محمد الدرة.. طفلٌ استشهد أمام العالم وبقيت صورته شاهدةً على جرائم الاحتلال

9

ذمــار نـيـوز || تقارير ||

30 سبتمبر 2026مـ – 19 ربيع الثاني 1448هـ

تقرير || هاني أحمد علي

في مثل هذا اليوم وتحديداً الـ30 من شهر سبتمبر عام 2000، استيقظ الضمير الإنساني العالمي على واحدة من أبشع الجرائم وأكثرها وحشية في التاريخ المعاصر، إذ حفر الطفل ابن الـ 11 عاماً، محمد جمال الدرة، اسمه بدمائه الطاهرة في ذاكرة أحرار العالم.

كان الطفل الصغير برفقة والده في شوارع قطاع غزّة، الذي كان يشهد آنذاك اندلاع انتفاضة الأقصى المباركة رداً على الاقتحام المدنس الذي قاده رئيس حكومة الاحتلال المجرم أرئيل شارون للمسجد الأقصى في القدس المحتلّة، تضاف إليه تراكمات الظروف القاسية التي فرضها كيان الغاصبين على أبناء الشعب الفلسطيني المظلوم.

سلك الأب جمال وابنه – نتيجة إغلاق المظاهرات الحاشدة للعديد من الطرق – مفترق “نتساريم” (المسمى نسبةً لاستماتة الاحتلال في تثبيت مغتصباته هناك)، لكنهما تفاجآ بوابل كثيف من نيران جنود الاحتلال الحاقدين التي استهدفتهما بشكل مباشر وممنهج، حاول الوالد المكلوم بكل ما أوتي من قوة حماية ابنه الصغير، والتجأ الاثنان إلى حائط قريب واختبآ خلف بعض الحاويات، إلا أن آلة القتل الصهيونية تعمّدت إزهاق روح البريء، أصيب الطفل أوّل مرّة في قدمه اليمنى، وسرعان ما توالت الرصاصات الحاقدة لتخترق ظهره وتنهي حياته، ليرتمي جثماناً هامداً مخضباً بالدماء على أقدام والده المصدوم، تحولت بعدها صورة الطفل الفلسطيني محمد الدرة، البالغ من العمر 11 عاماً، إلى واحدة من أكثر الصور حضوراً في ذاكرة القضية الفلسطينية، بعدما وثقت مشاهد استشهاده برصاص جيش الاحتلال في قطاع غزة.

وبحسب الرواية الفلسطينية، حاول الأب حماية نجله وإبعاده عن مرمى النيران، إلا أن محمد أصيب برصاص الاحتلال، ليسقط إلى جانب والده، في مشهد التقطته كاميرات الصحافة وانتشر لاحقاً على نطاق واسع، ليصبح رمزاً لمعاناة الأطفال الفلسطينيين في ظل الاحتلال.

ولم تتوقف تداعيات استشهاد محمد الدرة عند لحظة إطلاق النار، إذ تحولت الجريمة البشعة الدموية لاحقاً إلى قضية إعلامية وقانونية وسياسية، وفي المقابل، أكدت الرواية الفلسطينية أن الطفل قتل برصاص جيش الاحتلال الصهيوني.

وأشارت الروايات الفلسطينية إلى أن جيش الاحتلال أقدم في اليوم التالي للجريمة على إزالة الساتر الذي احتمى خلفه الأب وابنه، وهو ما اعتبرته جهات فلسطينية محاولة لطمس أحد الأدلة المرتبطة بمكان إطلاق النار، بينما استمرت القضية لسنوات أمام المحاكم والجهات القانونية في عدد من الدول الأوروبية.

ولد محمد الدرة في 22 نوفمبر 1988 في مخيم البريج وسط قطاع غزة، وتنحدر أصول عائلته من مدينة الرملة الفلسطينية التي هُجّر سكانها خلال أحداث عام 1948، وكان والده جمال يعمل نجاراً، وعاشت الأسرة في ظروف اقتصادية صعبة فرضها واقع قطاع غزة والحصار والاحتلال.

وجاء استشهاد محمد في مرحلة شهدت تصاعداً كبيراً في المواجهات الفلسطينية مع كيان العدو الصهيوني المجرم، عقب اندلاع الانتفاضة الثانية، لتصبح صورته لاحقاً حاضرة في وسائل الإعلام العالمية، وتتحول إلى رمز ارتبط بصورة الطفل الفلسطيني الواقع في قلب الصراع.

ومنذ ذلك التاريخ، استمر سقوط الأطفال الفلسطينيين ضحايا الجرائم الصهيونية والاقتحامات والقصف والاستيطان، لتبقى قصة محمد الدرة مرتبطة في الذاكرة الفلسطينية بمسار طويل من استهداف المدنيين، ولا سيما الأطفال.

وبعد مرور أعوام على استشهاده، لا تزال صورة محمد الدرة حاضرة في الوعي الفلسطيني، ليس فقط باعتبارها توثيقاً لحادثة وقعت في بداية الانتفاضة الثانية، وإنما باعتبارها صورة تختزل جانباً من معاناة جيل كامل من الأطفال الفلسطينيين الذين عاشوا الحروب والاقتحامات والحصار والتهجير.

وفي كل ذكرى لاستشهاده، تعود الجريمة إلى الواجهة بوصفها واحدة من أبرز الوقائع التي أثارت اهتماماً إعلامياً وقانونياً واسعاً، كما تعود معها الأسئلة بشأن حماية الأطفال والمدنيين في قطاع غزة ومدى قدرة المؤسسات الدولية على ضمان المساءلة عندما يتعلق الأمر بانتهاكات تطال المدنيين.

محمد الدرة، الذي خرج في ذلك اليوم برفقة والده، لم يعد إلى منزله، لكن صورته بقيت حاضرة بعد ربع قرن، شاهدةً على مرحلة مفصلية من تاريخ الصراع الفلسطيني، وعلى معاناة متواصلة دفع الأطفال الفلسطينيون ثمناً باهظاً لها.

لم تكتفِ عصابات الاحتلال بجريمة القتل البشعة، بعد أن سعت في اليوم التالي لجريمتها إلى جرف ذلك الحائط في محاولة يائسة لطمس معالم الجريمة وإخفاء الأدلة، وعلى مدار سنوات طويلة، لاحقت عائلة الدرة الاحتلال قانونياً في المحاكم الدولية والأوروبية، لكنّ كيان العدو المجرم – كعادته في التهرب من المسؤولية الجنائية – قدّم التقارير الواهية للتملّص من دم الطفل، وحاول جاهداً تقديم الروايات المضللة وإلصاق التهمة بالمقاومين الفلسطينيين الأبطال، ووصل الأمر بالكيان المؤقت إلى حدّ التشكيك السافر باستشهاد الطفل، مدعياً بكل وقاحة وزور وبهتان أن المقاطع المصوّرة لا تؤكد قتله، بل زعم أنه شُوهد حيّاً بعد الحادثة في محاولة خبيثة لتزييف الحقائق التاريخية.

تكن شهادة الدرة الأب لم تكن سوى حلقة في سلسلة طويلة من الاستهدافات المتعمدة والجرائم المستمرة التي ترتكبها قوات الاحتلال الصهيوني بحق الأطفال الفلسطينيين، فمنذ ذلك اليوم المشؤوم، ارتقى أكثر من 2000 طفل بين قطاع غزّة ومناطق القدس والضفة الغربية المحتلّة، في إرهاب منظّم يكشف الوجه الحقيقي لكيان غاصب مجرم وحشي لا تقيمه عقيدة أو أخلاق، لتبقى دماء محمد الدرة شاهداً أزلياً على عجز العالم، وبوصلة لا تخطئ طريق الحريّة والخلاص.