أمٌّ حرمها العدو السعودي فرحتها الأولى فأبكت دموعُها جميعَ اليمنيين
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
11 أكتوبر 2026مـ – 30 ربيع الثاني 1448هـ
بكلماتِ الالتجاءِ إلى الله والثقةِ به، وبوعده لعباده الذين قُتلوا كما قال سبحانه وتعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، يسبق سيلُ الدموعِ الدافقةِ دعواتِ الابتهالِ على لسانِ أمٍّ قتل العدوُّ السعوديُّ فلذةَ كبدِها، وأحرقَ قلبَها: “الله ينتقم منهم، الله يشلّهم من بين فراشهم ودفئهم، ومن بين أطفالهم يحرق قلبهم بمثل ما أحرقوا، قلبي على فلذة كبدي، أول الفرحة لي في الدنيا”.
هنا أمٌّ حرمها العدوُّ السعوديُّ فرحتَها الأولى؛ ابنتها الكبرى أثير سمير العامري تقول بقلب حزين وصوت شاكٍ إلى الله، أدمى قلوب الشعب اليمني وأدخل الحزن إلى كل بيت: “قلبي وجيع، قلبي تعبان على جوهرة قلبي”.
أثير ذات الأربعة عشر عاماً، طالبة في الصف السابع بمدرسة حنيش بمديرية شعوب، تروي والدتها قصة انتظار بلا عودة، حينما حالت بينها وبين ابنتها صواريخُ العدوِّ السعوديِّ التي استهدفت باص الطالبات، في طريق العودة إلى المنزل الكائن في العشة من سعوان بمديرية بني حشيش في محافظة صنعاء.
تروي الأم اللحظات الأخيرة من حياة ابنتها قبل أن يستهدفها طيران العدو السعودي بهذه الكلمات: “الأستاذة اتصلت بي وقالت لي إن ابنتك قلقةٌ لأنه لم يأتِ لها الباص، فقلت لها أن تأتي بالمواصلات، فقالت لي إنها ستنتظر الباص جوار المدرسة، وجلست تنتظر طالباتٍ أخريات”.
وتتابع: “عند تمام الساعة 12 ظهراً وأنا أتصل بصاحب الباص، فقال لي: يا أختي الآن سآخذها وأمشي، قلت له: بس أنا قلقة جداً جداً، قلبي على نار”.
وقبل أن تصل، كانت صواريخ العدو السعودي أقرب إلى أثير من أمها، التي لم تعلم ذات صباح أنه كان آخر عهد لها ووداع مع ابنتها.
مشاعر الأم هنا حدّثت نفسها عن ذلك بالقول: “انفجرت الغارة الأولى لطيران العدو السعودي بصوت منخفض، ولحقتها الغارة الثانية بصوت أقوى، والناس جميعاً يشاهدون الضربة عند محطة عطية، وأنا كنت حاسة في هذا الوقت، كنت أقول: يعني هذا الوقت ابنتي الآن في ذات المكان مقارنة بوقت اتصالي بصاحب الباص وهو قادم إلينا”.
وتضيف بمرارة اللحظة: “كنت أتصل بصاحب الباص، أتصل ولا يرد عليّ، أعدت الاتصال لأكثر من 15 مرة ولم يجبني، ثم أجابني شخص من المستشفى، وليس صاحب الباص”.
“قلت له في الاتصال: أين صاحب الباص؟ هذا ليس صوت صاحب الباص، قال لي: تعالي إلى مستشفى النبلاء، قلت له: هل حدث لابنتي شيء؟ قال: تعالي إلى النبلاء، لا أستطيع أن أقول لكِ أي كلمة أخرى”.
بين اتصال الأم والغارة لحظاتٌ سبقت الغارةَ معاودةُ الرنةِ إلى هاتف سائق الباص، وارتفعت روحها الطاهرة قبل أن تكمل امتحاناتها المشارفة على الانتهاء.
يومٌ فارقٌ، كانت أثير تنتظره لتفرح بالإجازة، لكن قاتل الطفولة -العدو السعودي- ذَخَّرَ طائرته ليحرمها الفرحة ويقضي على حقها في الحياة.
الأم التي أبكت قلوب اليمنيين وأدخلت دموعُها الحزنَ إلى كل بيت، تؤكد للعالم بلسان الحال والصدق، علّ المنظمات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة تتحرك بجدٍّ لوقف جرم العدو السعودي بحق الإنسانية في اليمن: “ابنتي بريئة، ذهبت لتدرس وأنا منتظرة عودتها، أقول لها: كيف الامتحان يا ابنتي؟”.
إنه قلب أمٍّ كبقية الأمهات في العالم، همُّها الأول أسرتها وصغارها الأطفال، ومنهم ابنتها، وتحفيزها، والاهتمام بشؤونها، لا علاقة لهذه الأم وابنتها الطالبة أثير بالحرب، ولا صلة لها بما يمكن للطيران اعتباره هدفاً مشروعاً يمكن باستهدافه تحقيق نتيجة عسكرية وتغيير في معادلة المواجهة.
وأمام الكاميرا تخرج ذات الأسئلة التي لم تجد الوقت لقولها، ولم تعرف الإجابة عنها: “كيف الامتحان يا أثير اليوم؟”، ولكن بعد فوات الأوان.
تجهش بالبكاء وتحاول بخجل مسح الدموع بيديها مرددة: “كان باقياً لها هذا اليوم فقط، كان آخر امتحان لها، كانت كل يوم تعود من المدرسة وتسرد لي كل الأسئلة التي وردت في الامتحان، وكيف أجابت عنها، وأنا منتظرة في هذا اليوم وصولها، حسبي الله عليهم ونعم الوكيل”.
“فلذة كبدي ذهبت مني”؛ وبهذه العبارة المليئة بمشاعر الأمومة، وقدر الفقد، وألم الفراق، وغور الجرح، وعمق الجريمة التي ارتكبها مجرم الحرب بن سلمان بحق أم يمنية، اختزلت كلماتها التعبير عن كل أم سبق أن فقدت ابناً أو ابنة لها منذ 12 عاماً من العدوان والحصار على الشعب اليمني، حين قالت: “يمكنني القول اللهم لا اعتراض على حكمك، ولكن هذه فلذة كبدي ذهبت مني”. نعم، ذهبت أثير إلى جنان الخلد يا أمها، ولكن دمها لم يذهب سدىً، وهذا ما أكده أحرار شعبنا اليمني وكل من شاهد مشاهد الجريمة الشنعاء، أو لمح دموعك الغالية، وسمع صوت بكائك وشكواك، فكوني على ثقة أن أثير حية ولم تمت، وأن دماءها باقية في عروق كل يمني حر، ومعكِ الله وكل أحرار العالم فلا تحزني، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
“أول فرحتي”: كلمتان تختزلان في أحرفهما عمر أثير وفترة فرحة أمها منذ مولدها قبل 14 عاماً تقريباً، والشهور الأولى للحمل بها بعد الزواج، فكانت باكورة الأسرة وأول العنقود، والفرحة فعلاً، لكن جرم العدو السعودي -بحق الشعب اليمني وبحق كل أم وأب وصغير وكبير- لم يراعِ كل ذلك، ومضى في ارتكاب أبشع جرائم حرب الإبادة الجماعية والمجازر الجماعية، وجرائم الحرب ضد الإنسانية ولا حسيب ولا رقيب، ولا دين ولا خشية من الله، غير أن اليمن بعد 12 عاماً من العدوان بدأ يؤدب العدو ويدفعه الثمن، بتثبيت معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد، فنامي يا أثير، وستعود فرحة أمكِ إن شاء الله، بفضل مجاهدي القوات المسلحة اليمنية تحت راية علم الهدى السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله).
وتختم الأم شكواها بعبارة الإيمان “حسبي الله ونعم الوكيل عليهم”، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
تنتقل عدسة “المسيرة” من منزل الشهيدة الطالبة إلى مدرستها، حيث كانت مع رفيقاتها تدرس وتلعب، بعد أن صارت أثير شهيدة خالدة خارج أسوارها، وصرن الرفيقات بلا أثير سوى من صورة معلقة على جدران المدرسة، كُتب بجوارها: “كانت تسعى خلف المستقبل بكتبها وأحلامها، فغدت هي الأمل والأيقونة التي تُدرَّس للأجيال، وذاكرة التاريخ كشهيدة، وشاهدة على إجرام عدوان تجاوز كل الحدود، وارتكب كل المحرمات بحق شعبنا اليمني”.
إحدى مدرساتها تقول عن قيمها وأخلاقها: “أثير بالذات، الطالبة التي نعرفها ودرّسناها وعلمناها في مدرسة حنيش، كانت طالبة خلوقة ومهذبة ومؤدبة ومجدة ومجتهدة”.
وهنا تروي رفيقتها وزميلتها في الفصل ما قالته قبل ساعات من استهدافها لمدرستها في الفصل: “كانت تقول: يا أستاذة غداً آخر يوم امتحان، قالت لها الأستاذة: إن شاء الله”، لم تعرف أن ذلك اليوم هو آخر يوم في حياتها للأسف!
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾؛ شهيدة العلم أثير، واحدة من آلاف الطالبات والطلاب اليمنيين الذين حرمهم العدو السعودي منذ 12 عاماً من حقهم في الحياة، ومن عاش منهم حُرِم الكثيرُ منهم من حقهم في التعليم بعد أن دمر مئات المدارس وقطع مرتبات المعلمين ونقل البنك، وتعمد استهداف المدارس والأحياء السكنية والمنازل والطرقات وباصات النقل، وحافلات الرحلات الطلابية؛ لتعيدنا الشهيدة أثير إلى زملائها الطلاب الذين استهدفهم طيران العدو السعودي على متن حافلة ضحيان، فها هي قطرة من مطرة في قائمة السواد لقاتل الأطفال في اليمن مجرم الحرب محمد بن سلمان.
وتعيد بالذاكرة إلى مستوى التواطؤ الأممي ومتاجرته بدماء أطفال اليمن، واستخدام المجازر بحقهم لجني المليارات من الدولارات ليس إلا.
زميلة أخرى تقول بأسى: “أول شيء حزنا عليها وزعلنا، ثاني شيء هي شهيدة وهذا فضل عظيم، وكلنا فخورات بها ونأمل الوصول إلى ما وصلت إليه في سبيل الله، وفي سبيل طلب العلم رغم غارات العدوان التي لن تنال من عزمنا على مواصلة طلب العلم”.
زميلة ثالثة تعبر عن رهانها وثقتها بمن يأخذ بثأر دماء أثير قائلة: “إن شاء الله السيد القائد يأخذ بحقها ويقصف العدو السعودي، وإن شاء الله تنتصر اليمن، ونحن مستمرات في طلب العلم حتى لو ضربوا المدرسة، مستمرون ومواصلون دربنا”.
أثير ضحية واحدة من شعب قوامه أكثر من 40 مليون نسمة، يواصل العدوان السعودي الأرعن ممارسة القتل والحصار لهم، وهي واحدة من شعب بأكمله ناله ظلم وطغيان مملكة الشيطان.
تعود العدسة إلى أهالي الشهيدة للتعرف على مطالبهم، فكان أولها أخذ الثأر للدماء الزكية والأرواح البريئة، حيث يقول خالها: “نقول للعدو السعودي المجرم، الجبان الغادر، إن هذه الجرائم التي يقوم بها بحق أطفالنا ونسائنا لن تفنينا ولن تقلل من عزائمنا في دعم جيشنا ومجاهدينا وقوتنا الصاروخية”.
“سنأخذ حقنا بأيدينا”: هذا ما يقوله أخو الشهيدة أثير للعدو السعودي، وهو لا يزال في الثامنة من العمر، فكم جيلاً سيواجه المجرم بن سلمان، وكم جني على نفسه من الجرائم والتبعات!
تعود الأم مجدداً للحديث مطالبةً القيادة والقوات المسلحة اليمنية والشعب اليمني قاطبة بأن يأخذوا بحق ابنتها التي هي بنت لكل اليمن، وبثأر أطفال اليمن وكل مظلوم في هذه البلاد المحاصرة والمعتدى عليها.
تابع الشعب اليمني مشاهدَ الجريمةِ ودموعَ الأمِّ وكلماتها المعبرة، على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، فعَمَّ الحزنُ كلَّ البيوت، وذُرِفَتِ الدموعُ من كل أمٍّ وأبٍ وأخٍ، واستنفر الرجالُ بقوافل المدد للجبهات حاملين أسلحتهم صوب العدو، وتزايدت عملياتُ القوات المسلحة اليمنية في عمق العدو السعودي، ودكِّ مطاراته وإغلاقها وموانئه ومنشآته النفطية ودحر تحشيداته؛ فكانت دموعُ أمِّ أثير قطرةً في سيل الجرف للعدو السعودي، وجزءاً من مفاعيل الأذن بزوال نظامه الظالم.
وبين دموع أمِّ أثير ودمائها التي لم تجفَّ بعدُ، تحركتِ المشاعرُ والوجدان، فهبَّ الرجالُ الغيارى من كل قرية وعزلة لرفد الجبهات بقوافل المجاهدين والمال والسلاح، وسيَّرَت حرائرُه الشريفات قوافلَ مماثلةً من الأموال والذهب والمواد الغذائية للقوة الصاروخية وسلاح الجو المسير والمرابطين في الثغور.
أثير العامري، طفلة يمنية أوقف العدو السعودي حياتها عند هذا العمر كما أوقف حياة آلاف أطفال اليمن الذين حول حياتهم إلى حبر وصور وذكريات، ومآسٍ تدمي القلوب، وتحتم على الجميع توحيد الصفوف لمواجهة العدو والاستمرار في تأديبه حتى يرعوي لصوت الحق، أو ينال جزاءه الرادع بقدرة الله وبأس شعب الإيمان والحكمة في معركة الكرامة والحرية والانتصار للدماء البريئة التي آن لها أن تجرف مملكة البغي والعدوان، ولله عاقبة الأمور.
