العميد شمسان يستعرض دلالات الاختراق الاستخباري اليمني للتحركات السعودية الميدانية ونتائجه وانعكاساته الاستراتيجية

9

ذمــار نـيـوز || أخبــار محلية ||
31 أكتوبر 2026مـ – 20 جماد الاول 1448هـ

كشفت الضربات اليمنية المتتالية على التحشيدات السعودية في مناطق العبر والوديعة والثنية والرويك، ثم في الساحل الغربي والجوف ومأرب، عن امتلاك اليمن معلومات دقيقة بشأن تحركات القوات السعودية ومواقع تجمعاتها وغرف قيادتها وإمداداتها.

ويتجاوز الأمر رصد التحشيدات ليمتد إلى تتبع القوافل والدعم اللوجستي والقيادات السعودية التي أدارت وتدير التصعيد ضد الشعب اليمني، وصولاً إلى الكشف عن تفاصيل الهيكل القيادي السعودي وأدواره في إدارة التحشيدات اليمنية.

وفي استعراض للخارطة التفاعلية، يشرح الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، العميد مجيب شمسان، طبيعة المخطط الذي أُعد لتحريك التحشيدات في ستة مسارات متزامنة، بعد إعداد استمر سنوات بمشاركة أمريكية وبريطانية وإسرائيلية، بهدف إشغال القوات المسلحة اليمنية من اتجاهات متعددة، والضغط على صنعاء عسكرياً واقتصادياً، وتهيئة الظروف للتقدم نحو السواحل الغربية وباب المندب. كما عرض تفاصيل الضربات التي استهدفت غرف القيادة والسيطرة والقواعد المتقدمة والتحشيدات ومخازن السلاح والإمداد.

وامتد الكشف إلى القيادات السعودية التي أشرفت على إدارة العمليات، وفي مقدمتها فهد بن حمد السلمان، والضباط المسؤولون عن العمليات والدعم والإسناد، إضافة إلى دور قاعدة شرورة بوصفها مركز الإمداد البري والاحتياط.

ويربط شمسان بين هذه المعلومات والقدرة على تفكيك المخطط قبل اكتمال تحركاته، مؤكداً أن المعلومة الاستخبارية تحولت إلى نتائج ميدانية عبر اختيار الوسائط المناسبة لطبيعة كل هدف، فيما اتسعت الضربات اليمنية لتشمل المنشآت النفطية والحيوية في العمق السعودي.

وهنا بدأت مؤشرات امتلاك صنعاء معلومات دقيقة عن التحشيدات السعودية مع الضربات الأولى التي استهدفت مواقع العدو في الرويك والثنية والعبر والوديعة. وكانت المعلومات التي كُشفت حينها قد تضمنت سقوط أحد عشر ضابطاً وجندياً سعودياً داخل غرف القيادة والسيطرة التي تعرضت للاستهداف أثناء مرحلة التشييك الأخيرة لتحويل تلك التحشيدات إلى عمل هجومي.

وشكلت تلك الضربات رسالة مبكرة عن قدرة القوات المسلحة اليمنية على الوصول إلى تفاصيل تحركات العدو في مناطق كان يُعتقد أنها محصورة وبعيدة عن الرصد. وتوالت بعدها عمليات استهداف التحشيدات السعودية في الساحل الغربي ومواقع أخرى في شرق وشمال الجوف، وصولاً إلى رصد عمليات الدعم والإسناد والقوافل والشحنات اللوجستية وضربها قبل وصولها إلى المواقع المحددة لها.

كما كشف استهداف قاعدة مَرّة واللقاءات التي عُقدت داخلها عن امتداد الرصد إلى مواقع محصنة وسرية لم يكن يُتوقع الوصول إليها، فيما اعتبر شمسان أن ما نُشر من معلومات عن هذه القاعدة لم يكن سوى جزء من معلومات أوسع تمتلكها القوات المسلحة اليمنية.

ولم يقتصر الكشف على مواقع التحشيد والتحركات الميدانية، بل وصل إلى القيادات التي أدارت العمليات، بدءاً من القاعدة المتقدمة لما تسمى “القوات المشتركة” في المخا وعدد الضباط السعوديين الموجودين فيها، وصولاً إلى الدور السعودي في تعيين المناصب داخل التشكيلات التابعة له، فيما شملت المعلومات التي عرضتها قناة المسيرة تفاصيل عن تدخل السفير السعودي محمد آل جابر في بعض التعيينات، إلى جانب الأوامر الصادرة عن القيادات السعودية، ومنها خالد بن سلمان ومحمد بن سلمان.

وأظهرت هذه التفاصيل، كما يوضح شمسان، أن الدور السعودي لم يكن مقتصراً على مشاركة ضباط في إدارة العمليات العسكرية، بل امتد إلى التأثير في بعض التعيينات المدنية والسياسية المرتبطة بالتحشيدات. كما كشفت عن الانخراط المباشر للقيادات السعودية في إدارة العدوان، خلافاً للصورة التي حاول العدو تقديمها باعتبارها معركة يمنية داخلية.

وفي تفصيل الهيكل القيادي، يبيّن شمسان أن فهد بن حمد السلمان كان يشرف على الضباط السعوديين وإدارة ما تسمى “القوات المشتركة” التابعة للعدو السعودي في اليمن، وأن مقرات القيادة المشتركة والتحركات العسكرية داخل اليمن كانت تخضع للإشراف المباشر. وتولى ضابط سعودي آخر إدارة العمليات اللوجستية والإمداد، فيما توزعت بقية المهام على ضباط أشرفوا على إدارة العمليات في مختلف المحاور.

وكانت القاعدة المتقدمة في المخا إحدى أبرز مراكز إدارة العمليات، قبل أن تنتقل إلى عدن عقب تحرير المنطقة ودحر التحشيدات منها.

وهنا يعتبر العميد شمسان أن هذا التوزيع كشف وجود خطة مسبقة لترتيب القوات وإدارتها تحت قيادة واحدة تابعة للسعودية.

ولم يكن هذا الترتيب وليد اللحظة، إذ بدأت اللجان المعنية بالإشراف على الهيكلة وإعادة تنظيم تلك القوات منذ نهاية عام 2025 وبداية عام 2026، بهدف توحيد التشكيلات تحت قيادة واحدة يقودها ضباط سعوديون، وتحويلها إلى رأس حربة في العدوان على اليمن.

وجاء ذلك عقب الخلاف السعودي الإماراتي الذي انعكس على طبيعة التشكيلات وتعدد قياداتها، قبل أن تتجه السعودية إلى توحيدها تحت قيادتها وإنهاء تقاسم الأدوار بين الطرفين.

ويوضح شمسان أن التكوينات التي كانت تتبع الإمارات وتلك التابعة للسعودية حملت اختلافات وصراعات انعكست على أدائها الميداني، وأن توحيد القيادة جاء لتجاوز هذا الخلل ومنع تعارض الأوامر والتحركات، فيما تولى علي بن عايض بن علي الحارثي قيادة قوات الدعم والإسناد، في حين تولى العقيلي إدارة العمليات والقيادات والقوات في مختلف المحاور التي شهدت التحشيدات السعودية.

أما قاعدة شرورة، وفق ما عرض العميد شمسان، فكانت تمثل مركز الإمداد البري الأساسي وقاعدة لقوات الاحتياط والدعم والإسناد، ومنها كانت تتحرك الإمدادات إلى القواعد العملياتية المتقدمة في عدن وشبوة ومأرب والمهرة وحضرموت، مشيراً إلى أن القوات المسلحة اليمنية استهدفت قاعدة شرورة أكثر من مرة، وأن إدارة العمليات والتحشيدات لم تكن محصورة في المواقع الموجودة داخل اليمن، بل كانت تدار أيضاً من غرف سعودية.

ويربط شمسان هذه التحركات بأطماع سعودية سابقة في السواحل والجزر اليمنية وفي محافظتي حضرموت والمهرة، معتبراً أن المخطط استهدف تحقيق ما عجزت السعودية عن الوصول إليه في مراحل سابقة.

وفي السياق، كانت عملية إعداد التحشيدات قد امتدت، كما أوضح، على مدى أربع سنوات بمشاركة أمريكية وبريطانية وإسرائيلية، وتوزعت على ستة مسارات رئيسية، بدأت من مأرب والجوف مروراً بمحور البيضاء وشبوة، ووصولاً إلى الساحل الغربي وجبهات ما وراء الحدود.

وكان المسار الشمالي الشرقي قد ركز على مأرب والجوف ومناطق العبر والوديعة والثنية والرويك وصحن الجن، بينما تمثل المسار الثاني في البيضاء وشبوة، حيث جرى تحريك قوات “العمالقة” و”درع الوطن” باتجاه الزاهر ومناطق أخرى، بهدف إشغال القوات المسلحة اليمنية ومنعها من التقدم نحو المحافظات النفطية والمناطق التي كانت تحت سيطرة العدو.

أما المسار الساحلي فتمركز في المخا وذُباب وباب المندب ومناطق جنوب الحديدة، مع الاعتماد على التحشيدات التي كانت تتبع سابقاً الإمارات وإمدادها عبر الطرق القادمة من المحافظات الجنوبية. في حين توزعت بقية المسارات على صعدة وحجة وعلى جبهات ما وراء الحدود، ومنها صامطة والطوال والموسم ونجران.

وهنا ينوّه العميد شمسان إلى أن المخطط كان يقوم على تحريك هذه الجبهات في توقيت واحد، بالتزامن مع تشديد الحصار الاقتصادي ومضاعفة الضغوط المعيشية، حتى تجد صنعاء نفسها مضطرة إلى توزيع قواتها على أكثر من اتجاه، بما يتيح للتحشيدات السعودية تحقيق تقدم في الساحل الغربي والوصول إلى المناطق المطلة على البحر الأحمر وباب المندب.

لكن المعلومات الدقيقة عن طبيعة التحركات والضربات التي استهدفت غرف القيادة والسيطرة والتجمعات العسكرية ومخازن السلاح والإمداد أربكت هذه المسارات قبل اكتمالها. وامتد أثرها إلى تفكيك التحشيدات وتعطيل إمكانياتها وفصل مناطقها عن بعضها، وصولاً إلى تحرير نحو 5400 كيلومتر مربع في الساحل الغربي، ونحو تسعة آلاف كيلومتر مربع وما يزيد عنها في بقية مديريات محافظة تعز.

كما تواصلت الضربات على تحشيدات العدو في رأس العارة والمضاربة، وصولاً إلى التقدمات التي حققتها القوات المسلحة اليمنية في محافظة لحج.

ويؤكد شمسان أن المعلومة الاستخبارية لا تكتسب قيمتها بمجرد معرفة موقع الهدف أو طبيعة تحركاته، وإنما عندما تتحول إلى إنجاز ميداني. وشرح أن الوصول إلى قيادات العدو في غرف القيادة والسيطرة، حتى داخل المناطق المعزولة في عمق الصحراء، تطلب امتلاك وسائط قادرة على إصابة الأهداف بدقة، وهو ما تحقق عبر تراكم الخبرة وتطوير القدرات الصاروخية والجوية.

ويلفت إلى أن الضربة التي استهدفت اجتماعاً لقيادات العدو في منطقة معزولة جاءت نتيجة هذا التراكم، وأن نسبة الخطأ في الإصابة كانت هامشية، كما استُخدمت وسائط مختلفة لضرب التحشيدات وفق طبيعة كل منطقة وتضاريسها.

وفي هذا السياق، يتحدث العميد شمسان عن استخدام الصواريخ المتشظية لإيقاع أكبر عدد من القتلى في صفوف التحشيدات، إلى جانب طائرات “رجوم” وطائرات “شواط”، موضحاً أن طائرات “رجوم” التي استُخدمت في استهداف تحشيدات العدو داخل المناطق المحتلة تختلف عن الطائرات المستخدمة ضد الجنود والضباط السعوديين وراء الحدود.

ويبيّن أن الطائرات المستخدمة في استهداف التحشيدات داخل اليمن كانت تحمل ست قذائف، بينما وصل عدد القذائف في الطائرات المستخدمة ضد التحشيدات السعودية وراء الحدود إلى أربع عشرة قذيفة، في دلالة على تعدد الأجيال والقدرات التي طورتها القوات المسلحة اليمنية.

ومع تعثر التحشيدات وفشلها في تحقيق أهدافها، لجأ العدو السعودي إلى التدخل الجوي المباشر وإعلان مشاركة مئة طائرة في إسناد قواته، لكن الرد اليمني انتقل إلى استهداف العمق السعودي ورفع كلفة التصعيد على المنشآت والقواعد الحيوية.

وبدأت الضربات التي استعرضها شمسان بعشرات الصواريخ التي استهدفت منشأة أرامكو في جيزان، ثم امتدت إلى أهداف جغرافية ومنشآت حيوية في المناطق الجنوبية وصولاً إلى ينبع. وأشار إلى أن وتيرة العمليات ارتفعت خلال الأيام الأخيرة، مع تنفيذ القوات المسلحة اليمنية سبع عمليات في أحد بياناتها، تلتها ست عمليات ثم سبع عمليات أخرى.

ويتطرق إلى أن هذه العمليات، رغم ارتفاع وتيرتها، ظلت موزعة على نطاق واسع من الأهداف، متسائلاً عن حجم التأثير الذي يمكن أن تحدثه زيادة الكثافة النارية على منشآت مثل رأس تنورة وبقيق وخريص وحقل الغوار، إذا انتقلت الضربات من صاروخ واحد إلى عشرات الصواريخ، على غرار ما حدث في استهداف أرامكو بجيزان.

وفي البعد الاستخباري للكشف، يشدّد شمسان على أن الرسالة لم تقتصر على أن تحركات العدو داخل اليمن أصبحت مكشوفة، بل امتدت إلى القيادات العليا التي تدير العمليات والجهات التي تحركها من داخل السعودية، مشيراً إلى أن المعلومات المتعلقة بقاعدة شرورة وإدارة العمليات منها عكست امتداد الرصد إلى العمق السعودي.

كما يتطرق إلى حالة السخط داخل بعض أوساط الضباط المرتبطين بالحرس الوطني السعودي نتيجة إقصاء محمد بن سلمان للحرس الوطني ومحاولة دفع قواته إلى المناطق الحدودية. ويقول إن هذه القوات كانت تتولى تقليدياً حماية الأسرة الحاكمة والمنشآت والأماكن المقدسة، بينما أُسندت حماية الحدود إلى حرس الحدود والقوات البرية والجوية.

ويضيف أن محمد بن سلمان سعى منذ وصوله إلى السلطة إلى إضعاف نفوذ القبائل وإقصاء شخصيات وقوى مرتبطة بها، وذكر قبائل عتيبة ومطير والدواسر، مشيراً إلى أن قتلى الحرس الوطني في الحد الجنوبي لم يكونوا يحظون في حالات بالإعلان عنهم أو تبنيهم من وزارة الدفاع السعودية بسبب الصراع المرتبط بولائهم لمتعب بن عبد الله.

ويستند شمسان إلى تقرير فرنسي تحدث عن خشية محمد بن سلمان من تحول الحرس الوطني إلى حاضنة للمعارضة، معتبراً أن دفع هذه القوات إلى الحدود كان جزءاً من محاولة الحد من نفوذها، وأن لجنة بريطانية شاركت في إعادة الهيكلة.

ويختم العميد مجيب شمسان حديثه بالتأكيد على أن حجم الرافضين لسياسات محمد بن سلمان داخل السعودية يفوق في تقديره حجم المؤيدين لها، وأن الحماية الأمريكية باتت تمثل مظلة خارجية له في ظل تراجع الحماية التي كانت توفرها الدائرة المقربة منه، مجدداً التأكيد على أن القيادات السعودية التي أدارت العمليات داخل اليمن أصبحت مرصودة ومكشوفة، داعياً المواطنين إلى الابتعاد عن تحشيدات العدو السعودي حفاظاً على سلامتهم.