حين تُدار العواصم بالخيوط… وتُباع المواقف بالمصالح!

8

ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
26 أكتوبر 2026مـ – 15 جماد الاول 1448هـ

بقلم// آلاء غالب الحمزي

ليس أخطر ما تواجهه الأمة أن يكون لها أعداء، بل أن يصبح بعض أصحاب القرار فيها شركاء في صناعة هزيمتها!
فاللوبي الصهيوني في واشنطن لا يحتاج إلى تحريك العالم كله بيده؛ يكفيه أن تتقاطع مصالحه مع حكوماتٍ تقدّم رضا البيت الأبيض على كرامة شعوبها، وتخشى غضب الحليف أكثر مما تخشى غضب الجبار المتكبر، وأكثر مما تخشى أن يسجّل التاريخ مواقفها في صفحات الخذلان.

وهنا تبدو المفارقة المؤلمة: أنظمة تمتلك المليارات والجيوش والنفوذ، لكنها تعجز عن توحيد موقف عربي فاعل يحمي فلسطين، بينما يخرج الشعب اليمني، المثقل بالحرب والحصار والأزمات، ليعلن انحيازه لفلسطين، ويترجم موقفه عبر المسيرات الشعبية والمواقف السياسية والتحركات العسكرية والاقتصادية والإعلامية، تعبيرًا عن إيمانه بأن قضية فلسطين ليست قضية شعب وحده، بل قضية أمة بأكملها.

فالشعب اليمني، الذي ذاق مرارة الحرب والقصف والدمار، لم يجعل جراحه مبررًا للتخلي عن فلسطين، بل جعل من معاناته دافعًا للوقوف إلى جانب شعبٍ يواجه العدوان والحصار.

قال تعالى:
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113]
فأيُّ سيادةٍ هذه التي تتغنّى بها الحكومات، إذا كانت حساباتها ترتبك أمام الضغوط الأمريكية؟ وأيُّ كرامةٍ تُرفع شعاراتها، بينما تظل فلسطين تنتظر مواقف تتجاوز حدود البيانات والإدانات؟
إلى الحكومتين السعودية والمصرية: إن التاريخ لا يقيس مكانة الدول بما تملكه من ثروات، ولا يزن هيبتها بعدد جنودها وأسلحتها، بل يقيسها بما تمتلكه من إرادة حين تُختبر مواقفها، وبما تقدمه من أفعال حين يحتاج المظلوم إلى النصرة.

فالقوة التي لا تحمي الحقوق، والثروة التي لا تصنع استقلال القرار، والنفوذ الذي لا يُستخدم لوقف الظلم، كلها أرقام لا تكفي لصناعة مجدٍ حقيقي.

أما اللوبي الصهيوني، فإن نفوذه السياسي داخل واشنطن لا يُواجَه بالتذمر وحده، بل بموقف عربي مستقل، وتوظيفٍ حقيقي للأوراق الاقتصادية والدبلوماسية، وضغطٍ سياسي يجعل حقوق الفلسطينيين فوق حسابات المصالح الضيقة.

فالمشكلة ليست في قوة الآخرين وحدها، بل أيضًا في عجز بعض الحكومات العربية عن تحويل إمكاناتها الهائلة إلى قوة سياسية مشتركة، وفي ارتهان قراراتها لحسابات التحالفات بدلًا من مصالح شعوبها وقضايا أمتها.

وفي المقابل، يبرز الشعب اليمني بمسيراته الحاشدة ومواقفه المعلنة وتحركاته دعمًا لغزة، مؤكدًا أن الفقر والحصار والحرب لم تنتزع منه إحساسه بمسؤوليته تجاه فلسطين. وقد أثارت بعض التحركات جدلًا بشأن جدواها وكلفتها ومخاطرها، لكن ذلك لا يغيّر حقيقة أن فلسطين حاضرة بقوة في وجدان قطاعات واسعة من اليمنيين.

ومهما اختلفت التقييمات، يبقى السؤال قائمًا: لماذا يستطيع الشعب اليمني، رغم ما يعانيه من أزمات، أن يعلن موقفه من فلسطين، بينما تتعثر حكومات عربية تمتلك من المال والنفوذ ما يكفي لممارسة ضغط سياسي مؤثر؟
ولماذا يُطلب من الشعوب أن تتحمل الأزمات وتلتزم الصمت، بينما تمتلك الحكومات أوراقًا سياسية واقتصادية تستطيع استخدامها للتأثير في موازين القوى؟
قال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]
إن العروبة ليست جواز مرور إلى قلوب الشعوب، والإسلام ليس شعارًا يُرفع عند الحاجة؛ بل مسؤولية تُختبر حين تتعارض المبادئ مع المصالح، وحين تصبح نصرة المظلوم مكلفة، ويصبح الصمت أكثر راحةً لأصحاب القرار.

فلا تبيعونا السيادة في الخطب، ثم تختبئوا خلف حسابات المصالح! ولا تحدثونا عن قوة الدول، ثم تجعلوا استقلال القرار سؤالًا مؤجلًا!
ولا تجعلوا من الخوف على استقرار العروش مبررًا لتجاهل حقوق الشعوب؛ فالدولة التي تستمد قوتها من رضا الخارج، وتُهمل إرادة الداخل، قد تملك كل أسباب القوة المادية، لكنها تظل عاجزة عن امتلاك الثقة الحقيقية لشعبها.

والشعوب المصرية والسعودية واليمنية أكبر من خلافات الحكومات، وأسمى من أن تتحول إلى وقودٍ لصراعات تخدم مصالح الآخرين. فلا يجوز أن يُختزل الشعب في قرار حكومته، ولا أن تُحمَّل الشعوب أوزار سياسات لم تصنعها.

أما من يساوم على الحقوق، أو يشارك في الظلم، أو يجعل مصالحه فوق كرامة الناس، فليعلم أن المناصب تزول، والتحالفات تتبدل، والأموال تنفد، لكن آثار المواقف تبقى في ذاكرة الشعوب.

والشعوب ليست قاصرةً عن تقرير مصيرها، ولا حقوقها منحةً أبديةً بيد الحكام؛ فإذا أُغلقت أبواب الإنصاف، وصودرت الإرادة، وتحولت السلطة إلى حصنٍ يحتمي به الظلم، فإن للشعوب حقًّا أصيلًا في الثورة على الظلم، وانتزاع حقوقها، ومحاسبة من صادر إرادتها.

فالثورات لا تولد من فراغ، بل تتراكم أسبابها حين يطول الظلم، وتُغلق أبواب العدالة، ويُعامل الناس وكأنهم خُلقوا لخدمة السلطة، لا كأن السلطة وُجدت لخدمتهم.

لا شعب يبقى أسير الخوف إلى الأبد، ولا عرش يستطيع أن يتجاهل إرادة الناس إلى ما لا نهاية. فالشعوب التي تصبر ليست بالضرورة راضية، والتي تصمت ليست بالضرورة عاجزة؛ فقد يأتي يوم تتحول فيه سنوات القهر إلى لحظة تغيير، ويتحول الغضب المتراكم إلى إرادة تفرض واقعًا جديدًا.

فالتاريخ لا يسأل كم مليارًا امتلكتم، بل يسأل: ماذا فعلتم حين كانت فلسطين تنزف؟ وماذا فعلتم حين كان اليمن يُقصف ويُدمَّر؟ وماذا فعلتم حين كانت شعوب لبنان وغيرها تواجه العدوان والمعاناة؟
ومن وقف مع المظلوم حين أصبحت المبادئ عبئًا على أصحاب المصالح؟
هناك من يملك مفاتيح الخزائن، وهناك من يملك شجاعة الموقف؛ وليس بالضرورة أن يجتمعا في يدٍ واحدة.

وفي النهاية، قد تمتلك الحكومات المال والسلاح والنفوذ، لكنها لا تستطيع أن تصادر وعي الشعوب إلى الأبد؛ فحين تدرك الشعوب قوتها، وتقرر ألّا تقبل بالظلم، تصبح إرادتها أكبر من كل حسابات المتسلطين.

فالحقوق لا تسقط بالتقادم، والكرامة لا تُشترى بالمليارات، والشعوب التي تصنع التاريخ لا تنتظر إلى الأبد مَن يمنحها حقها؛ بل تنهض لتنتزعه، وتُسقط شرعية الظلم، وتفتح بيدها أبواب المستقبل.