على طاولة الغداء.. جريمة إبادة سعودية لأسرة علي القحم بصعدة
ذمــار نـيـوز || أخبــار محلية ||
18 أكتوبر 2026مـ – 7 جماد الاول 1448هـ
في تمام الساعة 12:25 دقيقة ظهر الأحد 18 أكتوبر 2026م كانت أسرة المواطن علي القحم في مديرية سحار بمحافظة صعدة شمالي اليمن، تتجهز للاجتماع على سفرة وجبة الغداء التي لم تكتمل بعد أن أزهق العدو أرواح 10 شُهداء بينهم 5 أطفال و3 نساء، وإصابة 23 آخرين جلَّهم من النساء والأطفال، إثر غارة العدو السعودي الوحشية.
كانت أسرة المواطن علي القحم تعيش حياتها اليومية في منزلها المتواضع كغيرها من الأسر اليمنية؛ يضطلع كل فرد فيها بدوره اليومي، فالأم تهتم بشؤون بيتها وتربية أبنائها وإعداد الطعام وتنظيف الملابس وتحضير حقائب المدرسة للطلاب والطالبات، فيما ينشغل الأب بمزرعته وتوفير احتياجات أسرته من المأكل والمشرب والملبس والدواء.
عاد الأطفال الطلبة من المدرسة قبل وصول الغارة، ورجعت الأم من مشاركة زوجها العمل في المزرعة المجاورة للمنزل لتحضير وجبة الغداء مع بقية النساء، وكان الأب على مقربة من المنزل عائداً من أداء صلاة الظهر، فيما كان كبار السن العجزة يدحرجون حبات المسابح على سجادات الذكر والصلاة.
وفي هذه الأجواء الهادئة، باشرهم الطيار السعودي بضربته الوحشية على المنزل دون سابق إنذار، امتداداً لسلوكه المعتاد في استهداف المدنيين وتكرار مشاهد الإبادة والقتل الجماعي وسفك الدماء.
وهكذا، وفي لحظة، انقلبت عقارب الساعة من انتظار لقمة العيش والتخفيف من حدة الجوع بعد يوم حافل بالأعمال، إلى قيامة مصغرة استهدف طيران العدو السعودي سقف المنزل؛ فتحول إلى كومة من الدمار المتطاير في الهواء، وتحته أشلاء بلا حياة وأجساد لأطفال ونساء يصرخون وتزهق أرواحهم بغتة، حينها كان هنالك طلاب في مقتبل العمر يصعدون درج المنزل عائدين من المدرسة مرتدين حقائبهم؛ هذا بيده دفتر الواجبات الجديد، وآخر بيده مقشطة وقلم، وذاك يتفقد صفحات كتاب القرآن يردد إحدى السور التي قرأها اليوم، وآخر يحل خيط حذائه ليخلعه قبل دخول المجلس؛ فأطبق عليهم العدو سقف منزلهم وجدرانه ليدفن أجسادهم حية دون أي ذنب، في أوحش صورة للإبادة.
فجّرت الغارات فزع الأهالي، فلم يدخروا جهداً في المسارعة صوب منزل جارهم محاولين إنقاذ ما يمكن إنقاذه، عبر رفع أكبر كمية من الركام في أقصر وقت؛ علّهم يصلون إلى أرواح الأطفال والنساء قبل أن تفاض، فينتشلون طفلاً بريئاً، وأماً تحتضن أطفالاً بلا أرواح، وأشلاءً تمزقت عن أجسادها.
من تحت الأجداث والدمار، ومن بين الغبار والدخان والنيران، كانت أصوات الأطفال والنساء تعلو بالصراخ والاستغاثة، بينما يهب الأهالي لرفع الحجارة والأخشاب والتراب من فوق أجسادهم الممزقة والمضرجة بالدماء.
منهم من فاضت روحه بالإصابة المباشرة بشظايا الصواريخ التي استهدفت منزل المواطن علي القحم بمديرية سحار، ومنهم من بَقِيَ فيه نبض حياة ودماؤه النازفة تختلط بالتراب والحجارة والبارود، وصوته المستغيث يعلو رغم جراحاته الملتهبة.
وهنا، طفلٌ تحت الدمار بالقرب من أقدام المنقذين يرفع صوته منادياً بأسماء أمه وأبيه ومن يحب، دون أن يدرك مصيرهم المشترك، بالتزامن مع صوت أمٍّ مبحوح ومكبوت بالكاد يُسمع من تحت الأنقاض ذاتها، والأهالي يفتشون بالقرب منها ويرفعون الركام للوصول إليها وإغاثتها.
باشر الأهالي استخراج إحدى الأمهات الجريحات وهي تضم إلى ذراعيها أطفالاً أحدهم رضيع، وبجوارها جثة هامدة لطفل آخر بيده قطعة خبز.
جُمِع الجرحى على متن عدد من السيارات ونُقِلوا على عجل إلى مستشفيات مدينة صعدة أملاً في نجاتهم، فيما واصل بقية الأهالي البحث عن المفقودين والناجين من تحت الأنقاض.
في تلك الأثناء، يُسمع أحد المنقذين يصرخ: “باقي طفل هنا يا رجال، ارفعوا الحجار والدمار سريعاً!”، بينما يردد آخر بحرقة: “حسبنا الله ونعم الوكيل.. أطفال يا سلمان المجرم، أطفال يا خائن الحرمين الشريفين، أطفال يا عالم، ما ذنب هؤلاء؟!”.
وتنقل مشاهد البث لحظات لأمٍّ لا تزال بكامل وعيها تصرخ من تحت الأنقاض: “أطفالي أنقذونا.. يا عالم أغيثونا!”، وبالقرب من غرفتها أطفال فاضت أرواحهم وآخرون جرحى؛ كانوا قبل لحظات يقفون على بابها يمسكون بصحون صغيرة تحوي حبات الرز، والعصيد، فهذا يقرب وهذا يناول، وذاك يمد ذراعه اليمن إلى صحن الخبز، وآخر يتوجه نحو علبة الحليب، وأخوه يبادر بصب الماء، فيما أختهم الكبيرة تساعد والدتها في تحضير حرضة السلته، والفتة المعصوبة ،.. لكن الغارة الغادرة حولت غداهم الشهية، ورائحة الطعام، والحلبة، والسمن البلدي، إلى رائحة دم ملئت المنطقة، وأشلاء ممزقة تناثرت مع الأحجار والشظايا، لتطفو فوق بقايا منزل كان قائماً قبل أن يتخذ الطيار السعودي قرار إسقاط حمولة القتل والإبادة.
صحون الأكل ولُعَب الأطفال اختلطت بالدماء وأوراق كتابَي الجغرافيا والتاريخ المبعثرة بين الدمار والغبار والأشلاء؛ فهنا حقيبة بلا طالب، وهنا دفتر لا عبارة فيه غير اسم الطالب وصفه والعام الدراسي ودرسين من المادة، وبسملةٍ في أولى صفحاته.
بقية الطعام اختلطت بالأجساد المقطعة والأحجار المتراكمة والسقوف الخشبية البدائية والتراب، فيما يحشر أهالي القرية مفزوعين وهم يبحثون عن منزل كان يضم أسرة تتألف من أكثر من 30 طفلاً وامرأة ورجلاً كانوا قبل لحظات بجوارهم؛ لكن الطيران أخفى المنزل بمن فيه، ولم يعد يُرى منه سوى أعمدة الغبار والدخان وأكوام الدمار، ولا يُسمَع سوى صرخات واستغاثات خافتة لأمهات وأطفال كانوا يستعدون لتناول وجبة الغداء.
شهادات حية
يصوب العشرات من المسعفين جهودهم للبحث في الجانب الأيمن من أنقاض المنزل، فيما يسمع آخرون صوت طفل في الجهة الأخرى فيبادرون للبحث عنه ورفعه من تحت الدمار، و يتوزع الجميع على زوايا المنزل والغرف المتدمرة لتأدية جهود تفوق طاقتهم؛ هذا يرفع الأخشاب والأعواد وبقايا السقوف، وآخرون يرفعون الأحجار الكبيرة، ومجموعة تخرج الجثث بسرعة لإسعافها في سباق مع الزمن للوصول إلى بقية الأرواح قبل زهوقها تحت الأنقاض وانعدام الأكسجين.
سائق معدة الرفع “الدركتل” يبادر بجرف ركامٍ تم التأكد من خلوه من أصوات الساكنين، وسط جهود حثيثة لعد أفراد الأسرة ومعرفة المتبقين منهم، حيث يبحثون عن رب الأسرة الذي ضُرِب منزله قبل أن يدخله؛ فكان أحد المنقذين الذين يعملون بكل طاقتهم وكأنه خارج الوعي عله يصل إلى فلذات كبده وشريكة حياته وأفراد أسرته، وكأنه يعيش كابوساً لا حقيقة.
يروي أحد الأهالي المشاركين في رفع الأنقاض تفاصيل الجريمة بقوله: “في تمام الساعة 12:25 دقيقة بعد أذان صلاة الظهر، وقت الغداء، كانت أسرة الحاج علي بن علي القحم تجتمع فوق مأدبة الغداء، أغلبهم نساء وأطفال وقليل هم الرجال، وكلهم آمنون.. وإذا بطيران العدو السعودي الغاشم السفاح المجرم يستهدفهم بغارة تركزت على النساء في المطبخ حيث كنّ يتناولن الغداء، فراح العديد من الشهداء والجرحى، ولا يزال الدركتل يبحث عن المفقودين بين الدمار”.
تشارك أهالي قرى الطويلة والشط والحمزات في رفع الأنقاض وقلوبهم يملؤها الحزن والفقد لأسرة جيرتهم علي القحم، الذي تربطهم به علاقات الأخوة والصهارة والنسب، وحول حجم الحشود المشاركة في الإنقاذ، يقول الشاهد: “أبناء هذه القرى هبوا إلى المكان لا يخافون غارات العدو السعودي ولا غيره من الأعادي، ليشاركوا في قضيتهم الإنسانية ويخرجوا الأطفال والنساء من تحت الأنقاض”.
ومن فوق أنقاض المنزل، يوجه أحد الأهالي رسالته قائلًا: “كل هذه الحشود اليوم تشهد على المجرم السعودي أنه يستهدف المدنيين والمنازل الآمنة بشكل مباشر؛ يستهدفون المواطن والمرأة الضعيفة والطفل البريء دون هوادة، وليس للعدو أي قضية في شعبنا غير قتل الأطفال والنساء وسفك الدماء وإهلاك الحرث والنسل، وهذا هو حقد آل سلول”.
مسعف آخر يضيف: “هذا بيت عمي علي، استهدفه طيران العدو السعودي وكانت الأسرة تتجمع على طاولة الطعام؛ صغار وكبار، نساء وأطفال ورجال”.
حاج طاعن في السن من بين المشاركين في رفع الأنقاض يروي: “سلمان المجرم قصف هذه الأسرة وهم يتناولون وجبة الغداء دون أي وجه حق، فأين هي حقوق الإنسان؟ وأين هي حرمة دماء المسلمين؟ ولكن نقول للعدو السعودي: مهما ضربت فلن نستسلم وسنكون في مقدمة الصفوف لمواجهتكم حتى يأذن الله بالنصر، ومن يهرب في الجبهات والميادين يعود اليوم لاستهداف الأطفال والنساء”.
وبحرقة وغضب، يوجه أحد المواطنين رسالته للعالم والمنظمات الإنسانية والحقوقية والمجتمع الدولي: “يستهدفون نساءً وأطفالاً.. ما هو ذنبهم؟ ولماذا الاستهداف لهم؟ يا عالم ما ذنب هؤلاء؟ هل بقي لديكم ذرة من وعي؟ هل بقي لديكم ذرة من إنسانية؟ هل بقي لديكم ذرة من ضمير؟ أين هي العدالة التي يتشدقون بها؟ أين هي حقوق الإنسان في اليمن؟ إن كان فيهم شجاعة للحرب فليلاقوني اليوم في الحدود وفي الخطوط الأمامية”.
لحظات ما قبل الجريمة
قبل المجزرة، لا بد من معرفة من المخطط لارتكابها، ابتداءً من مسؤولي التخطيط ومستشاري وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان الذين رفعوا له بند تكثيف مجازر الإبادة الجماعية للمدنيين لتكون ضمن خارطة الأهداف الجوية لطائراتهم على الخارطة اليمنية، فيوقع عليها هو ومن خلفه محمد بن سلمان، ويعكسونها إلى غرفة القيادة المشتركة للعدوان على اليمن، ويتم اعتمادها ضمن أهداف اليوم الأحد والإبراق بها لغرفة القيادة والسيطرة التي وجهت بها غرفة العمليات المباشرة والجهات التنفيذية في قسم سلاح الجو السعودي.
وقبل أن يصعد الطيار غرفة القيادة، ألقى نظرة على أماكن الأهداف وأسمائها ومن بينها منزل المواطن على القحم، وكأنه بطل سيقود بضربته الغادرة عملية عسكرية على هدف يقرب بن سلمان من إعلان الانتصار؛ فيبدأ يومه بارتكاب جريمة حرب لا يدرك تبعاتها وتداعياتها عليه وعلى حكامه ومن يأمرهم في الدنيا قبل الآخرة.
أقلع الطيار من قاعدته العسكرية مسرعاً لتنفيذ الجريمة، فيما أفراد الأسرة يعودون الواحد تلو الأخر إلى حوش المنزل وغرفه المتعددة، ويقتربون رويداً رويداً من سفرة الغداء، فيما الطائرة تقترب هي الأخرى من أجواء اليمن، وما إن وصل، الجميع فوق السفرة، حتى وصل الطيار فوق أجواء محافظة صعدة، وقبل أول لقمة عيش، دقق في شاشة الطائرة وتلقى المكالمة بأن الهدف المحدد كما هو في الخارطة، ويجب ضبط مكابح إسقاط الحمولة المدمرة، ومغادرة الأجواء سريعاً قبل نهوض الدفاعات الجوية اليمنية.
فهكذا يمعن العدو السعودي في قتل الشعب اليمني وسفك دماء الأبرياء من النساء والأطفال دون أي اعتبار لشرائع السماء ولا لقوانين الأرض.
