الوجه الخفي لنظام آل سعود: بين الجذور التاريخية والتحولات العقائدية والمجتمعية

3

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
28 أكتوبر 2026مـ – 17 جماد الاول 1448هـ

تـقـريــر || عباس القاعدي

يعرف الكثيرون في العالم العربي والإسلامي الوجه الديني أو الإسلامي المعلن للنظام السعودي، لكن الفئة الأكبر تجهل الوجه الآخر لأسرة “آل سعود”؛ وهو الوجه الأكثر خطورة وتأثيراً وسيطرة على صناعة القرار والسياسات العامة داخل المنطقة.

وعندما نُوصف هذا الوجه بـ “الصهيوني”؛ فإننا لا نبالغ ولا نتجنى، وليس هذا الحديث صادراً عن كيدٍ أو خصومة سياسية، أو لمجرد كوننا في مواجهة مع النظام السعودي في الوقت الراهن.

كما أننا حين نطلق مصطلح “السعودية”، فإننا نعني حكماً “نظام آل سعود” وليس الشعب؛ فأبناء الجزيرة العربية لم يوافقوا أساساً على تسمية موطنهم باسم أسرة حاكمة؛ فالاسم التاريخي والحقيقي لهذه الأرض هو “جزيرة العرب” أو “نجد والحجاز”، وبالتالي فإن التسمية الحالية تعبر عن الأسرة الحاكمة فقط، ولا تُمثّل القبائل والمواطنين الأصليين.

ومن هذا المنطلق، فإننا نسلط الضوء على “الوجه الخفي” للأسرة الحاكمة؛ وهو وجهٌ يوقن به الكثير من أبناء الأمة، غير أن أصواتهم مغيبة لافتقارهمللشاشات والمنصات الإعلامية، التي توصل تلك الأصوات إلى الناس بالشكل المطلوب والواسع.

وفي المقابل، يمتلك النظام السعودي إمكانات مالية وإعلامية ضخمة مكّنته من تقديم نفسه بوصفه “زعيم المسلمين”، و”حامل لواء العروبة”، و”خادم الحرمين الشريفين”، و”حارس العقيدة”. بينما يرى باحثون وأكاديميون، أن الوظيفة الفعلية للنظام ضمن مخطط تشترك فيه أطراف غربية واستعمارية، تهدف إلى تفريغ المقدسات من مضمونها وإضعاف العالم الإسلامي.

وللوقوف على أصول هذه الأسرة، نستشهد بشهادات باحثين سعوديين بارزين معروفين بالدقة والرزانة الأكاديمية في الأوساط الدولية، ومن أبرز هؤلاء الدكتور حمزة الحسن، أحد أهم المتخصصين في تاريخ الجزيرة العربية.

 

تطرق الباحث المعروف من أبناء الجزيرة العربية، الدكتور حمزة الحسن، إلى قضية الجذور والأصول التاريخية لأسرة آل سعود، وفي الواقع لم يقدم الدكتور الحسن رأياً شخصياً مجرداً، بل أشار إلى أن الحديث حول وجود أصول يهودية لهذه الأسرة كان أمراً متداولاً ومذكوراً في كتابات عدد من المؤرخين والباحثين العثمانيين وغيرهم.
ويوضح الحسن أنه لم يكن يأخذ الروايات على محمل الجد في البداية، مرجحاً أن تكون واردة في سياق “الخصومة والكيد السياسي”، وبناءً على ذلك، كان يتحاشى الخوض في هذا الملف، إلى أن جمعه لقاءٌ بوزير البترول السعودي الأسبق في عهد الملك فيصل، أحمد زكي يماني.

ويروي الدكتور حمزة الحسن أنه استغل ذلك اللقاء ليسأل الوزير اليماني عما إذا كانت لديه معلومات دقيقة بشأن أصول آل سعود، وحينها أجابه اليماني الذي كانت تربطه بالملك فيصل علاقة وثيقة وتواصل مباشر، بنقل حادثة وقعت معه؛ حيث ذكر أنه قصد ديوان الملك فيصل ذات يوم ليدخل عليه كعادته دون ميعاد، غير أن السكرتير طلب منه الانتظار لوجود اجتماع مغلق، وهو ما أثار استغرابه لكونها المرة الأولى التي يُمنع فيها من الدخول الفوري.

ويضيف اليماني: “أنه بعد فترة قصيرة، خرجت مجموعة من الشخصيات والباحثين السوريين من عند الملك، وعندما دخل عليه وجد ملامحه غير طبيعية تبدو عليها أثار الاضطراب، ولاحقاً، استفسر اليماني من أحد أولئك الزوار عما دار في الاجتماع، فأخبره بأن الملك فيصل كان قد كلفهم بإجراء بحث تاريخي ونسب دقيق حول أصول “آل سعود”، وأن نتائج أبحاثهم قادتهم إلى الأصول اليهودية، ويُعد الدكتور حمزة الحسن من الأسماء الأكاديمية المشهود لها بالمهنية والدقة في نقل المعلومة على مستوى المنطقة.

ولم تتوقف الشهادات عند هذا الحد، بل يمتد الحديث إلى قامة فكرية وسياسية أخرى من أبناء الجزيرة العربية، وهو الدكتور محمد المسعري، الذي كان قد ظهر في مقابلة سابقة على قناة “الجزيرة” القطرية ليقدم تحليلاً مفصلاً حول التوجهات الحقيقية لسياسات آل سعود ومواقفهم من قضايا الأمة العربية والإسلامية. فما الذي كشفه الدكتور محمد المسعري بشأن طبيعة الدور الذي لعبه نظام آل سعود تجاه قضايا الأمة ومقدراتها؟

 

وفي هذا السياق، يقدم الدكتور محمد المسعري، وهو أيضاً من أبرز الشخصيات الفكرية والسياسية من أبناء الجزيرة العربية ممن يرفضون نسبة أنفسهم إلى التسمية “السعودية” شهادة مهمة عبر شاشة قناة “الجزيرة”، رداً على سؤال يتعلق بتصريحات بن سلمان، التي أقر فيها بأن نشر الفكر الوهابي جاء استجابة لطلبات ورغبات حلفاء غربيين وأمريكيين إبان الحرب الباردة.

ويرى المسعري أن هذه السياسات تعكس قناعات متجذرة لدى الملك سلمان وابنه، واصفاً إياهما بتبني توجهات متماهية تماماً مع الطروحات الصهيونية والغربية، موضحًا أن الفلسفة التي اعتمدها سلمان منذ أوائل الثمانينيات، عبر جلساته الممتدة مع تيار من المتغربين والعلمانيين، تقوم على النظرة إلى أدين بوصفه “خرافة” يجب التخلص منه، غير أن طبيعة المرحلة التاريخية والمجتمعية لم تكن تسمح بتطبيق ذلك العلن أو بشكل مباشر.

ولإحداث هذا التغيير دون التصادم الصريح مع المجتمع، اعتمد النظام استراتيجية التدريج لضمان عدم إثارة ردود فعل غاضبة تفشل هذه الخطط، ومن هذا المنطلق، يرى المسعري أن ما يقوم به بن سلمان اليوم ليس سوى استكمال عملي وتنفيذي لرؤية والده سلمان وبمباركته الكاملة، حيث تمثل الإجراءات الحالية تحت شعارات “الترفيه” و”محاربة التطرف” المراحل الأخيرة لإضعاف الهوية الإسلامية وتفريغها من مضمونها.

ويحلل الباحثون هذه الرؤية بالإشارة إلى تأثر النظام السعودي بالنموذج التاريخي الأوروبي، الذي يعتبرونه مساراً إنسانياً حتمياً؛ حيث تحالفت الملوك قديماً مع الكنيسة لضرب الإقطاع، ثم انقلبت بالتشارك مع المفكرين والجماهير لضرب نفوذ الكنيسة، وصولاً إلى إسقاط الأنظمة الملكية وتأسيس ما تسمى “الدولة الحديثة”.

ومع ذلك، يواجه النظام السعودي تحدياً متمثلاً في أن “مكة والمدينة” والمرجعية الدينية هي الأساس الذي قامت عليه شرعية الحكم، مما يجعل التدمير الشامل والمباشر لهذه القاعدة أمراً غير ممكن دَفعة واحدة، ولذلك، يلجأ النظام إلى تقديم تبريرات مزدوجة للخارج والغرب، تقوم على الادعاء أن هذه التغيرات جاءت بناءً على مطالبات غربية، محملين إياهم جزءاً من المسؤولية، أما للداخل، فيقوم بالترويج لأن تيار التشدد قد ضيق على حياة الناس، وأنه لا بد من إتاحة هامش من الحرية والترفيه لتخفيف التوتر الاجتماعي.

وفيما يتعلق بالمناهج التعليمية، يسعى النظام السعودي إلى تعديلها وتفريغها دون الدخول في مواجهة علنية ومباشرة مع المؤسسة الدينية التقليدية، بل عبر محاولة استيعابها وتدجينها مؤقتاً، على الرغم من أن هذه المؤسسة هي التي وضعت المناهج الأولى، وبذلك تُعتبر التحركات الراهنة استكمالاً لمخطط مدروس لتفكيك الرمزية الدينية وتغيير معالم المنطقة الثقافية والسياسية.

 

وفي السياق ذاته، تأتي شهادة الأكاديمي والداعية السعودي الدكتور سعيد الغامدي، الذي كان سابقاً ممن يؤيدون النظام السعودي ويرون فيه “ولاة أمر” شرعيين، لا سيما أنه درس وتخرج في الجامعات السعودية، غير أنه لم يضطر للخروج من السعودية ومواجهة سياسات آل سعود، إلا بعد أن وصل إلى قناعة تامة بأن هذا النظام أضحى في توجهاته وسلوكياته أقرب إلى القوى الغربية واليهودية منه إلى المسلمين، بل وحتى من التيارات والمذاهب السنية التي شكلت الركيزة الأساسية التي قامت عليها شرعية الكيان السعودي منذ نشأته.

ويؤكد الغامدي في شهادته أن نظام آل سعود لم يتخذ من الدين سوى “مطية” وغطاء أيديولوجي لتثبيت أركان سلطته وتكريس سيطرته، مع إحكام استخدام هذا الغطاء لتقديم خدمات استراتيجية لأعداء الأمة والمصالح الغربية والأمريكية على حساب قضايا المسلمين.

 

وفي إطار الحديث عن التحولات الاجتماعية داخل السعودية، يشير الدكتور سعيد الغامدي إلى ملف آخر يعتبره غاية في الخطورة، وهو استهداف تماسك الأسرة المسلمة، حيث يرى الغامدي أن السياسات السعودية الراهنة باتت تشجع على تفكيك الروابط الأسرية وتمرد المرأة على زوجها وقيمها الأخلاقية والدينية.

ويوضح الباحثون أن ما يعايشه المواطن السعودي في الداخل نادراً ما يخرج إلى العلن، نظراً لسياسات القمع الشديدة وحالة التضييق والإرهاب التي يمارسها النظام، وتمنع سرد الواقع كما هو، مما يجعل الشهادات الخارجة من الداخل نادرة وثمينة.

كما ينقل الغامدي وهو أحد أبناء تيار “الصحوة” الذي نشأ ورُعي في السعودية إبان عقود سابقة صورة لما آلت إليه الإجراءات القضائية والاجتماعية الجديدة في السعودية؛ حيث يذكر أنه بات بمقدور المرأة طلب الخلع أو الانفصال بمجرد تعبئة استمارة عبر تطبيق إلكتروني على الهاتف المحمول وإرسالها إلى الجهات القضائية للتصديق عليها بضغطة زر، ودون مراعاة للخطوات الدينية والتربوية أو الصلح الأسري التقليدي.

ويرى الغامدي أن هذا التيسير المطلق تحت شعارات “الحرية والتمكين” بمفاهيمها الغربية، أدى إلى كسر الأعراف والقيم الحسنة التي كانت تصون المجتمع، ليترك المرأة عرضة للاستقطاب من قبل مؤسسات الترفيه وجهات أخرى، مؤكدًا أن فتح المجال بهذه الطريقة وتفكيك البنية الأسرية التقليدية في عهد بن سلمان ليس مجرد إجراء إداري، إنما هو هدف مقصود لإعادة تشكيل المجتمع وتجريده من مرتكزاته الدينية.

 

وفي ظل هذا الواقع، يلاحظ المتابعون ندرة الشواهد والحديث عن الشأن الداخلي والمعاناة الحقيقية للمواطنين في السعودية؛ إذ يقلّ وجود الناشطين أو الدعاة الناطقين بلسان الداخل، نظراً لحالة القمع الشديد وسطوة النفوذ والمال التي يمتد تأثيرها وملاحقاتها لتصل إلى الدول الأوروبية والأمريكية.

ومن هنا تبرز أهمية شهادة الدكتور سعيد بن ناصر الغامدي؛ بوصفه أحد أبرز الأصوات التي تسلط الضوء على جانب من معاناة المواطن السعودي في الداخل، وتكتسب شهادته وزناً خاصاً لكونه أحد العلماء والدعاة الذين نشأوا وتخرجوا في الجامعات السعودية، وعملوا أستاذ أثيراً في جامعة الملك عبد العزيز بجدة.

وهنا نكتشف أن التضييق والملاحقة اللذين طالا الدكتور الغامدي وغيره من علماء ودعاة تيار “الصحوة” الذين يقبع عدد كبير منهم في السجون اليوم، لم يأتيا نتيجة تمرد أو رفض للبيعة، بل بسبب تقديمهم النصح والتنبيه عند ملاحظتهم استخدام النظام السعودي، الدين كغطاء لتبرير السياسات الداخلية والمالية، أو لتغطية التوجهات الخارجية المتماهية مع الأجندات الغربية والأمريكية، والتي جاءت على حساب قضايا الأمة الجوهرية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

 

تتجسد حالة التضييق القائمة في الداخل السعودي من خلال مواقف يومية دالة؛ فعندما تتردد عبارة “سفر وعودة” في الأوساط المحلية، ينصرف الذهن فوراً إلى الشيخين البارزين سفر الحوالي وسلمان العودة؛ وهما من أهم رموز تيار “الصحوة” الذين عرفوا بتوجيه النصح للأسرة الحاكمة، وتقبع أسماؤهم اليوم خلف أغطية السجون؛ فالشيخ سفر الحوالي على الرغم من كبر سنه واعتلال صحته ما زال في السجن برفقة أبنائه، بينما يواجه الشيخ سلمان العودة المصير ذاته.

ويرى الدكتور الغامدي، وجود تناقضاً كبيراً في النظرة الرسمية للنظام السعودي؛ ففي حين يقدم نفسه بن سلمان بوصفه راعياً وحامياً للإسلام، يتعامل في الوقت ذاته بقسوة مع العلماء والدعاة الذين ينتمون إلى المدرسة الفكرية والمؤسسات التي أنشأها ودعمها النظام نفسه عقوداً طويلة، ولم تكن مطالب هؤلاء العلماء سوى النصح وعدم المساس بالقيم الدينية والتخلي عن قضايا الأمة الأساسية.

لذا، يتوقف الدكتور الغامدي عند موقف النظام السعودي من القضية الفلسطينية وعلاقته مع كيان العدو الإسرائيلي، مشيراً إلى أن حالة الرفض الشعبي في السعودية تصطدم بسياسات رسمية تسعى إلى تعديل الخطاب الديني والمناهج، من خلال إعادة صياغة المناهج التعليمية والمنابر الإعلامية لتخفيف أدبيات المواجهة مع العدو الإسرائيلي وتلميع الصورة الذهنية له.

وكذلك، الترويج لما يسمى “الديانة الإبراهيمية” وتبني الأطروحات الفكرية والتطبيعية المتصلة بها، بالإضافة إلى الانفتاح والزيارات، حيث يتم تسهيل دخول شخصيات ووفود يهودية إلى الأراضي المقدسة والمناطق التاريخية، وهو ما يثير غضباً كبيراً لدى الشعوب العربية والاسلامية لهذه التحولات.

 

يسود الناس في الجزيرة العربية شعور عارم بالرفض الساخط إزاء تحولات النظام السعودي، إلا أنه يلف الناس صمت مطبق ناتج عن الخوف وسطوة سياسات “إرهاب الدولة” ورعبها الممنهج الذي يعلنه النظام ويفرض قبضته من خلاله؛ وهو ما يُشكل انتهاكاً صارخاً لمشاعر المسلمين قاطبة داخل السعودية وخارجها.

وفي هذا السياق، نشير إلى واقعة سماح النظام السعودي لشخصية يهودية صهيونية تتحدث العربية بالتجول والتصوير بالصوت والصورة بالقرب من المسجد النبوي الشريف وقبر النبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- ليدلي بتصريحات استفزازية يدعي فيها العودة إلى الأرض بعد ألف وأربع مئة سنة، وصولاً إلى قيامه بغرس نخلة في المكان.

ويُعتبر هذا المشهد الباحثين، دليلاً عملياً على مسار “الهرولة السعودية نحو التطبيع” أو ما يُوصف بـ “الانبطاح السعودي”، بما يعكس قراراً سياسياً متخذاً ومضياً في تنفيذه وإن لم يُعلن رسمياً بعد؛ ويُستدل على ذلك برعاية واستقبال بن سلمان لتلك الشخصيات اليهودية، في خطوة تُقرأ على أنها محاولة لإعادة تثبيت الوجود اليهودي في مدينة الرسول الكريم، ورغم ما تمثله هذه التصرفات من مساس وتدنيس لمدينة رسول الله، إلا أن الصوت الرسمي تجاهها كان غائباً تماماً عن إدانة هذه الإساءات.

وفي المقابل، يلفت المشهد السابق الانتباه إلىمفارقات النفاق السياسي؛ حيث يتقمص بن سلمان الذي تتبنى سياساته مسارات الصهيونية وتستهدف مقدسات الأمة الإسلامية، دور الحريص، ليقوم بتوجيه اتهامات الإساءة واستهداف مكة ومدينة الرسول إلى الشعب اليمني، فيما تُعد تلك الاتهامات نموذجاً ضمن المخطط الصهيوني.

 

في المقطع السابق، يُشار إلى الشخصية اليهودية التي سلط الدكتور سعيد الغامدي الضوء عليها؛ حيث دخل اليهودي إلى الأراضي السعودية حاملاً تأشيرة رسمية صادرة عن نظام آل سعود، وبدعم مباشر ورعاية كاملة منهم.
لقد وصل هذا اليهودي بكل جرأة ووقاحة إلى قلب مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليقوم بغرس نخلة، مطلقَا تصريحات استفزازية وكأنه يوجه رسالة تحدٍ للمسلمين بمقولته: “ها نحن قد عدنا إلى يثرب رغم مرور ألف وأربعمائة سنة”.

وتؤكد هذه الواقعة أن نظام آل سعود، وتحت ستار الشعارات الإسلامية الواهية، ما هو إلا نظام يقترب في تحالفاته وسياساته من الدوائر اليهودية والصهيونية، متجاوزاً بذلك كل الخطوط الحمراء وثوابت الأمة.

 

يتعلق الأمر في المقطع السابق، بالشخصية اليهودية البارزة، “يعقوب إسرائيل هرتسوغ”، وهو رجل أعمال وحاخام يهودي من أصل أمريكي يتنقل بحرية بين السعودية والاحتلال، ويُطلق على نفسه لقب “حاخام السعودية الأكبر”.
ومع انطلاق عملية “طوفان الأقصى”، خلع “هرتسوغ” زيه الديني ليرتدي البدلة العسكرية، متوجهاً نحو السعودية حيث تعمد ممارسة الطقوس والشعائر اليهودية بشكل علني في أماكن ذات رمزية تاريخية حساسة لدى المسلمين واليهود على حد سواء؛ حيث قام بنفخ البوق (الشوفار) علناً في منطقة “خيبر” التاريخية.

وما قد يجهله الكثيرون هو أن “هرتسوغ” يُعد عنصراً رسمياً في جيش العدو الإسرائيلي، وتتمثل مهمته في تقديم الاستشارات الدينية والروحية للجنود الصهاينة، وفور اندلاع العدوان على غزة، سارع “هرتسوغ” للالتحاق بالتجنيد وحث الجنود على القتال، بل وتمادى ليهدد عبر حسابه الشخصي على منصات التواصل الاجتماعي بأن الرد اليهودي على طوفان الأقصى سيجعل ما حدث في مدينتي “هيروشيما وناجازاكي” مجرد نقطة في بحر.

ولهذا، فإن السماح لليهود، وعلى رأسهم شخصيات عسكرية متطرفة مثل “هرتسوغ”، بتدنيس الأراضي العربية والإسلامية ونفخ البوق فيها، لا يمثل فحسب إساءة بالغة لمشاعر المسلمين، إنما يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك حالة التواطؤ والانخراط العملي لنظام آل سعود في مسار التطبيع والانحياز الكامل للدوائر الصهيونية.

 

في المقطع السابق، يؤكد الدكتور سعيد الغامدي أن الانقلاب والتغيرات التي شهدها العهد السلماني قامت على خطوط عريضة، في مقدمتها العمل على اجتثاث الدعوة الإسلامية وفي طليعتها تيار “الصحوة”، وتقليص نفوذ العلوم الشرعية وتدريسها بدعوى وجود “مبالغة” فيها.

ويرى الغامدي أن هذه الخطوات تأتي استجابةً وتطبيقاً لتوصيات ودراسات أعدتها مراكز أبحاث غربية وصهيونية في واشنطن وتل أبيب، قدمت موجهات مكتوبة تمت ترجمتها إلى سياسات عملية داخل المملكة.

ويستدل الدكتور وثائقياً بما صدر عن تلك المراكز الفكرية والبحثية في أمريكا و”إسرائيل” من إشادات وتثمينٍ للتعديلات الجوهرية التي أُدخلت على المناهج التعليمية في مراحل التعليم العام بالمملكة؛ حيث عبّرت تلك الجهات عن رضاها بتحقيق جزء كبير من مطالبها المتمثلة في تعديل الخطاب التعليمي، وحذف النصوص والمواضيع التي تكشف تاريخ العداء الصهيوني للعرب والمسلمين، وتسويق صورة مختلفة لكيان العدو الإسرائيلي.

ويوضح الغامدي أن هدف بن سلمان من الالتزام بهذه التوصيات الصهيونية يكمن في سعيه لتجميل صورته في الخارج، وتعزيز تمكينه السياسي عبر الاستناد إلى نفوذ اللوبيات الصهيونية في الولايات المتحدة وأوروبا، ونيل رضا الحكومات اليمينية المتطرفة في الأراضي المحتلة.

ويرى أن استهداف النظام السعودي للتيارات والدعوات الإسلامية المحافظة، التي كانت تعد تاريخياً الأكثر قرباً منه ودُعِمَت ورُعِيَت من قبل الدولة لعقود، يحمل دلالة قاطعة على كيفية تعامله مع بقية المذاهب والمدارس الإسلامية الأخرى.

فالنظام وفق الباحثين ينطلق من التماهي التام مع الرؤية الأمريكية والصهيونية، وهو ما يفسر طابع سياساته الإقليمية؛ بدءاً من العدوان على اليمن تحت غطاء محاربة “التشيع”، وصولاً إلى التآمر على المقاومة في لبنان والجمهورية الإسلامية في إيران.

لذا، فإن الشهادات والأطروحات السابقة، تؤكد أن التوجه الراهن لنظام آل سعود يُصنَّف كخصومة شاملة للهوية الإسلامية بكافة مدارسها ومذاهبها، طالما أنها تجتمع على الثابت القرآني والتاريخي المحدد لخطورة المشروع الصهيوني بوصفه التهديد الأكبر لأمن الأمة ووجودها، وبذلك، تُقرأ عمليات شطب المناهج وتفكيك المؤسسات التقليدية كترجمة عملية لتوجيهات الأبحاث الغربية والصهيونية الهادفة لتطبيع الوجود الإسرائيلي وتجريد المنطقة من مقومات مقومتها الفكرية والسياسية.

 

من أرض الحرمين الشريفين، يبرز صوت الدكتور سعيد الغامدي كواحد من أبرز العلماء والدعاة الذين رفضوا السكوت على انقلاب وتآُمر النظام السعودي الذي لم يستهدف الجزيرة العربية وحدها، إنما يطال المسلمين قاطبة في مشارق الأرض ومغاربها؛ نظراً لأن الديار المقدسة تهم الأمة الإسلامية بأسرها، وما يُجرى تطبيقُه فيها اليوم من مراق وترفيه ليس سوى نموذج تمهيدي يُراد تعميمه وفرضه كسياسة عامة على سائر بلدان العالم العربي والإسلامي.
ويشير الغامدي إلى أن أبناء الجزيرة العربية يرفضون رفضاً قاطعاً ما يقوم به بن سلمان، وقد باتوا يعون تماماً أبعاد هذا التآمر على الإسلام ومقدساته، غير أن هذا الرفض الشعبي يصطدم بواقع مرير من القمع والإرهاب الممنهج الذي يُديره النظام بالحديد والنار.

ويوضح أن حكم سلمان وابنه يعتمد بشكل أساسي على سياسة الترهيب، ونشر شبكات الجواسيس والعيون؛ لدرجة بات فيها المواطن يعيش حالة غير مسبوقة من الرعب والخوف المستمر، ويشعر بأنه مراقَب طوال الوقت، حتى إن البعض صار يخشى أقرب الناس إليه من أبناء أو أشقاء.

ولذلك فإن كل هذه الإجراءات القمعية وحالة الرعب الشاملة لا تنفصل عن المسار الأوسع للنظام السعودي، والذي يهدف إلى فرض مسار التطبيع وقيم التمرد على الثوابت الإسلامية والمقدسات بالقوة والجبروت.

 

يؤكد الدكتور سعيد الغامدي أن النظام السعودي بات ينفق أموال الدولة التي يجبيها من المواطنين والثروات، على جلب الراقصات، والمغنيات، وعارضات الأزياء، في مشهد تعكسه رعاية رسمية معلنة وصريحة لكافة أشكال المنكرات التي تُرتكب جهاراً نهاراً في السعودية اليوم.
ويرى الغامدي أن هذه المنكرات الكبرى تُمثل انقلاباً حقيقياً على الشريعة، والدين، والعقيدة، والأخلاق، وفي المقابل، يستنكر المفارقة المتمثلة في صمت علماء المؤسسة الدينية الذين كانوا في الماضي لا يتركون معصية تُرتكب في أقصى الأرض إلا استنكروها وأدانوها، بينما يقع الفساد والانحلال اليوم في عقر دارهم وأوساط أبنائهم، دون أن يصدر عنهم موقف أو كلمة واحدة.

ويوضح الغامدي أن “هيئة الترفيه” أُسست لتكون أداة رئيسية لترضيخ المجتمع المسلم بشكل عام والسعودي خاصة، وتمرير منظومة من القيم والأخلاق الغربية والصهيونية بدلًا عن الهوية الإسلامية.

وبالتالي، فإن سياسة آل سعود تستهدف في جوهرها الإسلام وقيم المجتمع الأصيل في الجزيرة العربية، دافعةً باتجاه التغريب الشامل، وضرب منظومة العفة، والطهارة، واستبدالها بالانسلاخ الأخلاقي، ويشمل ذلك تشجيع الشذوذ، والانحلال، والاختلاط، وتحريض المرأة على التمرد على أسرتها، وزوجها، وآداب دينها، بل وحتى على الأعراف القبلية والإنسانية العريقة.

 

يُمثل هذا الصوت الشجاع واحداً من الأصوات القليلة التي آثرت قول الحقيقة رغم النفوذ الواسع لنظام آل سعود وقدرته على ملاحقة الأحرار وإيذائهم حتى في منافيهم ودول لجوئهم، إلا أنه يتضح جلياً أن هناك وعياً متزايداً وجرأة تتسع لدى العديد من أبناء الجزيرة العربية في الخارج، لتفكيك الخطاب الرسمي وكشف التوجهات الفعلية للنظام، في وقت يُرى فيه أنه يوجه طعنات قاسية لجسد الأمة بالتواطؤ والتنسيق مع القوى الغربية والصهيونية.
وفي هذا السياق، استحدث النظام إجراءات تُجيز للفتاة السعودية الخروج والسفر دون حاجة لإذن ولي الأمر فور بلوغها السن القانوني، وقد ترتب على هذه القرارات تفكيك للضوابط الأسرية المحافظة، وفتح الباب أمام حالات استُغلت لإعلان الردة والانحلال الشكلي والأخلاقي.

ويؤكد الباحثون أن هذه القرارات تضرب الهيكلية الإسلامية للأسرة، القائمة على التربية، والاحترام، والتناصح، والترابط الأسري؛ حيث ألغت السلطة السعودية التحريات والضوابط التقليدية حتى في الإقامة السكنية والمرافق العامة دون السؤال عن طبيعة الروابط أو العلاقات.

لذلك، فإن كافة السياسات التي يتخذها بن سلمان لا تُقرأ إلا في سياق تقديم أوراق الاعتماد لأمريكا والعدو الإسرائيلي، وإثبات كونه الحليف والأداة التي تقضي على الصورة “النمطية المحافظة” التي ارتبطت بالإسلام عقوداً طويلة، عبر إطلاق مسار التحلل الاجتماعي تحت شعارات “الحرية والتمكين”.

وفي السياق ذاته، يقف الباحثون والمتابعون عند سلسلة من الفعاليات والعروض التي شهدتها السعودية مؤخراً، والتي استُخدمت فيها تقنيات ضوئية ومجسمات مكعبة ومذهّبة تشبه في هيئتها بناء الكعبة المشرفة، ورافقها رقص وعروض فنية بمظهر يتنافى مع الوقار المعتاد.
ويرى الباحثون في هذه المشاهد دلالة على مساعٍ ممنهجة لـ “نزع القداسة” عن الرموز والمقدسات الإسلامية، وتوطين مشاهد الترفيه الغربي في الوجدان العام، ولم تتوقف هذه المؤشرات عند حدود الفعاليات، بل امتدت لتشمل مشروعات حديثة لبناء دور سينما ومرافق ترفيهية في محيط مكة المكرمة؛ وهو ما يصفه الباحثون بتحول غير مسبوق يسعى بن سلمان لإقحام مظاهر اللهو الاستهلاكي في مكة المكرمة المخصصة للنسك والعبادة.

وأمام هذه الشهادات الصادرة عن أبرز الدعاة والباحثين من أبناء الجزيرة العربية، نطرح سؤالاً محورياً برسم الشارع العربي والإسلامي: لمن تُقدّم هذه الخدمات، وما هي الأهداف الحقيقية التي تحرك هذه السياسات؟

ويرى المتابعون أن فك أسرار هذه التحولات وتفكيك هذه السياسات يتطلب العودة إلى الحقبة الأولى لتأسيس الدولة، وقراءة طبيعة العلاقة التي جمعت أسرة آل سعود بالقوى الاستعمارية الغربية التي أسهمت في زرع كيان العدو الصهيوني بالمنطقة؛ فمن خلال ربط البدايات بالواقع الراهن، تنجلي ألغاز كثيرة حول طبيعة الدور الوظيفي للنظام السعودي، وكيف استُخدم غطاء الدين والانتماء للإسلام على مدى عقود لتمرير أجندات تخدم المشروع الصهيوني والدول الاستعمارية.