بزّي: 100 يوم من التصعيد كشفت هشاشة المنظومة العسكرية والاقتصادية السعودية ووضعت طموح المملكة على المحك
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
28 أكتوبر سبتمبر 2026مـ – 17 جماد الأول 1448هـ
أعادت مئة يوم من التصعيد السعودي فتح أسئلة كبرى حول واقع القوة العسكرية السعودية، وجدوى الاستثمارات الضخمة التي أنفقتها الرياض على منظومتها الدفاعية، وقدرتها على حماية حدودها ومنشآتها الحيوية في ظل استمرار العمليات اليمنية.
وترافقت هذه التطورات مع انتقال المواجهة إلى مسارات متعددة، شملت الميدان داخل اليمن، والحدود الجنوبية للسعودية، واستهداف المطارات والموانئ والمنشآت النفطية، ضمن معادلتي “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”.
وفي هذا السياق، برزت تداعيات المواجهة على صورة السعودية الأمنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية، وعلى علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول الغربية التي سارعت الرياض إلى طلب دعمها، وصولاً إلى الاستعانة بأطراف إقليمية ودولية.
كما امتدت الأسئلة إلى مستقبل الاستقرار السعودي ومشروعاته الاقتصادية الكبرى، في ظل ما أثارته المواجهة من شكوك حول قدرة المنظومة العسكرية على توفير الحماية التي قامت عليها صورة القوة السعودية لعقود.
الخبير والباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية الدكتور وسيم بزّي اعتبر أن الرياض ارتكبت خطأً استراتيجياً عندما تعاملت مع اليمن على أساس إمكانية استنساخ السيناريو السوري، ورأى أن مئة يوم من المواجهة أظهرت انكشافاً عسكرياً وأمنياً غير مسبوق في تاريخ المملكة الحديث، وطرحت تساؤلات بشأن طبيعة الحماية الأمريكية ومستقبل الاستقرار السعودي، مؤكداً في الوقت نفسه أن أي تحرك إقليمي أو تفاهم سياسي لن يستطيع تجاوز المحددات الوطنية اليمنية أو إخضاع صنعاء للمقايضة.
خطأ الحسابات السعودية ومعادلات الردع اليمنية:
وفي مداخلة على قناة المسيرة، رأى بزّي أن الخطأ السعودي القاتل تمثل في قصف مطار صنعاء واستهداف الطائرة الإيرانية، بالتزامن مع الاعتقاد بإمكانية إعادة إنتاج السيناريو السوري وإسقاطه على الواقع اليمني، معتبراً أن الرياض أساءت تقدير طبيعة المواجهة، حتى بالمقارنة مع تقديرات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تحركاته الخارجية.
وأضاف أن هذا المسار لم يكن منفصلاً عن تحشيدات تراكمية ومنهجية عملت عليها السعودية منذ المواجهات مع الأدوات التابعة للإمارات في ديسمبر من العام الماضي، وصولاً إلى إعداد ساعة الصفر وتوقيت انطلاق التصعيد.
وأشار إلى أن تداعيات المئة يوم توزعت على أربعة مسارات مترابطة، في مقدمتها المسار الميداني داخل اليمن، والاشتباك على الأرض، والضغط على الحدود الجنوبية للسعودية وصولاً إلى العمق السعودي، ضمن معادلة “الحصار بالحصار”، التي اختصرها بعبارة: “المطار بالمطار والميناء بالميناء”.
واعتبر بزّي أن الأثر الأخطر للمواجهة لم يقتصر على نتائج الاشتباك العسكري، بل امتد إلى بنية الاستقرار التاريخي للسعودية، مشيراً إلى أن سرعة الإيقاع خلال مئة يوم ارتبطت بمستوى الإعداد الذي قامت به صنعاء، وبالثقة بالنفس وتوظيف الإمكانات وإدارة المعرفة.
وقال إن هذه المواجهة أظهرت حالة انكشاف غير مسبوقة في التاريخ الحديث للسعودية منذ تأسيسها، وترافقت مع لحظة تخلي أمريكي عن المملكة.
وربط هذا التطور بالاتفاق التاريخي الذي قام على لقاء الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز عام 1945، والذي لخّصه بمعادلة الحماية الأمريكية مقابل النفط والطاقة والمال، معتبراً أن ما يجري يثير تساؤلات حول استمرار هذه المعادلة وقدرتها على حماية السعودية في الظروف الراهنة.
وأضاف أن تداعيات المواجهة تجاوزت الجانب العسكري إلى مستقبل الاستقرار السعودي ومشروعاته الاقتصادية، مشيراً إلى أن مشروع نيوم بات عند مفترق طرق، وأن الصحافة الغربية والأمريكية بدأت تطرح تساؤلات حول قدرة محمد بن سلمان على مواصلة حكم المملكة خلال المرحلة المقبلة.
غياب القدرة على حماية الحدود والاستعانة بالقوى الخارجية:
وفي تقييمه للمنظومة الأمنية السعودية، قال بزّي إن الاستثمارات الضخمة التي أنفقتها المملكة على مدى أربعين أو خمسين عاماً لبناء صورة القوة العسكرية انكشفت خلال المواجهة، معتبراً أن حجم الإنفاق، الذي وصفه بالتريليوني، لم ينعكس على قدرة واضحة في حماية الحدود.
ولفت إلى أن السعودية، التي تتجاوز مساحتها مليوني كيلومتر مربع ويزيد عدد سكانها على 32 مليون نسمة، لم تتمكن من إظهار جيش قادر على أداء المهمة الأساسية المتمثلة في حماية الحدود، كما شكك في وجود إرادة قتال وثبات ميداني لدى القوات السعودية بمختلف تشكيلاتها، بما فيها الحرس الوطني والقوات التابعة لوزارة الداخلية.
ورأى أن المنظومة التي استثمرت فيها الرياض طويلاً بدت وكأنها تبخرت خلال لحظة واحدة، مستدلاً بالتحركات السعودية لطلب المساندة الخارجية.
ونوّه إلى الاستعانة باليونان ومنظومات باتريوت، وإلى التحركات الفرنسية والبريطانية، فضلاً عن التوجه إلى تركيا وباكستان ومصر وسوريا، متسائلاً عن جدوى جمع هذه الأطراف إذا كان المطلوب منها الدفاع عن السعودية نفسها، لا المشاركة في عمليات ضد أنصار الله داخل اليمن.
وقال إن انتقال الرياض إلى طلب الدعم من هذه الأطراف كشف غياب القدرة الكافية على الأرض، وطرح سؤالاً حول ما إذا كانت هذه الدول ستقاتل إلى جانب السعودية أم ستُطلب منها خوض القتال نيابة عنها.
لقاء طهران وحدود الوساطة الإقليمية:
وفي سياق متصل، تناول بزّي اللقاء الذي جمع أطرافاً في طهران، داعياً إلى عدم التسرع في إصدار أحكام نهائية بشأنه، لأن أبعاده وظروفه تحتاج إلى وقت لفهم موقعه ضمن المشهد الإقليمي الأوسع.
وبيّن أن اللقاء يمثل بداية لمسار يحتاج إلى اختبار جديته، محذراً من التعويل الاستراتيجي المبالغ فيه عليه قبل اتضاح مواقفه ونتائجه، ولا سيما موقف الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي منه.
وأشار إلى أن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير سعى إلى جلب السعوديين إلى طهران، معتبراً أن طبيعة الموقف الإيراني وإمكاناته وظروفه تظل عناصر أساسية في تقييم هذا المسار، وأن من الضروري منح التحرك فرصة لاختبار مدى جديته في إطار الأمن الإقليمي. لكنه شدد على أن أي لقاء أو وساطة لن يكون قادراً على فرض شروط على اليمنيين أو صنعاء خارج المحددات الوطنية والتاريخية التي تحكم موقفهم.
وفي ختام مداخلته، جدّد الباحث والخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية الدكتور وسيم بزّي، التأكيد على أن المواجهة بين صنعاء والرياض لا يمكن أن تتحول إلى مسألة خاضعة للمقايضة، أو أن تسمح لأي طرف بتجاوز تلك المحددات، مشدداً على أن الإيرانيين أنفسهم يدركون هذه الحقيقة ويتبنونها.
