مراكز بحثية ومؤسسات إعلامية: اليمن يُعيد رسم التوازنات ويفرِض مرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية

4

ذمــار نـيـوز || متابعات ||
29 سبتمبر 2026مـ – 18 ربيع الثاني 1448هـ

تناولت العديد من مراكز الدراسات والصحف الدولية والإقليمية التحولات الاستراتيجية الجارية في المنطقة، مسلطة الضوء على تعاظم النفوذ اليمني في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وانعكاسات ذلك على معادلات الصراع الإقليمي والدولي وتراجع الدور الأمريكي في حماية حلفائه.

وترى نلك الدراسات أن سيطرة القوات المسلحة اليمنية على الساحل الغربي ومضيق باب المندب قد أعادت رسم معادلات القوة والنفوذ، وفرضت قواعد اشتباك جديدة تُقلص خيارات التحالفات وتدفع القوى الكبرى، وفي مقدمتها أمريكا، إلى إعادة تقييم انخراطها المباشر في أي حرب تقدم عليها.

التقدم الميداني مصدر نفوذ يمني طويل الأمد

يرى معهد تحليل العلاقات الدولية الإيطالي (IARI) أن التقدم اليمني باتجاه مضيق باب المندب يمنح الجغرافيا دوراً حاسماً في موازين الصراع، بما قد يحول المضيق إلى “مضاعف استراتيجي” يرفع كلفة الملاحة ويزيد الضغوط على التجارة والأمن الإقليميين، حد تعبير المعهد.

ويشير المعهد إلى أن التطورات الأخيرة على الساحل الغربي أعادت اليمن إلى صدارة ديناميكيات الأمن الإقليمي، موضحاً أن السيطرة على المخا وباب المندب غيّرت الأهمية الاستراتيجية للصراع.

ويستقرئ أهمية باب المندب باعتباره ممراً بحرياً حيوياً بين البحر الأحمر وخليج عدن، لافتاً إلى أن تأثير اليمنيين لا يتطلب بالضرورة إغلاق المضيق أو السيطرة الدائمة عليه، بل يمكن أن يتحقق عبر جعل الملاحة أكثر خطورة وكلفة وأقل قابلية للتنبؤ، مستفيدين من القرب الجغرافي والقدرات العسكرية غير المتناظرة.

ويركز المعهد على ما تسميه الدراسة “مضاعف القوة الجغرافي”، مبينًا أن الجمع بين الموقع القريب من المضيق والصواريخ والطائرات المسيرة والشراكات الإقليمية يتيح لليمنيين فرض تكاليف اقتصادية وعسكرية على أطراف تمتلك موارد تقليدية أكبر بكثير، بما يمنحهم قدرة على التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية الدولية.

ويخلص المعهد الإيطالي إلى استنتاج فحواه أن الاختبار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في قدرة اليمنيين على تحويل تقدمهم الميداني إلى أداة نفوذ مستدامة؛ فإذا تمكنوا من ترسيخ مواقعهم مع الاحتفاظ بقدرة على تهديد الملاحة السعودية بشكل انتقائي، فقد يتحول باب المندب إلى مصدر نفوذ طويل الأمد.

الهيمنة الأمريكية تتراجع واليمن يدفع واشنطن لإعادة التموضع

في السياق، تجزم مجلة “الإيكونوميست” البريطانية في افتتاحيتها بأن الحرب على إيران وتطورات العدوان السعودي على اليمن تكشفان بداية تراجع الهيمنة الأمريكية على المنطقة، معتبرةً أن واشنطن تتجه إلى تقليص التزاماتها العسكرية المباشرة، وترك النظام الإقليمي أمام قوى محلية لتملأ الفراغ.

وتستهل المجلة قراءتها بالإشارة إلى أن أمريكا، رغم استمرار انخراطها العسكري، تتجه للتخلي عن دورها كمهندس للنظام الإقليمي، موضحة أن واشنطن رفضت مؤخراً الانضمام إلى السعودية في عدوانها على اليمنيين، واختارت بدلاً من ذلك إجراء محادثات لتجنب استهداف السفن الأمريكية في البحر الأحمر، وهو ما تعتبره المجلة مؤشراً على رغبة القوة الكبرى في تقليص التزاماتها بالتزامن مع توقعات بخفض وجودها العسكري في المنطقة حيث تنتشر قواتها في تسع عشرة قاعدة.

ويربط المقال الانكفاء الأمريكي بإعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية لواشنطن، موضحاً أن تعرض القوات الأمريكية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة يدفعها إلى إعادة تمركز قواتها، بينما تركز إدارة ترامب على المنافسة مع الصين وعلى تعزيز حضورها في الأمريكيتين، معتبرةً أن حروب الشرق الأوسط تستنزف مخزوناتها العسكرية وقوتها التي قد تحتاج إليها في آسيا، في وقت تحولت فيه الولايات المتحدة من مستورد للنفط إلى مصدر كبير، بينما أصبحت الصين المستفيد التجاري الأكبر من نفط الخليج وقناة السويس.

وتستقرئ المجلة القوى التي قد تسعى إلى استثمار الفراغ الأمريكي، محددة إيران وتركيا وكيان العدو الصهيوني بوصفها أبرز القوى الإقليمية القادرة على تعزيز نفوذها؛ مشيرةً إلى أن طهران قد تسعى إلى توسيع نفوذها في حال بقاء النظام وكذلك السيطرة على أوراق ضغط مرتبطة بمضيق هرمز وإعادة بناء شبكاتها الخارجية، بينما تعزز تركيا علاقاتها مع الدول العربية وتوسع حضورها في سوريا والعراق، في حين يحافظ العدو الصهيوني على التفوق العسكري والاستخباراتي وتعميق علاقاته مع الإمارات.

وتتطرق المجلة إلى تداعيات هذا التحول على الدول العربية، لافتةً إلى أن دولاً مثل العراق وسوريا لا تزال تتعافى من الحروب، بينما تواجه مصر أزمات داخلية، وتعتمد الملكيات الخليجية في أمنها على المظلة الأمريكية، فضلاً عن التنافس بين قطر والإمارات والسعودية؛ وترى المجلة أن هذا الوضع يترك المنطقة أمام أحقاد وحسابات غير محسومة، واختبار صعب لقدرتها على إدارة مرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية.

تحذيرات يمنية باستهداف القيادة والسيطرة السعودية

بدوره؛ رصد معهد دراسة الحرب الأمريكي (ISW) استمرار التصعيد السعودي ضد اليمن، لافتًا إلى تواصل الغارات السعودية على مناطق يمنية، بالتزامن مع استمرار الهجمات اليمنية بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف داخل المملكة، وسط تحذيرات يمنية من استهداف مواقع القيادة والسيطرة السعودية في حال تجاوز الخطوط الحمراء.

ويشير المعهد إلى مواصلة السعودية شن غارات جوية على اليمن، ناقلاً عن المتحدث العسكري اليمني العميد يحيى سريع قوله إن السعودية نفذت سبعاً وعشرين غارة استهدفت سوقاً وجسوراً وطرقاً في شرق اليمن وشماله، فيما أظهرت لقطات نشرها حساب للاستخبارات مفتوحة المصدر أضراراً لاحقة بجسر الدليل في مديرية المخادر بمحافظة إب عقب غارة سعودية.

وتتطرق الدراسة إلى استمرار الهجمات اليمنية بالصواريخ والطائرات المسيرة على السعودية، مشيرة إلى أن السلطات السعودية أصدرت إنذارات مبكرة لخميس مشيط ومحافظة جيزان وأبها، بالتزامن مع تهديد وزير الدفاع اليمني محمد العاطفي ورئيس هيئة الأركان المداني بمواصلة استهداف القواعد العسكرية والمصالح الاستراتيجية والأهداف الاقتصادية في أنحاء المملكة.

ويستعرض المعهد تداعيات التهديدات اليمنية على التحركات العسكرية الإقليمية والدولية، موضحاً أن العاطفي والمداني حذرا من استهداف مواقع القيادة والسيطرة في السعودية إذا تجاوزت المملكة الخطوط الحمراء اليمنية.

صنعاء تعزّز حضورَها البحري وتكثّف رسائل الطمأنة لربابنة السفن

في سياق متصل، تحدثت صحيفة الأخبار اللبنانية عن تطورات الملاحة في مضيق باب المندب، لافتةً إلى ارتفاع حركة عبور السفن للمضيق رغم حملات التخويف المرتبطة بسيطرة اليمن على المضيق، بالتزامن مع تأكيد صنعاء أن الملاحة الدولية آمنة ومفتوحة للجميع، باستثناء السفن السعودية المشمولة بالحظر البحري.

وتشير الصحيفة إلى ارتفاع حركة السفن العابرة لباب المندب بنسبة 33% خلال الأسبوعين الماضيين، موضحة أن معدل العبور ارتفع من سبع وعشرين سفينة يومياً قبل استعادة اليمن السيطرة على المضيق في الحادي عشر من سبتمبر إلى أكثر من أربعين سفينة وناقلة نفط يومياً بعد ذلك، فيما تجاوز عدد الناقلات التي عبرت المضيق خمسمائة ناقلة، بينها أربعمائة وثمانٍ خلال الفترة من أربعة عشر إلى واحد وعشرين سبتمبر.

وتنقل صحيفة الأخبار عن مصدر اقتصادي في صنعاء تأكيده استقرار حركة الملاحة في جنوب البحر الأحمر وباب المندب، موضحاً أن الحركة الحالية تمثل نحو 70% من مستواها الطبيعي قبل أزمة مضيق هرمز وقبل فرض الحظر البحري على السعودية في عشرين يوليو، مع توقع ارتفاع العبور إلى أكثر من خمسين سفينة وناقلة يومياً في حال التوصل إلى اتفاق بشأن هرمز، وعودته إلى مستواه الكامل في حال استجابة الرياض لمطالب صنعاء وعودة السفن السعودية إلى العبور.

وتنقل الأخبار تأكيد صنعاء التزامها بحرية الملاحة الدولية، ورفضها أي تدخل خارجي في باب المندب، مشيرة إلى أن وزارة الخارجية ومركز عمليات تنسيق الشؤون الإنسانية وصلا إرسال التطمينات إلى الدول وشركات الملاحة.

وتعدّد الصحيفة الإجراءات التي اتخذتها صنعاء لتأمين الممر الملاحي وتعزيز حضورها حول المضيق، مشيرة إلى نشر دوريات بحرية في محيط جزر زقر وحنيش وميون، وتعزيز الوجود في المياه الإقليمية والساحل الغربي، إلى جانب تكثيف بث الرسائل التطمينية عبر أجهزة الراديو إلى ربابنة السفن، مع التشديد على إبقاء أنظمة التعريف الآلي مفتوحة.

وتنقل الصحيفة تأكيد صنعاء التزامها بحرية الملاحة الدولية ورفضها أي تدخل خارجي في باب المندب، مشيرةً إلى أن وزارة الخارجية ومركز عمليات تنسيق الشؤون الإنسانية واصلا إرسال التطمينات إلى الدول وشركات الملاحة، فيما رد عضو المكتب السياسي لأنصار الله محمد الفرح على بيان دولي وقعته ثمانون دولة مؤكداً أن ممارسة اليمن سيادته على أراضيه وسواحله ومياهه لا تهدد التجارة العالمية، وأن باب المندب جزء من السيادة الوطنية ما دامت صنعاء ملتزمة بحرية الملاحة.

واشنطن غير مستعدة لخوض حرب جديدة نيابة عن الرياض

يرى موقع “أراب إكسبرت” أن التطورات اليمنية تضع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أمام اختبار صعب لشبكة التحالفات التي سعى إلى بنائها خلال السنوات الأخيرة، بعدما كشفت التطورات أن الاتفاقيات الدفاعية الجديدة لا تعني بالضرورة استعداد الحلفاء لاستخدام القوة، فيما لا تبدو واشنطن مستعدة لخوض حرب جديدة نيابة عن الرياض.

ويشير الموقع إلى أن التقدم اليمني على ساحل البحر الأحمر بالقرب من باب المندب غيّر طبيعة التهديد الذي تواجهه السعودية، موضحاً أن إطلاق صاروخين بالستيين باتجاه الرياض في التاسع عشر من سبتمبر، إلى جانب صواريخ كروز وطائرات مسيرة، تزامن مع سيطرة اليمنيين على مواقع استراتيجية، بما يمنحهم قدرة أكبر على الضغط على صادرات النفط السعودية عبر البحر الأحمر.

ويركز الموقع على الموقف الأمريكي باعتباره محور الأزمة بالنسبة للرياض، موضحاً أن تقارير إعلامية أمريكية تحدثت عن توجه بن سلمان إلى ترامب مرتين لطلب تنفيذ هجوم على اليمنيين، غير أن واشنطن قررت عدم شن عملية مباشرة واكتفت بعرض مساعدة استخباراتية ودعم للعمليات التي تنفذها السعودية بنفسها، في ظل انخراط الولايات المتحدة في مواجهة مع إيران ومخاوف من اتساع الحرب إلى جبهة إقليمية جديدة.

ويستقرئ الموقع حدود شبكة الأمان التي حاول بن سلمان بناءها خارج المظلة الأمريكية، مشيراً إلى اتفاقيات الدفاع الموقعة مع تركيا وباكستان، فيما يضع استمرار التقدم اليمني هذه الترتيبات أمام اختبار عملي بشأن قدرة الحلفاء على تقديم دعم عسكري مباشر.

ويخلص الموقع إلى أن الأزمة الحالية تضع هامش المناورة السعودية أمام اختبار غير مسبوق، إذ تواجه الرياض تهديداً لا يقتصر على حدودها الجنوبية بل يمتد إلى باب المندب وطرق تجارة وصادرات النفط، بينما لا تبدو واشنطن مستعدة لخوض حرب نيابة عنها، كما لم تثبت التحالفات الجديدة مع الرياض قدرتها على التدخل العسكري، وهو ما يدفع الموقع إلى التساؤل عن حدود الاستقلالية الاستراتيجية التي سعى بن سلمان إلى تكريسها خلال السنوات الماضية.

التصعيد السعودي سيفتح جبهات جديدة ويُخرِجُ الأزمة عن السيطرة

عل ذات الصعيد، تناولت صحيفة “ذا نيوز ناشيونال” الباكستانية تصاعد النشاط اليمني على ساحل البحر الأحمر، معتبرة أن التقدم نحو المخا وجزيرة ميون أعاد باب المندب إلى واجهة الحسابات الإقليمية، بالتزامن مع مساعٍ باكستانية لإشراك إيران في ضمان أمن المضيق ومنع اتساع مسارات التصعيد.

وتشير الصحيفة إلى أن التقدم اليمني على ساحل البحر الأحمر يعزز القدرة على التحكم بحركة الشحن السعودية عبر باب المندب، موضحة أن العامل اليمني بات حاضراً في معادلة الصراع الإيراني الأمريكي، رغم عدم خضوع اليمنيين للسيطرة الإيرانية.

وتنقل الصحيفة عن السفير الباكستاني الأسبق لدى إيران “آصف دراني”، تأكيده استقلالية القرار اليمني، موضحاً أن المساعدة الإيرانية رغم الاتصالات الوثيقة، لا تعني ممارسة طهران السيطرة على اليمنيين، وأن الدعم الإيراني يخدم مصالحها الاستراتيجية دون أن يعني بالضرورة توجيه أي تحرك يمني أو الموافقة عليه مسبقاً.

وتستعرض الصحيفة التحركات الباكستانية الرامية إلى احتواء التصعيد عبر القنوات الدبلوماسية، مشيرة إلى سعي إسلام آباد لإقناع طهران بدفع اليمنيين نحو مسار السلام، تقديم ضمانات بشأن فتح مضيق باب المندب وأمن الملاحة فيه، إلى جانب طرح إمكانية إشراك إيران والسعودية في جهود أوسع لمعالجة تداعيات الأزمة على المستوى الاستراتيجي.

وتحذّر الصحيفة الباكستانية من أن مسارات التصعيد قد تخرج عن نطاق السيطرة، لافتةً إلى أن أيّ تحرك سعودي ضد اليمنيين أو تدخل أمريكي مباشر قد يفتح جبهات جديدة.