إلغاء الفعاليات والمؤتمرات الدولية يُكرّس الهزيمة الاستراتيجية للرياض

4

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
20 أكتوبر 2026مـ – 9 جماد الاول 1448هـ

تقرير || وديع العبسي

تتواتر الشواهد الاستراتيجية العاتية وتتزاحم الوقائع الميدانية والعسكرية والسياسية، لتكتب بمداد الجسارة الفصل الأخير والختامي من حكاية الاستعلاء السعودي العبثي، وتهاوت أدبيات الوعيد والترهيب التي طالما اتخذتها السلطات في الرياض معبراً لفرض وصايتها وسلب القرار اليمني الحر، وإرغام هذا الشعب العظيم على القبول بهيمنتها والرضوخ المطلق لإرادتها.

ليست هذه الانكسارات المتلاحقة تحليلات افتراضية تذروها الرياح عند التأمل في واقع الحال السعودي، وإنما حقائق صارخة وملموسة تتراكم يوماً بعد يوم في مشهد يفقأ عيون المكابرين، وتكشف للمجتمعين الدولي والإقليمي عمق المأزق الشامل والورطة التاريخية التي وجدت الرياض نفسها غارقة فيها، متجردة من كافة أدوات الهيمنة والنفوذ والتأثير النمطي الذي طالما تباهت بها وعزفت عليها على مدى عقود طويلة من الاستقواء المالي والسياسي.

أضخم منظومات دفاع لا توفر حماية
بدأت ملامح هذا الفشل الكارثي تأخذ الصيغة المُحرجة والمخزية للسعودية منذ اللحظات الأولى التي تحوَّل فيها هذا الصراع إلى مواجهة ميدانية مباشرة على المسارات والممرات الحيوية للبلاد؛ وتحديداً عندما أعلنت القوات المسلحة اليمنية عن فرض معادلة الحصار الشامل والمحكم على حركة السفن والناقلات السعودية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. لم يكن الإعلان اليمني الصريح مجرد بيان حماسي للاستهلاك الإعلامي، وإنما استحال سريعاً وبقوة الإرادة والسلاح إلى واقع عملي عصف بالحسابات البحرية للسعودية وحلفائها. وفي المقابل وقفت الرياض بكل قدراتها العسكرية العتيدة، وبكل ما تتمتع به من نفوذ سياسي ودولي، عاجزةً كلياً عن فك هذا الخناق البحري أو حماية مساراتها المائية والشرايين الاقتصادية الحيوية.

هذا الأمر أحدث صدمة مدوية وواسعة النطاق لدى كبرى الشركات البحرية؛ فبدأت هذه الشركات العالمية تُقاطع الوصول إلى الموانئ السعودية تجنباً للمخاطر وتفادياً لاستهداف سفنها وطواقمها، بعد أن أدركت تمام الإدراك أن الدفاعات السعودية والتحالفات الإقليمية والقواعد القائمة باتت أعجز من أن توفر أيسر وأبسط معايير الحماية والاستقرار للملاحة السعودية. ولم تقف التداعيات الميدانية عند حدود الضغط المائي والتضييق البحري فحسب، وإنما امتدت بسطوتها لتشمل فرض حصار جوي أربك المجال الجوي السعودي، وشلّ قدرة البلاد على الحركة والتأمين، ومثّل عجزاً ميدانياً فاضحاً لم تستطع حيالها فعل أي شيء لتعديل أو زحزحة هذا الواقع الجديد الذي فرض نفسه بقوة الميدان وبسالة المواجهة المباشرة.

هذا العجز الميداني المزدوج ولَّد حالة عارمة من السخرية والتهكم اللذين طغيا على تناولات وسائل الإعلام الدولية وشبكات التلفزة العالمية؛ حين ركزت المتابعات الصحفية والتحليلات العسكرية العالمية على إبراز الفجوة الفاضحة والمفارقة الحادة بين العجز الفعلي الذي يعتري المؤسسة العسكرية السعودية في الميدان وبين ما تمتلكه وتخزنه من قدرات تسليحية هائلة؛ إذ تُعد السعودية من أكبر مستوردي السلاح في العالم، وتستحوذ على أضخم منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، وأحدث شبكات الرادار والإنذار المبكر التي تنتجها كبريات شركات السلاح الأمريكية والأوروبية، غير أن هذا العتاد الكثيف والمهول أثبت عجزاً مطبقاً وعدم قدرة على توفير الحماية الكافية أو الصمود أمام الضربات اليمنية المتلاحقة والمحكمة.

وأمام هذا المأزق الميداني والانكشاف الدفاعي الذريع سارعت السلطات السعودية -وفي وقت قصير جداً- إلى الهرولة نحو إبرام عدة تحالفات والاستعانة بالخارج طلباً للإنقاذ، لعلها تجد شبكة أمان تقيها تبعات المواجهة المباشرة مع بواسل اليمن وتغطي على هذا الهوان المشهود.

من واحة “الرؤية” إلى أرض المخاطر
على أن هناك واحداً من أهم الشواهد الاستراتيجية التي تعمق الحجم الحقيقي للانتكاسة الهيكلية التي صارت عليها السعودية لدى العالم، وهو الإلغاء والتأجيل المتلاحق لعشرات المؤتمرات والفعاليات المحلية والدولية التي كان مقرراً أن تستضيفها ضمن أجندتها السنوية البراقة. وتتجلى دلالات هذا التراجع للواقع البرّاق، الذي طمحت إليه الرياض لتكون محورا دوليا، في كونه يعد اعترافاً أمنياً صريحاً بانهيار صورة الدولة السعودية كوجهة آمنة ومستقرة، وتحوُّلها في نظر القادة والمستثمرين والمنظمات الدولية إلى منطقة غير آمنة ومحفوفة بالمخاطر التشغيلية واللوجستية التي تقوض استضافة أي نشاط دولي أو محفل عالمي.

والمتعارف عليه دولياً ورائج في الأروقة الاقتصادية أن الرياض استثمرت مبالغ طائلة وهائلة جداً لعقد مؤتمرات ضخمة واستقطاب النخب الاقتصادية والرياضية والفنية لعولمة عاصمتها وإبرازها كواحة أمان واستقرار في الشرق الأوسط، غير أن تساقط هذه الفعاليات والمهرجانات واحدة تلو الأخرى كشف عن فقدان الثقة الكامل بقدرة النظام على حماية الزوار والمجموعات المشاركة، وهو ما قوض نهائياً صورة المملكة كوجهة صالحة للأعمال أو السياحة أو تنظيم البطولات الشاملة. وقراءة التفاصيل لهذا التداعي الكبير تفصح عن حجم الشلل الذي أصاب مختلف المفاصل الحيوية للتنمية والدعاية السعودية؛ إذ شملت قوائم التجميد والإلغاء أحداثاً ذات وزن سياسي واقتصادي ورياضي وثقافي وترفيهي، منها إلغاء القمة الخليجية الأوروبية الدبلوماسية، وتأجيل نهائيات بطولة فيفا للرياضات الإلكترونية المجدولة من السادس عشر إلى الخامس والعشرين من أكتوبر الجاري، وبطولة الملوك الستة العالمية للتنس أواخر نفس أكتوبر، ومنتدى مسك العالمي لرواد الأعمال يومي الحادي عشر والثاني عشر من نوفمبر القادم، ومهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي في جدة من الثالث إلى الثاني عشر من ديسمبر القادم، ومهرجان ساوند ستورم الموسيقي في نفس الشهر، وبطولة السعودية الدولية للغولف من الثامن عشر إلى الحادي والعشرين من نوفمبر القادم، ونهائيات رابطة محترفات التنس العالمية في نفس الشهر، وصولاً إلى التعثر والانهيار الذي أصاب مؤتمر “دافوس الصحراء” أو ما يُعرف بـ”مبادرة مستقبل الاستثمار”.

ولم تقتصر تداعيات الضربات اليمنية على هذه الأحداث والفعاليات العالمية فحسب، وإنما امتدت لتطال المنافسات المحلية الداخلية بشكل أربك الحياة العامة؛ حيث تضطر الرياض يومياً إلى إلغاء وتأجيل العديد من مباريات الدوري السعودي الممتاز لكرة القدم، إلى جانب إلغاء عشرات المؤتمرات والفعاليات السياسية والأكاديمية الأخرى التي أصبحت إقامتها مجازفة أمنية غير محسوبة المخاطر.

صدى الانكسار في الأروقة الدولية
وقد انعكس هذا الانكسار بوضوح وجلاء في المواقف والتناولات الإعلامية الدولية والدراسات الاستراتيجية؛ إذ تؤكد وكالة “رويترز” أن السعودية تقف اليوم أمام صدمة جديدة نتيجة الضربات اليمنية المستمرة والمركزة، موضحة أن إلغاء أو تأجيل عشرات المؤتمرات والفعاليات المحلية والدولية المجدولة التي كان مقرراً أن تستضيفها يُشكّل ضربة قاضية لمساعيها لعولمة عاصمتها عبر استضافة الأحداث العالمية. وكشفت رويترز عن إعلان الاتحاد الأوروبي رسمياً إلغاء قمته مع مجلس التعاون الخليجي التي كان من المقرر عقدها في الرابع والعشرين من أكتوبر بسبب تدهور الأوضاع الأمنية في السعودية، مشيرة إلى أن أحد أهداف الاتحاد الأوروبي من عقد هذه القمة كان إظهار التضامن الدبلوماسي مع دول الخليج والسعودية، فإذا بالواقع الميداني يفرض الإلغاء القسري ويصفع هذه التطلعات.

ومن جانبها، أوضحت صحيفة “نيويورك تايمز” أن تصاعد الهجمات اليمنية يربك الفعاليات الرياضية والاقتصادية والدبلوماسية في السعودية، ويهدد مساعي تحويلها إلى مركز عالمي للأعمال والسياحة، وسط مخاوف متزايدة من تراجع الثقة بقدرتها على ضمان الأمن، مبينة أن إلغاء وتأجيل فعاليات كبرى (بينها بطولة للدراجات وبطولة للغولف وقمة دبلوماسية مع أوروبا) يعد انعكاساً مباشراً لتصاعد المخاطر الأمنية وتداعي طموحات رؤية “2030” التي تشكل استضافة الفعاليات ركيزة أساسية لها.

تراجع صريح في الثقة الأمنية
وفي إطار هذا التناول الإعلامي الدولي والدراسات الاستراتيجية الشاملة لهذا الملف، أفاد موقع “ميدل إيست آي” بأن توالي إلغاء المنتديات والمؤتمرات الدولية أفقَد الرياض قيمتها التسويقية البراقة التي حاولت بناءها من خلال ضخ المليارات والدعاية المكثفة، مؤكداً أن بيئة الأعمال باتت تنظر إلى العمق السعودي كمنطقة عالية المخاطر يجعل من الصعب على رؤوس الأموال الأجنبية والشركات الكبرى المخاطرة بالبقاء في بيئة يتعرض عمقها لضربات صاروخية متكررة ودقيقة.

وأوضحت وكالة “فرانس برس” أن تراجع الوفود والشخصيات الدولية عن المشاركة في الأحداث المجدولة يعكس حجم الشلل اللوجستي والأمني الذي فرضته التطورات الأخيرة على القطاعات الترفيهية والسياحية، وهو ما أيدته وقوّته شبكة “بلومبرغ” بتأكيدها أن تعثر انعقاد المؤتمرات الكبرى وإلغاء المبادرات الاستثمارية وجه ضربة مباشرة لقطاعات الخدمات والفندقة والطيران غير النفطية، ما يعطل مجريات وتطلعات تنويع مصادر الدخل.

وفيما أشارت صحيفة “واشنطن بوست” إلى أن العجز عن تأمين الفعاليات المجدولة يسلط الضوء على الفجوة الكبيرة بين حجم الإنفاق الهائل على المنظومات الدفاعية وبين الحماية الفعلية للمنشآت الحيوية والمرافق المدنية، أكد موقع “بوليتيكو” أن إلغاء القمم والاجتماعات السياسية بين الأطراف الغربية والخليجية يمثل تراجعاً صريحاً في الثقة الأمنية والدبلوماسية ببرامج الاستضافة التي تقودها الرياض.

ولفتت منصة “إنتليجنس أونلاين” الفرنسية المتخصصة في الشؤون الاستخباراتية إلى أن التقارير الأمنية نصحت العديد من المؤسسات الدولية بإعادة تقييم مخاطر السفر والمشاركة في التجمعات الكبرى داخل المدن السعودية، بينما بيّنت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية أن اضطراب جدول المؤتمرات الاقتصادية يعمق الضغوط على التمويل الاستثماري، ويضعف قدرة الرياض على عقد صفقات دولية جديدة.

وفي السياق ذاته، أكدت صحيفة “الغارديان” البريطانية أن الإخفاق في الردع وتأمين الفعاليات أظهر للعلن عدم قدرة الرياض على حماية التزاماتها الدولية، ما يكرس انطباعاً دولياً بكونها أرضاً غير آمنة للاستثمار أو الترفيه، وهو ما أشار إليه موقع “أكسيوس” الأمريكي بأن الضغوط الأمنية المتزايدة أجبرت الدوائر التنظيمية على مراجعة دقيقة لخطط الاستضافة، واختتمت صحيفة “وول ستريت جورنال” المشهد ببيان أن المخاوف الأمنية المباشرة باتت تلقي بظلالها على قرارات الشركات الكبرى وحركتها داخل المنطقة، ما يعيد رسم خارطة الثقة الاقتصادية في الشرق الأوسط برمته.

سقوط الرهانات وتكرس الانكشاف
هذه الشواهد الميدانية والاعترافات الصادرة عن كبرى الوسائل الإعلامية والمراكز البحثية الدولية تؤكد أن السياسات والسلوكيات السعودية قد وصلت بها إلى طريق مسدود غير قابل للاستمرار أو الترقيع. فبعد أن حاولت الرياض استخدام لغة التهديد والوعيد والتصعيد العسكري لفرض وصايتها وإخضاع الإرادة اليمنية الصلبة، وجد النظام السعودي نفسه اليوم في موقع العاجز عن حماية مقومات وجوده الأساسية وشرايين حياته؛ فلا هو قادر على فك الحصار المائي والجوّي المحكم على ممراته ومطاراته، ولا هو باستطاعته تجنيب منظوماته العسكرية السخريةَ والتهكمَ الدولي تجاه فاعليتها وتماسكها رغم المليارات المستنزفة في صفقات التسليح.

ولعل في إلغاء وتأجيل هذا الكم الهائل من المؤتمرات والقمم والفعاليات الرياضية والثقافية والاقتصادية ما يمثل الإقرار بهذا الانهزام والتخبط، حيث تحولت السعودية -في نظر المجتمع الدولي والشركات العابرة للقارات- من مركز استقطاب واعد لـ “رؤية 2030” إلى أرض محفوفة بالمخاطر؛ لتتكرس بذلك حقيقة أن الاستعلاء السياسي والرهان العسكري الفاشل أسهما في تجريدها من صورتها الذهنية، وأعاد رسم واقعها لدى العالم كمنطقة اضطراب غير مستقرة في مواجهة إرادة شعب حر لا يقبل الخضوع.