السلوك السعودي من إحباط التسوية إلى العدوان المباشر (1-2)

1

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
29 سبتمبر 2026مـ – 18 ربيع الثاني 1448هـ

كيف انتقلت الرياض من خارطة الطريق إلى التدخل العسكري المباشر؟

تقرير|| أنس القاضي

في ديسمبر ٢٠٢٣م، وصلت المفاوضات بشأن اليمن إلى تفاهمات شملت وقف إطلاق النار، وصرف رواتب موظفي القطاع العام، واستئناف صادرات النفط، وفتح الطرق، وتخفيف القيود على مطار صنعاء وميناء الحديدة، تمهيداً لعملية سياسية يمنية. لم تكن هذه البنود إجراءات منفصلة، فقد تناولت الأسباب التي أبقت الحرب قائمة رغم انخفاض وتيرة المواجهة العسكرية منذ عام ٢٠٢٢م؛ فالرواتب والموارد ترتبطان بحق اليمنيين في اقتصاد يعمل لخدمتهم، والمطار والميناء يرتبطان بحرية الحركة والتجارة، ووقف إطلاق النار يفترض انتقال العلاقة مع السعودية إلى وضع يتجاوز التهدئة المؤقتة.

كانت الرياض طرفاً رئيساً في هذا المسار، بحكم قيادتها للعدوان، ودورها في فرض الحصار، ونفوذها السياسي والعسكري على حكومة المرتزقة والقوات التابعة لها، ولهذا ارتبط تنفيذ خارطة الطريق بموقفها الفعلي من الملفات الاقتصادية والمنافذ وإنهاء الحرب.

رحبت السعودية بالتفاهمات، ثم بقيت الالتزامات معلقة طوال أربع سنوات؛ استمر الحصار، وظلت الرواتب والموارد محل نزاع، وبقي تشغيل مطار صنعاء خاضعاً للقيود حتى أُغلق تماماً، حصلت الرياض على فوائد التهدئة التي خففت كلفة المواجهة المباشرة عليها، فيما احتفظت بأدوات الضغط التي كان الاتفاق يفترض أن يعالجها.

تحول الزمن نفسه إلى عنصر في السياسة السعودية القائمة على المماطلة؛ فكل شهر يمضي دون تنفيذ البنود الاقتصادية يطيل أثرها على المجتمع، ويترك السلطة الوطنية في صنعاء أمام مسؤوليات إدارة الدولة في ظل موارد مقيدة ومنافذ محدودة. وكانت الرياض قادرة -خلال ذلك- على إبقاء حديث التسوية حاضراً في اتصالاتها الدبلوماسية، مع تأجيل القرارات التي تمنحها مضموناً عملياً. بذلك أصبح التعثر جزءاً من إدارة الصراع، وأخذت خارطة الطريق تفقد وظيفتها بوصفها مدخلاً لإنهاء الحرب، لتغدو إطاراً يمكن العودة إليه عندما ترى السعودية أن ميزان القوى يسمح لها بانتزاع شروط أفضل.

تغيرت البيئة المحيطة بالمفاوضات بعد اتساع المواجهة المرتبطة بفلسطين والبحر الأحمر؛ خلال عامي ٢٠٢٤م و٢٠٢٥م، تعرض اليمن لضربات أمريكية وبريطانية متكررة، واتسعت المواجهة مع “إسرائيل” في سياق إسناد القوات المسلحة اليمنية لفلسطين، وجدت صنعاء نفسها أمام قوى تمتلك تفوقاً جوياً وبحرياً كبيراً، بينما تابعت الرياض تطور هذه المواجهة من موقع الطرف الذي لا يتحمل كلفتها العسكرية المباشرة، ومن المرجح أنها قدَّرت أن استمرار الضربات سيستنزف قدرات صنعاء، ويضعف موقعها في المفاوضات، ويقلل قدرتها على المطالبة بتنفيذ التفاهمات السابقة كاملة. ساعد هذا التقدير على تفسير استمرار تعليق خارطة الطريق، لكنه واجه حدوداً أظهرتها الوقائع؛ فقد حافظت صنعاء على قدرتها السياسية والعسكرية خلال سنوات الضربات، ولم تؤدِ المواجهة الخارجية إلى فرض تسوية بشروط الرياض. كذلك بقيت السعودية معنية بتجنب عودة العمليات الواسعة إلى أراضيها، ولذلك فضَّلت -طوال مرحلة سابقة- الاستفادةَ من الضغط الأمريكي والبريطاني والإسرائيلي، مع إبقاء تدخلها العسكري المباشر عند مستوى أدنى. كان الرهان السعودي قائماً على أن يقوم الخارج بإضعاف صنعاء، وأن تمنحها نتائج هذا الاستنزاف فرصة العودة إلى التفاوض بموقع أقوى.

في الوقت نفسه، أعادت تطورات الجنوب ترتيب أدوات الرياض داخل اليمن؛ فقد كشفت المواجهة مع الانتقالي عن تناقضات المعسكر المناوئ لصنعاء، وعن أثر التنافس السعودي الإماراتي في تشكيل القوات والسلطات المحلية، وبعد إزاحة قيادة الانتقالي عن موقعها في السلطة التابعة للرياض، سعت السعودية إلى توسيع إشرافها على القرار السياسي والعسكري في المناطق الخاضعة لنفوذها، وإعادة تنظيم التشكيلات التي يمكن استخدامها في مواجهة صنعاء، بقيت مصالح هذه القوات وخلافاتها قائمة، لكن الرياض باتت أقدر على توجيه قسم أكبر من تحركاتها.

أثر هذا التغيير في موقف السعودية من التسوية؛ فخارطة الطريق -كما طُرحت في نهاية ٢٠٢٣م- كانت تفترض الانتقال التدريجي إلى معالجة الملفات الاقتصادية ووقف الحرب ثم فتح العملية السياسية. أما إعادة ترتيب القوات التابعة للرياض ففتحت أمامها خياراً آخر: استخدام الضغط الميداني لتعديل شروط التفاوض قبل العودة إليه، ولم يكن المطلوب بالضرورة تحقيق حسم عسكري شامل؛ يكفي -في الحساب السعودي- تحسين مواقع حلفائها، وإشغال القوات المسلحة اليمنية في جبهات متعددة، ومنع صنعاء من تثبيت واقع سياسي وعسكري يعزز مطالبها الاقتصادية والسيادية. ظل هذا التحول يتراكم داخل وضع ملتبس؛ خطاب رسمي يتحدث عن السلام، وخارطة طريق معلقة، وحصار مستمر، وتحضيرات عسكرية تتسع، ثم جاءت واقعة مطار صنعاء الدولي في ١٣ يوليو ٢٠٢٦م لتكشف ما آلت إليه السياسة السعودية. كانت طائرة مدنية إيرانية في طريقها إلى مطار صنعاء، في رحلة كسرت القيود المفروضة على اتصال اليمن الجوي بالخارج. قُصف المدرج لمنع هبوطها، فانتقلت الطائرة إلى الحديدة، وبذلك حُسم خلاف سياسي حول حق صنعاء في استقبال الرحلة باستخدام القوة ضد منشأة مدنية، كان تخفيف القيود عليها أحد بنود التفاهمات السابقة.

حملت الضربة رسالة تتجاوز الطائرة الإيرانية والوفد الذي كان على متنها، فقد تصرفت الرياض على أساس أن حركة مطار صنعاء وعلاقات السلطة الوطنية الخارجية تظلان خاضعتين لموافقتها، وأن الخروج على هذا القيد يستدعي تدخلاً عسكرياً. وهذه هي المسألة التي حاولت صنعاء معالجتها عبر التفاوض: استمرار الحرب في صورة حصار ووصاية على المنافذ والموارد والقرار السياسي، لذلك أصبح قصف المدرج علامة على انتقال الخلاف بشأن تنفيذ خارطة الطريق إلى مواجهة مباشرة حول السيادة وحق اليمن في تحديد علاقاته.

كان اختيار المطار ذا أثر اجتماعي كذلك، فكل ضربة تطال مدرجه تنعكس على سفر المرضى والطلاب والعالقين، وعلى إمكانية تشغيل الرحلات المدنية بصورة مستقرة، وحين تُستخدم هذه المنشأة للضغط السياسي، يتحمل المجتمع جانباً واسعاً من كلفة القرار العسكري. ظهر في قصف ١٣ يوليو وجه من السياسة التي ستتسع لاحقاً مع استهداف الطرق والجسور والأسواق: إيقاع الضرر بالمجال المدني، بما يضاعف الضغوط الواقعة على السلطة الوطنية في صنعاء.

بعد قصف المطار، خرجت العلاقة اليمنية السعودية تدريجياً من التهدئة المحدودة التي سادت منذ ٢٠٢٢م، اتسعت الغارات والاختراقات الجوية، وتزايد إسناد السعودية للقوات التابعة لها في الجبهات. ومع بدء معارك الساحل الغربي في سبتمبر وتحرير المخا في 10 سبتمبر، واجهت الرياض تطوراً مس موقع مرتزقتها على البحر الأحمر، ووسع حضور القوات المسلحة اليمنية قرب باب المندب، باتت نتائج المعركة تتجاوز خسارة مواقع عسكرية؛ فقد أصبحت تمس قدرة السعودية على استخدام الساحل ورقة في المفاوضات، وعلى إبقاء الصراع محصوراً داخل اليمن فيما يظل دورها المباشر أقل ظهوراً.

ردت الرياض بتوسيع تدخلها العسكري؛ فاستخدمت الطائرات الحربية والقصف الصاروخي، وسعت إلى تنشيط جبهات أخرى وإسناد التشكيلات التابعة لها، في محاولة لتوزيع الضغط على القوات المسلحة اليمنية ومنعها من استثمار مكاسب الساحل الغربي. وقد أظهرت بيانات الرصد الميداني انطلاق غارات متتابعة من قواعد سعودية، واستهداف محافظات متعددة خلال النصف الثاني من سبتمبر، وبات حضور السعودية العسكري المباشر ظاهراً في السماء وعلى خطوط الإسناد والتحشيد، فيما واصل خطابها السياسي تقديم المواجهة أمام الخارج بوصفها شأناً يمنياً تتحمل فيه الرياض أعباء الدفاع عن نفسها وحلفائها.

يتضح عبر هذا المسار تتابع القرارات السعودية، عُلّق تنفيذ خارطة الطريق مع استمرار الحصار والقيود الاقتصادية، ثم انتظرت الرياض أثر العدوان الخارجي على صنعاء، وأعادت ترتيب القوات المرتبطة بها في الجنوب اليمني، قبل أن تستخدم القوة لمنع رحلة مدنية إلى مطار صنعاء، وبعد تطورات الساحل الغربي، اتسع تدخلها المباشر سعياً إلى وقف تغير ميزان القوى ورفع كلفة استمرار صنعاء في خياراتها. بقيت التسوية حاضرة في اللغة الدبلوماسية السعودية، بينما جرى العمل عسكرياً واقتصادياً على تغيير الشروط التي يمكن أن تقوم عليها.

ملاحظة: ستتناول الحلقة الثانية وسائل هذا التصعيد وتجسيداته على الأرض: إسناد القوات التابعة للسعودية في الجبهات، والغارات على المدنيين والأسواق والجسور والطرق والمنشآت، واستخدام الكلفة الواقعة على المجتمع للضغط على السلطة الوطنية في صنعاء، ثم حملة الرياض بشأن الملاحة ومكة وحدود الإسناد الخارجي الذي حشدته.