العفو الرئاسي.. تجسيد الأعراف اليمانية في إدارة ما بعد النصر

3

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
12 أكتوبر 2026مـ – 1 جماد الاول 1448هـ

​كخيار قيمي، أخلاقي ومبدئي، رئيس المجلس السياسي الأعلى مهدي المشاط يوجّه القائم بأعمال محافظ تعز بتفعيل آلية العفو الرئاسي في المحافظة، على غرار ما جرى في مديريات الساحل الغربي.

​الرئيس المشاط أيضاً يؤكد أن القوات المسلحة ملتزمة بتوفير الأمان لكل من لا يعرقل عملياتها ضد التحشيدات السعودية، مشدداً على أن قرار العفو يشمل “المخدوعين” ممن يتركون مواقع القتال ويلتزمون منازلهم. هذا الموقف الأخلاقي، الذي لا يزال يلقى صداه الإيجابي، كان قد بدأ نهجه الشهر الماضي في الساحل الغربي، والذي على إثره استقبلت محافظتا تعز والحديدة المئات من العائدين.

​يتجاوز هذا التوجه المناورات، وينعكس في السلوك العملي على الميدان، الأمر الذي استحسنه الوسط المجتمعي، مما حفز للإسهام والمشاركة من قبل الوجاهات الاجتماعية ليصير قرار العفو العام فعلاً معبراً عن استشعار المسؤولية تجاه المخدوعين، بمنحهم مسارات آمنة لإلقاء السلاح والعودة الطوعية إلى قراهم ومنازلهم دون خوف من انتقام، متجاوزين لغة المناكفات الإعلامية، وللعمل على إرساء السلم الأهلي كخيار طبيعي ومستدام نابع من قيم المجتمع اليمني.

​العفو الرئاسي يجعل من فكرة العودة السلمية وحقن الدماء خياراً واقعياً ووحيداً للأفراد الذين كانوا منخرطين في معسكرات العدو السعودي؛ إذ لم تعد الحرب بالنسبة لهم سوى محرقة بلا أفق، بينما يمثل العفو العام طوق النجاة الحقيقي الذي يعيدهم إلى صفوف شعبهم وأسرهم بكرامة وأمان.

​من الناحية الفكرية والثقافية يمثّل استناد القرار إلى أدبيات ومفاهيم ذات جذور دينية مستمدة من النصوص والتعاليم الروحية، كالعفو عند المقدرة وإعطاء الأمان وإفساح المجال لعودة المخدوعين أو المتأثرين بالتحشيد، سلاحاً موازياً في المعركة. ​كما يبرز الجانب الإنساني لقرار العفو في كونه يعكس قراءة واعية ومدركة لطبيعة المجتمع اليمني القبلية والاجتماعية؛ وما يحتاجه هذا المجتمع من ألفة وترابط ورص الصفوف لمواجهة التحديات، وتحشيد الطاقات لبناء الوطن، وبدلاً من الذهاب عكس ذلك، نحو ملاحقات انتقامية ومعارك كسر عظم دموية داخل المدن المكتظة بالسكان كمدينة تعز، والتي قد تخلق ثارات تاريخية ممتدة، وتدمر البنية التحتية المتهاوية أصلاً، يتم العودة إلى ما يعكس سماحة الإسلام، وفتح باب العودة الطوعية للمخدوعين كاستراتيجية قادرة على تفكيك حاضنة العدو الداعم والممول، وتكريس المنحى القيمي والأخلاقي الذي تتعامل به القيادة.

​يعزز ذلك، هدف القوات المسلحة المحدد والمعلن، وهو طرد التحشيدات السعودية واستعادة الأرض، وإرساء الاستقرار والسيادة. الأمر الذي يمنح المخدوعين مخرجاً يحفظ كرامتهم وأمنهم الشخصي، ويشجع عائلاتهم على ممارسة ضغوط مجتمعية محلية لسحب أبنائها من محارق الموت وجبهات القتال التي باتت تفتقر للغطاء السياسي أو المالي الموثوق.

​تفويت الفرصة على العدو السعودي
​انطلاقاً من “العفو عند المقدرة” يأتي العفو من عدة اعتبارات؛ فهو تعبير أصيل عن منظومة القيم التي تتكئ عليها القيادة في إدارة شؤون الدولة والشعب، والتي يحث عليها الإسلام الداعي إلى إشاعة أسباب الإخاء، ومن جهة فإنه يؤكد السيطرة على الأرض، والانتصار في معركة التحرير، إذ جاء في الساحل الغربي عقب طرد التحشيدات السعودية، وكذا الأمر اليوم في مناطق من محافظة تعز بعد أن بلغ التحشيد السعودي ذروته لإغراقها في الدم والخراب. وبما يرسخ حقيقة ميدانية جديدة هي أن جغرافية الساحل التي كانت تُراهن عليها السعودية وأمريكا كخط دعم استراتيجي قد حُسمت، وأن مديريات تعز التي حررها الجيش اليمني رسمت واقعاً جغرافياً جديداً يجعل خيار الاستمرار في القتال أشبه بانتحار عسكري.

​تدرك القيادة أن السعودية ما دخلت أرضاً إلا أفسدت فيها، وجعلت أعزة أهلها أذلة. وهي في تعز تمارس نفس السلوك الانتهازي، بالتلويح للشباب بالمال بعد أن أفقرتهم بسياستها طيلة اثني عشر عاماً، ثم دفعتهم إلى محرقة الموت للقتال من أجل أهدافها.

​تعز وشبابها ليسوا استثناء، ولكن موقعها يجعلها محل أطماع، ليس فقط بقصد التحكم فيها، وإنما أيضاً من أجل ضمان انفجار مستدام للنسيج الاجتماعي، بما يحقق للأعداء حالة مستمرة من الصراع بين اليمنيين، وصرفهم عن محاولات الاختراق الخارجية، وصولاً إلى إنهاكهم، ومن ثم السيطرة عليهم وعلى الدولة.

​من أجل ذلك تعي القيادة أن تفويت الفرصة على العدو السعودي لتحقيق أهدافه يقتضي -وباستمرار- استحضار مثل هذه التوجهات الأخلاقية والإنسانية، وقبل ذلك الدينية، خصوصاً وأن شباب المدينة إنما يقعون ضمن دائرة استهداف العدو المهتم بسلخ كل شباب اليمن من هويتهم الوطنية والإيمانية.

​وانطلاقاً من هذه القناعات أحدث العفو العام تأثيره الطبيعي، فأعطى الكثير من المخدوعين الشعور بالأمان، والحافز لاتخاذ قرار ترك السلاح والانخراط في معركة البناء للدولة، بدلاً من حمل معول العدو لهدمها، وإنهاء آمال أي تحولات كي تنعم وأهلها في خير واستقرار.

​ليقرأ العدو الأحداث بعين العقل
​يعمل العفو العام عقب المعارك عموماً كأداة تثبيت وتحصين للمكاسب الميدانية؛ فهو يتيح استيعاب الجغرافيا الجديدة وتأمينها دون الحاجة لاستنزاف الطاقات في خوض معارك التطهير، أو استعداء أبناء تلك المناطق، بل عبر فتح باب “التسليم المنظم”، وتأمين الخطوط الخلفية. ​وإضافة إلى ذلك، فإن صدور العفو من موقع القوة الميدانية يُسقط أدبيات التشكيك؛ فالخوف من “الانتقام” أو “الغدر” الذي يُصاحب -عادةً- انكسار الجبهات يتم كسره عندما يرى المحاصَرون أن الطرف المنتصر هو من يُبادر بوضع قواعد الأمان ويُفعلها عملياً في المديريات المحسومة. هذا الأمر يُحول العفو من مجرد ملجأ للمنهزمين إلى مسار لإنهاء الصراع بأقل الكلف، ويجعل من يرفضه في موقف العازف عن خيار طوق النجاة الوحيد المتاح أمامه.

​وحري بالعدو السعودي أن يقرأ الأحداث بعين العقل، فسقوطه المتوالي هو أمر طبيعي؛ لأن محاولته الاستخفاف بأبناء الأرض وجعلهم هم الوقود، باتت سياسة هزيلة؛ لأن المنتمين لهذه الأمة قد يتمردون على واقع وعلى سياسة، لكنهم لا يتمردون على وطن وتاريخ وحضارة، وسرعان ما يقود هذا الأمر إلى استعادة حقيقة اليمني بتاريخه العظيم.

​”العفو” ينهي تأثير عمليات الشحن
​في تعز تولّد النصر مع التعاون، فكان المواطنون في تعز عوناً مسانداً، أحياناً بالتواصل مع أبنائهم في جهات العدو وإقناعهم بالعودة إلى الوطن، وأحياناً بإسهام مساند لطرد القادمين لتعكير صفو أمان المحافظة، من إشاعة الخوف والجوع وصنوف الأعمال غير المسؤولة والاستقواء بالرياض بصورة فجة. على أن الأهم من هذا وذاك أن قرار العفو الرئاسي وضع حداً لما حاول العدو طويلاً بثه في نفوس المخدوعين من أنه سيكون هناك عنف ونوايا انتقام للقوات المسلحة. والمعروف في المعارك أن الخوف من “الانتقام” أو “الغدر” الذي يُصاحب عادةً انكسار الجبهات يتم كسره عندما يرى المحاصرون أو الخاسرون للمواجهة أن الطرف المنتصر هو من يُبادر بوضع قواعد الأمان، ويُفعّلها عملياً في المديريات المحسومة.

​كما أن العفو يتحوّل من مجرد ملجأ للمنهزمين إلى مسار إحياء للأمل ورؤية الواقع بموضوعية وواقعية بعيداً عن التشنج بفعل عمليات الشحن والتعبئة، ويجعل من يرفضه في موقف العازف عن خيار طوق النجاة الوحيد المتاح أمامه. وبهذا المعنى، فإن قرار العفو لم يمهد للحسم، بل توج الحسم الميداني وقنّن نتائجه، ليتحول من ورقة تكتيكية إلى وثيقة تثبيت أمر واقع، وفرض معادلة جديدة في تعز والساحل الغربي.

​ثنائية الاقتدار والشهامة
​تتجسد فلسفة السيادة المطلقة في قرار العفو الرئاسي حين يتداخل امتلاك القرار الميداني الصلب على الأرض مع العمق الحضاري والقيمي للشخصية اليمنية. فتتجاوز السيادة المفهوم القانوني المجرد، الذي يتحدث عنه الفلاسفة كتعليقٍ للنص أو ممارسةٍ للاستثناء، لتتجلى كفعل إرادةٍ يمانية نابعة من ثنائية “الاقتدار والشهامة”.

​والقدرة على إصدار العفو وفرض مفاعيله من موقع السيطرة والحسم الميداني، كما ظهر في امتداد العمل به من الساحل الغربي إلى تعز، تُمثل البصمة الواضحة لامتلاك القرار النافذ على الأرض. فالسلطة التي تملك زمام المبادرة الميدانية، وتتحكم في جغرافيتها، وتفرض معادلاتها العسكرية، هي وحدها التي تملك “منح الأمان” وتجاوز تبعات الصراع.

​ولهذا لا يُقرأ العفو الصادر من موقع القوة والتمكين كمعادلة مساومة أو ضعف، بل كإعلان صريح بأن الخارطة الميدانية والسياسية قُضِيَ أمرها، وأن الدولة باتت تتصرف من موقع المرجعية العليا التي تُمسك بمفاتيح الحرب والسلم دون إملاءات أو إكراهات خارجية. ​وعلى هذا يتأكد بأن القوة الميدانية وحدها غير كافية، مهما بلغت صلابتها، لصنع سيادة مستقرة إذا لم تُحَط بالشرعية القيمية والأخلاقية. وهو ما تجسده القوات المسلحة بشكل أصيل نابع من سلوك تلقائي بلا مزايدة أو مناورة، حيث يتجلى سلوكها -سواء مع الأسرى أو العائدين بعد إلقاء سلاحهم- في سماحة الشيم والأعراف الأصيلة.

​ففي الثقافة اليمنية الضاربة في التاريخ، لم يكن النصر يُقاس بعمق الانتقام أو الإمعان في التشفي، بل بقدرة الحاسم للمعركة على تجسيد قيم العفو عند المقدرة، وحقن الدماء، وسعة الصدر لتجميع الشتات الوطني. والعفو الرئاسي يعيد هنا استدعاء “قيم العرف اليماني” الذي يرى في العفو والأمان تاجاً للمقتدر وصوناً للنسيج الاجتماعي من التمزق والوصم الدائم.

​وهكذا، يندمج مفهوم “السيادة المطلقة” بالهوية اليمنية؛ لتصبح ممارسة العفو شاهدة من ناحية على سطوة اليد التي حسمت المعركة وأمسكت بقرار الجغرافيا، ومن ناحية ثانية على حكمة العقل وسماحة الذات اليمانية التي تترفع عن نكء الجراح، لفتح باب العودة من أجل إعادة بناء العقد الاجتماعي. إنه تجسيد حقيقي للسيادة حين تتكلم بلغة الميدان، وتتصرف بأخلاق الفرسان.