استعادة الساحل الغربي تربك حسابات الرياض وواشنطن و”تل أبيب”
ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
5 أكتوبر 2026مـ – 24 ربيع الثاني 1448هـ
تقرير || وديع العبسي
لا تزال عملية استعادة القوات المسلحة للساحل الغربي، وطرد التحشيدات السعودية منه، وفرض السيادة على مضيق باب المندب وجزيرة ميون ومحيطهما كحق طبيعي، تخيم بتأثيراتها على مخططات ثلاثي الشر السعودية، أمريكا، والكيان الصهيوني، وأطماعهم في الأراضي اليمنية وثرواتها.
شكّل الحدث هزيمة كبرى وتاريخية لمشروع هذه الدول، فالساحل الغربي اليمني يمثل شريانا يربط بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط عبر الممر المائي الحرج المتمثل في باب المندب، والذي يمر عبره نحو 12% من تجارة النفط العالمية وما يقارب 30% من حركة الحاويات الدولية. من هنا، ظل الشريط الساحلي على مدى سنوات مسرحاً لصراع إرادات. وعندما تتمكن قوة مناهضة للمشروع الغربي والتحالفات الإقليمية العدوانية من بسط نفوذها الكامل على هذا الممر الحيوي، فإن ذلك يمثل زلزالاً يتجاوز أثرُه حدودَه الجغرافية المباشرة ليصل إلى مراكز القرار والتخطيط الاستراتيجي للقوى الاستعمارية الرياض وواشنطن وما تسمى بـ”تل أبيب”.
فشل استراتيجية الحصار البحري والاقتصادي
كما يشكل حدث استعادة اليمن لجزء من أرضه ضربة قاصمة لمخطط السعودية التي حشدت وأنفقت، وقبلها الإمارات، من أجل إحكام السيطرة على هذه المساحة الاستراتيجية.
يؤكد غير تقرير لوكالة “رويترز” أن إخفاق السعودية في الحفاظ على موطئ قدم دائم في الساحل الغربي ينسف سنوات من الاستثمار العسكري والسياسي للرياض وأبوظبي، ويعيد صياغة معادلة القوة في شبه الجزيرة العربية لصالح القوات اليمنية، ما يجعل أي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية في المنطقة رهناً بموافقة صنعاء وقرارها السياسي.
وتذهب تحليلات نشرتها صحيفة “واشنطن بوست” ومجلة “فورين بوليسي” إلى أن تماسك سيطرة القوات اليمنية على الساحل الغربي يثبت بشكل قاطع فشل استراتيجية الحصار البحري والاقتصادي التي أُريد لها أن تُضعف القدرات العسكرية لليمن. إلا أن ما حدث جاء عكس ذلك تماماً؛ إذ نجح التصنيع الحربي اليمني في تطوير ترسانة عسكرية ومستويات تدريب متقدمة مكنت القوات المسلحة من نقل المعركة من وضع الدفاع إلى وضع الهجوم وفرض الشروط الميدانية والسياسية.
وبحسب تحليل لشبكة “بلومبرج” فإن هذا التحول الاستراتيجي قد أسقط تماماً الرهانات السعودية على إيجاد شريط عازل وفاعل يمنع وصول التهديدات العسكرية إلى الموانئ والمشاريع الاقتصادية السعودية العملاقة القريبة من البحر الأحمر (مثل رؤية 2030 ومشروع نيوم)، ما يضع مشاريع اقتصادية ورؤى استراتيجية كبرى في دائرة التهديد المباشر والمخاطر الأمنية الدائمة التي لا يمكن معالجتها بالحلول التقنية أو الأمنية التقليدية.
تبدُد هالة القوة الأمريكية
ولأمريكا، فإن ما حدث في الساحل الغربي يُعد فشلاً ذريعاً ومباشراً لمقاربتها الأمنية في ما سوقت له طويلا بحماية الممرات المائية. اعتمدت خلالها واشنطن على وجودها البحري وتشكيل تحالفات متعددة الجنسيات. إلا أن كل ذلك انهار مع نجاح اليمنيين في تثبيت أقدامهم في ساحلهم الغربي، وكشف خدعة القدرة الأمريكية بإمكانياتها وتحالفاتها، وبدد هالة قوتها، ونزع عنها أي استثنائية عن باقي دول العالم.
في هذا السياق، تشير صحيفة “وول ستريت جورنال” إلى أن العجز الأمريكي عن تأمين الساحل الغربي ومنع سيطرة اليمنيين عليه يكشف عن حدود قوتها العسكرية أمام حروب الجيل الخامس والاستراتيجيات غير المتماثلة، حيث أصبحت القواعد العسكرية البحرية الضخمة والبوارج وحاملات الطائرات أهدافاً سهلة وسريعة التأثر بالأسلحة الحديثة منخفضة التكلفة إذا ما فكرت بخوض المواجهة.
واستشهدت مجلة “ناشونال إنترست”، ومجلة “ريسبونسيبل ستيتكرافت” بتحليلات موسعة تؤكد أن استعراض القوة البحرية الأمريكية أصبح أوراقاً محروقة، ولم يعد كافياً لردع القوى الإقليمية الصاعدة التي تمتلك أسلحة دقيقة وإرادة سياسية للقتال، وهو ما يمثل تراجعاً غير مسبوق للهيبة العسكرية والأمنية لأمريكا في الشرق الأوسط.
هذا الفشل لا يقتصر على الجانب الميداني فقط، بل يمتد ليمس مصداقية التحالفات الأمريكية لدى شركائها الإقليميين، الذين راهنوا على واشنطن كثيراً، ثم صاروا يشككون في قدرتها على توفير مظلة أمنية حقيقية وفاعلة ضد التهديدات غير التقليدية.
قطع شريان السيادة البحرية للعدو الإسرائيلي
وليس العدو الإسرائيلي ببعيد عن هذه التداعيات؛ فهو يدرك أنه معني بتلقي الأثر الأكثر خطورة ومباشرة من هذا التحول الميداني والجيوسياسي. حيث يُشكل الساحل الغربي والسيطرة عليه مفتاح النفوذ الحقيقي على ميناء “إيلات” (أم الرشراش) ومسارات الملاحة المؤدية إلى خليج العقبة والبحر الأبيض المتوسط. ووجود القوات اليمنية في هذه المنطقة بأسلحة حديثة وبعيدة المدى، يمنحها القدرة المباشرة على فرض حصار بحري عملي أو استهداف ملاحة العدو الإسرائيلي والملاحة المرتبطة به بشكل مباشر ومستمر، وهو ما تحقق بالفعل وعاشه الكيان الصهيوني عبر سلسلة من العمليات العسكرية البحرية والجوية اليمنية التي شلت الحركة التجارية والعملاقة في ميناء “إيلات”، وأضرّت بالاقتصاد الإسرائيلي بشكل ملحوظ خلال عمليات القوات المسلحة لإسناد المقاومة في غزة.
وفي تقارير متخصصة أوردها موقع “نتسيف نت” العبري المتخصص في الشؤون الاستخباراتية والأمنية، يُنظر إلى تثبيت سيطرة اليمن على سواحله الغربية باعتباره كابوساً استراتيجياً وأمنياً يهدد صلب “نظرية الأمن الإسرائيلي”، حيث أدى ذلك إلى قطع شريان رئيسي للسيادة البحرية “الإسرائيلية” في البحر الأحمر وخليج العقبة. وأكدت صحيفة “نيويورك تايمز” وموقع “ميدل إيست آي” أن تحول اليمن إلى رأس حربة في محور المقاومة على الممر البحري الجنوبي يفرض على “تل أبيب” التزاماً أمنياً وعسكرياً جديداً ومكلفاً للغاية على المستوى اللوجستي، ويحرمها من بيئة آمنة للملاحة والتجارة الشاطئية في البحر الأحمر، وهو ما لم يواجهه الكيان الإسرائيلي في أحلك الظروف التاريخية السابقة.
من فاعل محلي مُحاصَر إلى قوة إقليمية مؤثِّرة
تذهب التحليلات المنشورة في وسائل إعلام دولية متعددة، مثل وكالة “فرانس برس” ووكالة “سبوتنيك” وموقع “روسيا اليوم”، إلى أن الانتصار الميداني للقوات اليمنية في الساحل الغربي يعكس تحولاً جذرياً في عقيدة الردع الإقليمي والدولي، إذ لم يعد الغرب ولا كيان الاحتلال يتمتعون بخاصية التفوق لمجرد امتلاكهم للتقنيات العسكرية والتكنولوجية الحديثة.
وركزت تحليلات استخباراتية وميدانية منشورة في “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”، ومجلة (فورين افرز) ومجلة “فوربس” الأميركيتين على الجانب الجيوسياسي المتعلق بقدرة اليمن الصاعد على إعادة تشكيل النظام الإقليمي وآليات صنع القرار فيه، حيث أشارت هذه المراجع والدراسات البحثية إلى أن السيطرة على الساحل الغربي منحت اليمنيين أوراق ضغط دبلوماسية وسياسية فائقة القوة والتأثير.
وعلى ذلك، أصبحت واشنطن وعواصم الغرب مجبرة على التعامل مع الأمر الواقع، والتواصل -بشكل مباشر أو غير مباشر عبر وسطاء إقليميين كعُمان- مع القيادة اليمنية في ما يخص الملاحة، ورعاية شؤون الممر البحري. وهذا التحول من وضع “الفاعل المحلي المحاصَر” إلى وضع القوة الإقليمية القادرة على التأثير هو جوهر الهزيمة الجيوستراتيجية للتحالف السعودي الأمريكي.
وتذكر صحيفة “لوموند” الفرنسية وصحيفة “التايمز” وصحيفة “ديلي ميل” البريطانية في تقارير ميدانية أن الغرب أدرك متأخراً أن التواجد الميداني للقوات اليمنية في مناطق الساحل الغربي ليس مجرد نفوذ عسكري عابر، بل هو ترسيخ لواقع سياسي وجغرافي جديد يفرض ترتيبات أمنية وسياسية لا يمكن تجاوزها أو القضاء عليها بوسائل القصف الجوي أو الحصار المالي والاقتصادي.
خارطة نفوذ جديدة في المنطقة
في النهاية، تتجلى الهزيمة الاستراتيجية للسعودية وأمريكا و”إسرائيل” في حقيقة أن سيطرة القوات المسلحة على الساحل الغربي تؤسس لواقع جديد لا ينتهي بانتهاء معركة عسكرية معينة، بل يمتد ليشكل معادلة أمنية طويلة الأمد في جنوب البحر الأحمر، إذ أثبت رجال اليمن قدرة عالية على الاستفادة من جغرافيتهم الصعبة وموقعها الاستراتيجي، محولين هذه الجغرافيا إلى ورقة رابحة تُجبر العالم على إعادة رسم تحالفاته وسياساته الأمنية في واحدة من أهم وأخطر مناطق العالم المائية.
وهذا الانتصار لا يمثل فقط تفوقاً عسكرياً على الأرض، وإنما يحمل أيضاً رسالة واضحة مفادها أن النفوذ الغربي والإقليمي التقليدي في باب المندب يكاد يكون في حكم المنتهي، وأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تتوزع فيها أوراق القوة والسيطرة بين أطراف جديدة تمتلك الإرادة والقدرة على تغيير قواعد اللعبة الإقليمية والدولية.
