مفتي أزهري في باكستان يجرّم الاتهامات السعودية لليمن ويحذر: تسييس المقدسات يغذي صراعات الأمة لصالح الأعداء
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
29 سبتمبر 2026مـ – 18 ربيع الثاني 1448هـ
في ظل تصاعد الاستنكار للاتهامات السعودية الشنيعة بحق يمن الإيمان والحكمة، وما يرتبط بها من استخفافات تمس المقدسات الإسلامية، يبرز التثبت من هذه المزاعم الشنيعة باعتباره قاعدة أساسية في التعامل مع القضايا التي تمس الدين والعلاقات بين المسلمين.
ويؤكد رئيس فرع المنظمة العالمية لخريجي الأزهر في باكستان المفتي الشيخ الدكتور عزير محمود الأزهري أن القرآن الكريم وضع منهجًا واضحًا في التعامل مع الأخبار، يقوم على التبين والتحقق قبل إصدار الأحكام أو اتخاذ المواقف، محذرًا من نتائج بناء المواقف على روايات غير صحيحة.
وفي مقابلة خاصة على قناة المسيرة،يضع الشيخ الأزهري هذه القاعدة في صلب ما يتداول بشأن اليمن، معتبرًا أن اتهام اليمنيين باستهداف الكعبة المشرفة ومكة المكرمة يخالف العقل والشرع، خصوصًا في ظل ما يذكره من محبة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن وما ورد في الأحاديث من محبتهم وودهم مع الإسلام. ويرى أن مواجهة هذه الروايات لا تكون باتباعها أو تكرارها، وإنما بالبحث عن الحقيقة وتبيينها للناس.
وفي السياق ذاته، يحمل الأزهري العلماء مسؤولية كبيرة في مواجهة توظيف العاطفة الدينية، ويدعو إلى توسيع التواصل بين العلماء الربانيين في اليمن وباكستان وسائر البلدان الإسلامية، وتقديم الحقائق للناس بلغات ووسائل متعددة، محذرًا من أن صمت العلماء يترك المجال أمام الفتاوى والحملات الإعلامية والإنفاق السياسي لتوجيه الرأي العام ودفع الدول والشعوب إلى صراعات لا تخدم الأمة.
التثبت من الأخبار منهج قرآني:
ويشدّد الشيخالأزهري على أن الموقف الذي ينبغي أن يحكم التعامل مع الأخبار هو موقف القرآن الكريم، مستشهدًا بقوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا”، موضحًا أن الله سبحانه وتعالى يعلم المسلمين، عبر القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ضرورة التثبت من الخبر قبل التعامل معه.
ويربط بين التثبت وبين نتيجة تجاهله، مستحضرًا تتمة الآية: “أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين”، معتبرًا أن المسألة ليست مجرد قاعدة إعلامية، وإنما حكم شرعي يترتب على مخالفته احتمال ظلم الآخرين ثم الندم على النتائج.
ومن هذا المنطلق، يشدد الشيخ الأزهري على أن مواجهة الكذب أو الروايات غير الصحيحة تقتضي التحقق أولًا من الصدق والحقائق، متسائلًا عن سبب اتباع الكذب بدل اتباع الحقيقة، خصوصًا عندما تتوافر بيانات وتوضيحات من الجهات المعنية.
اتهام اليمن باستهداف الكعبة يخالف العقل والشرع:
ويرى الشيخ الأزهري أن الرواية التي تتهم اليمنيين باستهداف الكعبة المشرفة ومكة المكرمة لا تنسجم مع العقل ولا مع الشرع، متوقفًا عند ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من محبة أهل اليمن والأحاديث المباركة الواردة في محبتهم وودهم مع الإسلام.
ويؤكد أن التعامل مع اليمنيين على أساس هذه الاتهامات يحتاج إلى التبين أولًا، لأن إطلاق مثل هذه الروايات دون تحقق يتناقض مع المنهج الذي دعا إليه القرآن.
ويشير إلى أن رابطة العلماء اليمنيين ردت على البهتان وبيّنت حقيقة الأمر، معتبرًا أن هذا التوضيح وغيره يستوجب من الناس العودة إلى الحقائق بدل الاستمرار في ترديد الروايات غير المتثبت منها.
وينتقل الأزهري إلى مقارنة المواقف من قضايا المسلمين، متسائلًا عن واقع مواقف الدول الإسلامية والعلماء تجاه الفلسطينيين والمظلومين والمستضعفين.
ويقول إن المسلمين يعرفون ما يجري للفلسطينيين، ويتساءل عن موقف السعودية تجاه هذه القضايا، مشيرًا إلى أنه لا يرى حتى الآن إعلانًا واضحًا وجاهرًا بمواجهة إسرائيل والصهيونية وأمريكا.
ويلفت إلى أن الدول الإسلامية والمسلمين يمتلكون إمكانات وطاقة وقوة وسلطة، لكنه يتساءل عن سبب غياب موقف واضح من هذه الإمكانات في دعم المظلومين والمستضعفين.
وفي المقابل، يذكر الشيخ الأزهري اليمن باعتباره الدولة التي يرى أنها تدعم المظلومين والمستضعفين، قائلًا إن اليمنيين يقومون بهذا الدور، ومتسائلًا عن كيفية التعامل معهم في الوقت الذي تُطرح فيه روايات تتهمهم باستهداف المقدسات.
التعصب الطائفي وتوظيف الإمكانات في الصراع:
ويعتبر الأزهري أن الأمة تورطت منذ زمن في الخلافات بين الفرق والطوائف، وأن كل طرف بات يدعم طائفته وفكره وتياره، ويريد أن يتفوق فكره على الآخرين.
ويتابع قائلاً: إن هذا التعصب يتحول إلى دعم بالمال والجيش ومختلف الإمكانات، وصولًا إلى دعم الأفكار التي وصفها بالباطلة، معتبرًا أن تعمق الإنسان في قراءة الواقع يكشف له طبيعة هذه المسارات.
ويضع الأزهري الصهيونية ضمن هذه الصورة، معتبرًا أن الذوبان فيها والانسجام معها يمثلان معيارًا واضحًا في هذه المرحلة، وأن هذا المعيار بات ظاهرًا في الخطاب والمواقف، بحيث يمكن من خلاله تمييز المسار الذي يخدم الأمة من المسار الذي يخدم خصومها.
ويبيّن الشيخ الأزهري أن بعض الفتاوى تحولت من وسيلة لتحصين الأمة من الداخل إلى وسيلة لتدجينها وتسهيل استهدافها، معتبرًا أن بعض الفتاوى لا تحصن الأمة، بل تستهدفها في قلبها وداخلها، بما يسهل على أعدائها استهدافها بصورة أكبر.
ويؤكد أن النظام السعودي، بحسب ما يراه، يعمل على هندسة روايات معينة، وأن أكثر ما يوظف لتمريرها هو الفتاوى التي تصدر عن بعض من يسمون أنفسهم علماء، محذراً من أثر هذه الفتاوى على عامة الناس، حتى وإن صدرت ممن وصفهم بعلماء السوء، لأن الفتوى يمكن أن يكون لها وقع لدى الجمهور، ولذلك يرى أن مواجهة هذا الخطر مسؤولية مباشرة على العلماء الربانيين.
باكستان وموقفها من العدوان على اليمن:
وفي ما يتعلق بباكستان، يستحضر الشيخ الأزهري موقفها في بدايات العدوان على اليمن، قائلًا إن الدولة الباكستانية كانت لها آنذاك موقفها ولم تنخرط في الحرب، معتبرًا أن موقفها في تلك الفترة كان حكيمًا.
ويتساءل عما تغير اليوم، وما الذي يدفع النظام السعودي، بحسب طرحه، ببعض الأطراف، ومنها باكستان، نحو الانخراط والتورط في استهداف اليمن والشعب اليمني.
ويشدّد على أن أهل باكستان والحكومة الباكستانية ينبغي أن يتعاملوا مع هذا الملف بالحكمة والحقيقة، وألا يتحولوا إلى أدوات لزيادة الخلافات والصراعات بين الدول الإسلامية.
ويشير الأزهري إلى وجود تمويل لبعض العلماء في باكستان ودول أخرى، معتبرًا أن بعض الجهات تنفق الأموال على العلماء لشراء أصواتهم ومواقفهم، وأن من يتلقى المال قد يتحدث بالخطاب الذي تريده الجهة الممولة.
ويحذر في الوقت نفسه من تعميم هذا الأمر على المجتمع الباكستاني كله، موضحًا أن ما يظهر على شاشات التلفزيون أو وسائل التواصل الاجتماعي من مواقف بعض الأشخاص لا يمثل بالضرورة موقف الشعب الباكستاني.
ويقدم مثالًا على ذلك، موضحًا أن ظهور عالم كبير ذي لحية وهو يتحدث مؤيدًا للسعودية لا يعني أن الباكستانيين جميعًا يؤيدونه، بل يمكن أن يكون المجتمع نفسه غير محب له أو غير موافق على موقفه.
ويتطرق الأزهري إلى الواقع الداخلي في باكستان، مشيرًا إلى أن النظام السعودي يحاول، بحسب ما يرى، توظيف بعض الوقائع الداخلية، وخصوصًا الوضع الاقتصادي، لدفع أطراف نحو التورط في أجنداته.
ويربط ذلك بالعدوان العسكري على اليمن، الذي يقول إنه بدأ منذ عام 2015 ويتجدد اليوم بمزيد من التصعيد، مؤكداً أن باكستان وغيرها من الدول ينبغي أن تتعامل مع الملف بالحكمة والحقيقة، وألا تسمح باستغلال أوضاعها الداخلية لزيادة الخلافات والصراعات بين الدول الإسلامية.
وفي سياق متصل، يرى الشيخ الأزهري أن تقديم باكستان نفسها كطرف وسيط بين الدول الإسلامية يمثل توجهًا إيجابيًا، مشيرًا إلى أن الدول الإسلامية تحب باكستان لهذا الدور، إضافة إلى ما تمتلكه من قدرات وإمكانات، جازماً بأن باكستان قادرة على المساهمة في جمع الدول الإسلامية والوساطة بينها، داعيًا إلى استخدام هذه المكانة في معالجة الخلافات وليس في توسيعها.
ويشير إلى الاتفاقات التي جرت في مكة، مؤكدًا أن الدول الإسلامية ينبغي أن تسعى إلى التفاهم والوساطة، وأن معالجة الخلافات لا ينبغي أن تتحول إلى مواجهات تزيد الصراع بين المسلمين.
مسؤولية العلماء في مواجهة تسييس المقدسات:
ويشدد الأزهري على أن من أهم أدوار العلماء اليوم تحصين الجماهير والمسلمين من “العاطفة الدينية غير المنضبطة”، التي يمكن أن يستغلها السياسيون ويوظفونها في اتجاهات تخدم مصالحهم.
ويعتبر أن هذه العاطفة قابلة للتوظيف، ولذلك فإن العلماء مطالبون بتوضيح الحقائق للناس وعدم تركهم أمام الروايات التي تُطرح عليهم دون بيان أو تدقيق.
ويؤكد أن التواصل مع العلماء الربانيين في كل دولة إسلامية يمثل وسيلة أساسية في هذا المجال، داعيًا إلى التواصل بين علماء اليمن وعلماء باكستان وسائر العلماء الربانيين، حتى تُشرح الحقائق وتُوضح المواقف.
ويرى الشيخ الأزهري أن صمت العلماء يمثل مشكلة أساسية، لأن الناس عندما لا يجدون من يوضح لهم الحقائق يصبحون أكثر عرضة لتلقي الروايات وتمريرها، مضيفاً أن الطرف الآخر يتواصل وينفق الأموال ويمتلك القوة والإمكانات، ولذلك لا ينبغي ترك الساحة خالية من التواصل والتبيين.
كما يرى أن الناس يقتنعون عندما تتكرر أمامهم الحقائق وتُشرح لهم الأدلة، مؤكدًا أن التوضيح يجب أن يكون مستمرًا وليس موقفًا عابرًا.
وينوّه الشيخ الأزهري إلى أهمية وسائل التواصل الاجتماعي في توضيح الحقائق، معتبرًا أن التواصل يجب أن يتم بلغات متعددة، منها الأوردية والإنجليزية والعربية، حتى تصل الرسالة إلى مختلف شرائح المسلمين.
ويتطرق إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تمثل دورًا مهمًا في هذه المواجهة، خصوصًا أن الطرف الآخر يستغلها أيضًا، مشيرًا إلى ما وصفه بـ”جيوش الذباب الإلكترونية” التي يتم توظيفها في الحملات والتأثير في الرأي العام.
ويعود الأزهري للتأكيد على وجود فجوة في التواصل والترابط بين علماء اليمن وعلماء باكستان، معتبرًا أن هذه الفجوة تتيح للآخرين استغلال الفرصة وتمرير ما يريدون.
ويشدد على ضرورة تقليل هذه الفجوة، وتكثيف التواصل بين علماء البلدين، وتوضيح ما هو صحيح وما هو غير صحيح، وعدم ترك الناس أمام الروايات دون رد أو بيان، مبيناً أن التواصل والتبين والتوضيح تمثل طرقًا أساسية لمواجهة هذه المرحلة، ثم التوكل على الله سبحانه وتعالى.
مفتي عُمان ومفتي ليبيا والثبات على الموقف:
ويستذكر الأزهري موقف مفتي عُمان ومفتي ليبيا، مشيرًا إلى تعرضهما لحملات شرسة من جانب النظام السعودي، عبر ما وصفه بالجيوش الإلكترونية.
ويؤكد أن ثبات العلماء على مواقفهم في هذه المرحلة يمثل خدمة مهمة للأمة، لأن الأصوات التي ترتفع هنا وهناك، رغم قلتها، تظل ذات قيمة وأهمية، مشيراً إلى أن هذه الأصوات تواجه نظامًا يمتلك إمكانات مادية وضغوطًا سياسية وإرهابًا سياسيًا على مستوى الأنظمة والدول، ولذلك فإن ثبات عالم أو أكثر على موقفه يكتسب أهمية خاصة.
ويصف الأزهري المرحلة الحالية بأنها محطة مهمة وكبيرة وحساسة تضع العلماء أمام مسؤولية كبيرة جدًان لافتاً إلى أنه لا يوجد عصر أو زمان يخلو من عالم سوء وعالم رباني، كما أنه لا يوجد نظام في العالم إلا ويحتضن بعض العلماء ويوظفهم.
ويرى أن الأنظمة تدرك حساسية موقع العلماء وقيمة هذه الفئة وقدرتها على التأثير في أوساط الأمة، ولذلك فإن توظيفها عبر الفتاوى وخطب الجمعة والتحريض والتجييش يمكن أن يكون ذا أثر واسع في واقع المسلمين.
ويقول إن النظام السعودي، بحسب طرحه، يدرك هذه الحساسية ويستخدم هذه الفئة لتمرير مواقف معينة، بما في ذلك الروايات المتعلقة باليمن والمقدسات.
وفي جانب آخر، ينتقد الأزهري ما وصفه بفتاوى تصدر عن بعض المفتين وتتناول التبرك بسيدنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، معتبرًا أن إصدار فتاوى تصف ذلك بالشرك يمثل إساءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويؤكد أن العلماء مطالبون ببيان هذه المسائل بالوضوح والدلائل والبراهين، حتى يعرف الناس حقيقة الخطأ والكذب، ولا تُمرر إليهم الأحكام غير الصحيحة على أنها حقائق شرعية.
ويتساءل عن وجود أمر يمكن أن يكون أعظم من عظمة النبي صلى الله عليه وسلم، مؤكدًا أن مكانة الحبيب المصطفى لا ينبغي أن تكون محل استهداف أو إساءة من خلال فتاوى يراها غير صحيحة.
وحدة المسلمين وقضية فلسطين:
ويستحضر الشيخ الأزهري الحديث النبوي: “المؤمن جسد واحد”، مؤكدًا أن المسلمين ينبغي أن يشعروا بآلام بعضهم، ومتسائلًا عن كيفية استمرار اضطهاد الفلسطينيين دون أن يشعر بعض المسلمين بهذه القضية.
ويشير إلى أن المظلومين يعانون منذ زمن، وأن المسلمين سيقفون أمام الله سبحانه وتعالى، ولذلك يجب عليهم أن يجتهدوا ويبذلوا ما يستطيعون من أجل التبيين والتواصل وتوضيح الحقائق.
ويؤكد أن المسؤولية تقع على الجميع بحسب الاستطاعة، ثم التوكل على الله سبحانه وتعالى، معتبرًا أن المرحلة الراهنة هي من أزمنة الفتن التي سبق للنبي صلى الله عليه وسلم أن حذر منها وبيّن للأمة كيفية التعامل معها.
ويجّدد الشيخ الأزهري التأكيد على أن مواجهة هذه المرحلة ينبغي أن تتم بالعودة إلى منهج النبي صلى الله عليه وسلم، وفي مقدمته التبين والتوضيح والرجوع إلى الحقائق، منوهاً إلى أن أهل اليمن يتحملون المشكلات والمصائب، ولا يرون في ذلك مشكلة ما داموا متمسكين بما يعتبرونه حقًا، داعيًا إلى التوكل على الله سبحانه وتعالى.
وفي ختام حديثه، يخلُص الشيخ الدكتور عزيز الأزهري إلىأن الطريق لمواجهة الفتن والروايات المضللة يبدأ بالتثبت من الأخبار، ثم التواصل بين العلماء، وتبيين الحقائق للناس، وعدم ترك الساحة أمام الفتاوى والحملات التي تستغل العاطفة الدينية، مؤكدًا أن النجاح في مواجهة هذه المرحلة يكون بالتمسك بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم.
