المساوى: خطاب السيد القائد يقدّم الجهاد والاستشهاد كمنهجية تحفظ كرامة الأمة وتبني واقعها وتجعلها في صدارة الأمم

9

ذمــار نـيـوز || متابعات ||

30 أكتوبر سبتمبر 2026مـ – 19 جماد الأول 1448هـ

أعاد الحضور العسكري والسياسي لليمن خلال السنوات الماضية طرح أسئلة تتجاوز حدود المواجهة المحلية، وتتصل بطبيعة المشروع الذي يحكم موقفه من قضايا الأمة، وبالتحولات التي أحدثتها الاعتداءات الأمريكية والصهيونية والسعودية في موقعه الإقليمي.

وفي هذا السياق، برزت الهوية الإيمانية والارتباط بالقرآن والإسلام المحمدي الأصيل كمرتكزات أساسية في الخطاب الثوري والسياسي الذي يفسر صمود اليمن ومشاركته في قضايا تتجاوز حدوده، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

ويرتبط هذا المسار، في رؤية الكاتب والباحث عيسى المساوى لخطاب السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي الأخير، والذي قدم مفهوم الجهاد باعتباره مشروعاً تحررياً يبدأ ببناء الإنسان وتحريره من الخوف والخضوع والاستكانة، ولا ينتهي عند المواجهة العسكرية، بل يمتد إلى تحرير الأرض واستعادة القرار، وبناء مؤسسات الدولة وتطوير التعليم والتنمية والخدمات.

وفي مداخلة على قناة المسيرة، يضع المساوى التجربة اليمنية ضمن سياق أوسع يتصل بمواجهة الهيمنة الخارجية، وتقديم نموذج عملي للأمة في مواجهة القوى التي وصفها بالاستكبار العالمي.

ويقول المساوى إن اليمن قدّم نموذجاً في الارتباط الوثيق بالإسلام، وفي تقديم القدوة من خلال مسيرته الجهادية التي أعادت إليه موقعه بين الأمم، وأسهمت في استعادة ما وصفه برونق الإسلام المحمدي الأصيل وانتمائه إلى مشروع الإسلام العالمي.

ويوضح أن هذه المسيرة واجهت قوى الطغيان على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، وأن الارتباط بالقرآن والإسلام صنع قوة مؤمنة لم تعرف الانكسار أو التراجع، واستطاعت خلال فترة زمنية قصيرة التخلص من أدوات الوصاية والهيمنة القديمة والجديدة، بما فيها الأدوات التي وصلت إلى السلطة عقب أحداث الربيع العربي.

ويضيف أن الجهاد في اليمن لم يقتصر على الشأن الداخلي، بل امتد إلى قضايا الأمة، انطلاقاً من هوية اليمن بوصفه بلد الأنصار، مستحضراً الدور الذي أداه الأنصار في نصرة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإقامة دعائم الإسلام من خلال تضحياتهم ومواقفهم.

ويشير إلى أن هذا الإرث تجسد في موقف اليمن من قضايا الأمة العربية والإسلامية، وفي مقدمتها فلسطين، حيث أدى اليمن دوراً فاعلاً واستثنائياً في مساندة الشعب الفلسطيني خلال معركة طوفان الأقصى، وقدم تضحيات في هذا المسار، من دون أن يفصل بين دفاعه عن نفسه وانتصاره لمظلوميته وبين موقفه من القضية الفلسطينية.

 

ويلفت إلى أن هذا الانتماء ظهر كذلك في القيم والمبادئ التي تجلت في أداء القوات المسلحة، سواء في التعامل مع الأسرى أو في طبيعة الأهداف التي استهدفتها العمليات العسكرية، مؤكداً أن العمليات اقتصرت على المنشآت العسكرية والاقتصادية الممولة للعدوان، ولم تستهدف المستشفيات والمدارس والأحياء المدنية أو منشآت المياه والكهرباء التي تخدم المواطنين.

ويضيف إن القوات المسلحة ركزت، خلال اثني عشر عاماً من العدوان السعودي الأمريكي، على المنشآت العسكرية والثكنات، وعلى المنشآت الاقتصادية التي تمثل عصب القوة التي استُخدمت في العدوان على اليمن، معتبراً أن هذا السلوك عبّر عن ارتباط المسيرة الجهادية بقيمها الأخلاقية.

وينتقل المساوى إلى مفهوم الجهاد التحرري، موضحاً أن هذا المفهوم كان من أبرز ما تناوله السيد القائد في خطابه بمناسبة الذكرى السنوية للشهيد، وأن المشروع الجهادي في اليمن بدأ بتحرير الإنسان من المفاهيم المغلوطة ومن الرضوخ والاستكانة لرموز الطغيان، ومن قبول الظلم والخضوع للفراعنة.

ويضيف أن المشروع اهتم بتحرير الإنسان من تركة ثقافية وفكرية كرّست الخوف والاستسلام، وعملت على تثبيط الشعوب وإبقائها خاضعة لقوى الهيمنة والإفساد، معتبراً أن ما تحقق في اليمن كان ثمرة لهذا المشروع التحرري.

ويؤكد أن تحرير الإنسان اليمني أتاح خوض معركة طويلة في مواجهة القوى الإقليمية والدولية، وأن صمود اليمن طوال اثني عشر عاماً، ومواجهته قوى الاستكبار العالمي، لم يكن ليتحقق لولا ترسخ المفاهيم والقيم الجهادية والتحررية.

ويشير إلى أن اليمن تعرض لأكبر هجمة من قوى الاستكبار العالمي وأدواتها في المنطقة، لكنه استمر في الصمود وتحقيق انتصارات وصفها بالنوعية، وأربك حسابات عواصم القرار الغربية، وأعاد الاعتبار للأمة العربية والإسلامية، معتبراً أن هذه التجربة أظهرت قدرة قوة محدودة الإمكانيات على مواجهة قوى تمتلك تفوقاً مالياً واقتصادياً وعسكرياً.

ويعتبر أن المشروع التحرري انعكس على الواقع الداخلي من خلال الاستقرار والعزة والكرامة، وبناء قوة مسلحة من الصفر أصبحت مصدر قلق للقوى الإقليمية والدولية الاستكبارية التي تقف خلف العدوان على اليمن.

ويتابع قائلاً: إن اليمن لم يعد مجرد ساحة خلفية، بل أصبح لاعباً إقليمياً صاعداً لا يمكن تجاوز موقفه عند التخطيط لمشاريع المنطقة، مشيراً إلى أن هذا التحول ارتبط أيضاً بالمكانة المعنوية التي اكتسبها اليمنيون لدى قطاعات من الشارع العربي والإسلامي.

 

ويشدد المساوى على أن المرحلة الراهنة تتطلب الحفاظ على المكتسبات ومراكمة الانتصارات، والاستفادة من تضحيات الشهداء والمقاتلين الذين يكتبون ملاحم في تاريخ اليمن، وجعلهم قدوة في تعزيز الجبهة الداخلية ورفع مستوى المسؤولية.

ويؤكد أن المهمة لا تنتهي عند تعز أو مأرب أو سقطرى أو المهرة، بل تتصل بمسؤولية أوسع تجاه الشعوب المستضعفة في العالم، داعياً إلى الارتقاء بمستوى الأداء في مختلف المجالات، وعدم حصر الجهاد في المواجهة العسكرية.

ويبيّن أن مسؤولية المرحلة شملت بناء نموذج في الاستقلال والتنمية والتطوير والتعليم والمعرفة والمشاريع الخدمية، بحيث تتكامل الجبهة العسكرية مع الجبهات الإعلامية والسياسية والدبلوماسية والتنموية، ويكون اليمن ورشة متكاملة للبناء إلى جانب المواجهة.

ويربط المساوى ذلك بضرورة كسر حاجز الخوف، معتبراً أن النموذج اليمني قدّم دليلاً عملياً على إمكانية مواجهة قوى الهيمنة، وأن تقديم النماذج الناجحة هو الطريق لإعادة بناء وعي الشارع العربي والإسلامي، وتحريره من الخضوع للمحتل وأدواته المحلية.

ويتطرق إلى أن اليمن انتقل من موقع كان يوصف بالحديقة الخلفية إلى قوة إقليمية يُحسب لها حساب، ولم يعد بمقدور قوى الاستكبار التخطيط لمشاريعها في المنطقة من دون أخذ مواقف اليمن وردود فعله في الاعتبار.

ويرى أن التجربة اليمنية أسهمت في كسر حاجز الخوف لدى قطاعات من الشارع العربي والإسلامي، وغيّرت مفاهيم الخضوع والاستسلام، معتبراً أن المشروع الإسلامي الجهادي قدّم نموذجاً عملياً في مواجهة الهيمنة، بعد أن أخفقت مشاريع وأيديولوجيات أخرى في الصمود أمام القوى الاستعمارية.

ويلفت إلى أن المنطقة انتقلت، بعد انتهاء أشكال الاستعمار القديم، إلى أشكال جديدة من الهيمنة عبر أدوات محلية، معتبراً أن الأنظمة العربية والإسلامية لم تتمكن من وقف الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين.

ويختتم المساوى مداخلته بالتأكيد على أن العودة إلى الإسلام المحمدي الأصيل تمثل الطريق لتحصين الأمة واستعادة دورها، وأن الإيمان والارتباط بالله يشكلان أساساً لبناء قوة قادرة على مواجهة الطغيان، وتحرير الإنسان والأرض، والنهوض بمسؤوليات التنمية والبناء إلى جانب مسؤوليات المواجهة.