد إلى عمليات عسكرية أخرى، بينها ما سماه “كريس إبيق”، قائلاً إنها نُفذت بأعداد من الصواريخ الباليستية القوية، وأدت إلى أضرار إضافية في المنشآت النفطية.
وفي ختام حديثه، يقول الحدّاد إن العمليات العسكرية اليمنية استهدفت، إلى جانب المنشآت النفطية، قطاعات ومنشآت حيوية مرتبطة بالحياة، رداً على استهداف السعودية للمدارس، والطرق، ومحطات الوقود، والبنية التحتية في اليمن، مؤكداً أن استمرار العدوان والحصار سيقابله رد يمني، محذراً من أن الخسائر السعودية لا تزال في بدايتها، وأن الأيام المقبلة قد تشهد ضربات اقتصادية وعسكرية أشد تأثيراً على حركة النفط وصناعته، في حال استمر التصعيد ضد اليمن وفرض الحصار على شعبه.
