من ضفاف الارتهان إلى قمة الاستقلال: ثورةٌ أزاحت الوصاية وأعادت صياغة المنطقة !
ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
25 سبتمبر 2026مـ – 14 ربيع الثاني 1448هـ
بقلم// أمة الملك قوارة
من بين أصقاع التبعية إلى ضفاف الحرية، ومن عمق الارتهان إلى قمة الاستقلال، تحاول المفردات هنا أن تجد معانيها لتصف ثورةً بدأت بلفظ، وانتهت بفعلٍ يتردد صداه على آذان العالم. ثورةٌ غُذّيت أولى خطواتها بدماء قائدها، ثم حَمِيَ وطيسُها بأشلاءِ من قرروا الخروج من حضيض الذل على نهج قائدهم، واشتعلت بدماء شعبٍ أراد العزة؛ ثورةٌ ضُرِبت بعنف، ولولا أن عظامها من حديد لكانت قد تهشّمت تهشيماً، ثم سُحِقت من أخمص قدميها إلى نخاعها لما يتجاوز العقد من الزمن وأكثر. وتلك المرحلة بذاتها هي التي عمّقت جذورها، وكانت تخرج في كل مرة بتحديث وإصدار جديد أقوى من سابقاتها…
تمتعت ثورة 21 سبتمبر بالوضوح التام والشفافية المطلقة؛ فدلالاتها بارزة، وأهدافها بيّنة، وقضيتها معروفة. وما جعلها تستمر وتواجه العواصف هو قوة وأحقية قضيتها التي امتدت من أرض اليمن إلى فلسطين؛ وهذا أكبر عامل برزت الثورة من خلاله قوية، إذ بيّنت الأحداث أن تلك الثورة ليست محصورة ضمن مساحة جغرافية محددة. وقد باتت كل عناوينها تظهر جلية مع تعاقب الأحداث والحروب في المنطقة، إذ أبت أن تقف صامتة بينما الأوطان العربية والإسلامية تُضرَب من قِبل الأعداء.
انطلقت ثورة 21 سبتمبر بدوافع متعددة: دينياً، وسياسياً، واقتصادياً، وعسكرياً، وثقافياً. ونستطيع القول إن دوافعها امتزجت بأهدافها في مجالات الحياة جميعها؛ حيث لم يكن هناك مجالٌ واحدٌ لم يخضع للوصاية والارتهان:
فدينياً: تم ضرب المذاهب الحقة واستبدالها بمذاهب أخرى تخدم أولياء الأمور الذين بدورهم يخدمون الأعداء، وحُوصِرت المناهج الدراسية، وانزوى تأثير القرآن الفعلي في حركة الحياة مع فصلٍ تامٍ للقرآن عنها، وبدأت تتجسد بقوة الحركة العلمانية.
سياسياً: أصبحت التبعية للقرارات والتوجيهات والسياسات الغربية شيئاً لا مفر منه ومُسلَّماً به.
اقتصادياً: أصبحنا سوقاً تُرمى فيه المنتجات المستوردة بجميع أصنافها وأشكالها.
عسكرياً: أصبحت الجيوش مفرغة من أهدافها، وما تم تدميره وهيكلته في بنيان الجيش اليمني وأسلحته أكبر دليل على ذلك.
ثقافياً: باتت الثقافة الغربية هي الحضارة المعاصرة، وما بها من رذائل هو السمو، وأصبحت الثقافات الهجينة سائدة على حساب الهوية الإيمانية والعادات والتقاليد القبلية المعروفة بعمق شرفها واقتباسها من الدين نفسه.
وما ذُكِر إنما هو جزء بسيط وصورة مصغرة للدوافع التي انطلقت لأجلها الثورة. وما كان ينطبق على اليمن كان ينطبق على مختلف البلدان العربية، ناهيك عن استمرار احتلال فلسطين والتمادي في ظلمه وسلب حقوقه، جاعلين منه منطلقاً لتحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى”!
بدأت انعكاسات الثورة تظهر في بداياتها الأولى مع بروز زخمها تدريجياً، وبدأت تزيح رداء الوصاية عن مجالات الحياة. ولعل غذاءها الوحيد الذي اتخذت منه زاداً دائماً وأساساً صلباً هو الرجوع إلى الهوية الإيمانية لتصحيح المسار، وهذا ما أخاف الأعداء ليجتمع شذاذ الآفاق عليها بعد أن أدركوا حجم خطورتها. وتنوعت الأدوار حتى وصل الأمر بالدول التي تسمي نفسها “عظمى” أن تأخذ زمام المبادرة بنفسها بعد أن فشلت الأدوات والأذرع؛ ليصل الحال بقمة الهرم أن يشن الحرب بنفسه، فبعد السعودية وانهزامها، أخذت أمريكا وبريطانيا وإسرائيل زمام المبادرة، لتأخذ الثورة زمام الدفاع وتستغل الميزات والمتغيرات وتستفيد من كل التهيئات الإلهية لتجرّ الصراع إلى منعطفٍ إقليمي، وتثبت معادلة البحار المطلة عليها والمضيق! وهو الخوف والخطر الذي كانت تحسب له أمريكا وإسرائيل ألف حساب، والذي بسببه شُنّت الحروب الأولى، إضافة إلى ما يتمتع به اليمن من ثروات متعددة يسيل لها اللعاب.
وهنا، وبالرغم من التضحيات التي قُدِّمت والصعوبات الجمة التي واجهتها الثورة، كان اليمن يخطو نحو تثبيت معادلة الحرية والاستقلال والسيادة بكامل طاقته وبكل جهده، ولم ينأَ أو يتوقف وإلا لكان الحال إلى غير حال. وهذا هو أعظم انعكاس جسدته الثورة؛ فمن أصقاع الفكر والثقافة التي تَعدَّل إلى بسط النفوذ على ما هو حقٌ لليمن والشعب، إلى المشاركة في القضايا الكبرى لتقول للعالم: “أنا الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، والمتغير الذي سيفرض موازين أخرى لم يعهدها العالم من قبل”.
ظهرت الثورة بمعايير قلّ مثيلها في إنسانيتها وتسامحها في حربها وسلمها وحوارها، لتثبت للعالم مدى حضارة المشروع الذي تحمله ورقيه وسموه. وبينما كانت تخوض الحروب بشدة على الأرض، كانت تخوض الحرب السياسية بحنكة ولم تترك للأعداء الفرصة، واتخذت من المسار الإعلامي الأداة والوسيلة لتقديم الشاهد والدليل على عظمتها في مبادئها وقيمها. وهذا ما جعل العدو وأبواقه يجنّ جنونهم وتنكشف أساليبهم الزائفة للعالم.
