بعد سقوط رهانها العسكري.. السعودية تلجأ لتزييف الوعي والتوظيف السياسي للمقدسات

1

 

تقرير || وديع العبسي

​في الحروب المعاصرة، عندما تعجز الخيارات العسكرية التقليدية عن تحقيق حسم ميداني أو إيجاد غطاء أخلاقي يبرر استمرار المعارك، يلجأ الطرف الأضعف أداءً وإنجازاً إلى ممارسات إعلامية وسياسية تقوم على التزييف وتوظيف العاطفة الدينية بهدف إعادة تشكيل الوعي الجمعي وتوجيهه.

وخلال اثني عشر عاماً من العدوان، تكرر لجوء النظام السعودي إلى تفعيل كتائبه الإعلامية لتسويق شائعات تحاول تحميل اليمن مسؤولية انتهاكات تتنافى مع القيم والعقيدة. ورغم أن المعطيات كانت تثبت العكس حتى بات العدو موصوماً بكثير من الانتهاكات، إلا أنه استمر في هذه المنهجية التي باتت عقيمة ولا تستقيم مع واقع الحال.

​قبل أيام، عادت الرياض مرة أخرى لاستجداء المعونة من الآخرين ولو بالخديعة والكذب؛ فزعمت بكل جرأة بأن القوات المسلحة اليمنية تخطط لـ “استهداف مكة المكرمة”، وهو نموذج صارخ لما يُعرف بالتوظيف السياسي للمقدسات الإسلامية. بينما يؤكد إخضاع هذه المزاعم للتحليل العقلي والقراءة الاستراتيجية المنضبطة بأن استهداف اليمن للمقدسات ليس فقط أمراً غير واقعي، بل هو محال عقلاً، ومنطقاً، وإيديولوجياً، واستراتيجياً.
​الارتباط الروحي بين اليمنيين والبيت الحرام

​يستنكر المكتب السياسي لأنصار الله بوضوح هذا الطرح، ويصفه -بأدبيات قاطعة- بأنه “أكبر أكذوبة في هذا العصر، وافتراء سخيف ومرفوض جملة وتفصيلاً”. وهذه مسألة تنطلق من “المنطق العقائدي والثقافي” المكوِّن للهوية الإيمانية اليمنية؛ فالشعب اليمني هو تاريخياً وإسلامياً جزء أصيل من نسيج الأمة التي أسست الحضارة الإسلامية ودافعت عن مقدساتها، ويُعرف اليمنيون بكونهم أحفاد الأنصار. وتستحكم محبة المقدسات الإسلامية -وفي مقدمتها مكة المكرمة والبيت الحرام- بوجدانهم الجمعي؛ حيث تمثل الكعبة المشرفة محط أفئدتهم ورمز توحيدهم.

بل إن الامتداد الجغرافي والروحي للكعبة المشرفة ذاتها يحتفظ في بنيته التأسيسية بـ “الركن اليماني”، وهو الشاهد التاريخي والحضاري الخالد على هذا الارتباط الروحي والوجودي المباشر الذي يجمع اليمنيين بالبيت الحرام. وعلى ذلك، يتضح ضعف وبطلان الادعاء بأن اليمن -الذي يعتمد في أدبياته الثورية والميدانية على القرآن الكريم- يمكن أن ينتهج سلوكاً كهذا.

يؤكد مراقبون أن الادعاء السعودي القصد منه إثارة المجتمع الإسلامي ضد البلد الذي تحاول الرياض منذ اثني عشر عاماً السيطرة عليه وفرض سطوتها عليه، خصوصاً بعد الانتكاسات التي مُني بها المخطط السعودي الأمريكي في اليمن. ويرى المراقبون أن الادعاء يتناقض في جوهره وظاهره مع التركيب الفكري والنفسي والديني للمجتمع اليمني وقيادته، ولا يتوافق مع منهجية أمة إيمانية تُقدم التضحيات دفاعاً عن المستضعفين في فلسطين، وتسيّر الملايين في الساحات نصرة للقرآن الكريم، وللرسول الأعظم، وللمسجد الأقصى المبارك.

​الاستهداف الحصري للمنشآت الحيوية والقواعد

​تؤكد الشواهد الميدانية والثقافية أن الشعب اليمني يتصدر الشعوب الإسلامية غيرةً على المقدسات ودفاعاً عنها؛ وحين تتجه أي إساءة خارجية للرموز الإسلامية، سواء عبر حرق المصاحف، كما يحدث في دولة الشيطان الأكبر أمريكا وأوروبا، أو الانتهاكات الصهيونية للمسجد الأقصى، تخرج المدن اليمنية -وفي مقدمتها صنعاء- بمظاهرات مليونية حاشدة تُعد الأكبر على مستوى العالم؛ تعبيراً عن الغضب والانتصار لدين الله ومقدساته. هذا السلوك الجمعي المستمر يجعل من المستحيل منطقياً قبول الأطروحة السعودية، ويجعل منها مجرد افتراءات مكشوفة تتصادم مع الحقائق والوقائع.

​ومن واقع المواجهة العسكرية خلال السنوات الماضية، ترسخ لدى العالم بأسره ما تؤكد عليه القيادة العسكرية والسياسية باستمرار، بكون عملياتها الصاروخية والسلاح الجوي المسير إنما تُدار وفق معايير دقيقة للغاية، تستهدف حصرياً المنشآت النفطية الحيوية، والقواعد العسكرية، والمطارات الحربية التابعة للعدو، وذلك في إطار “فرض معادلة الحصار بالحصار” ورفع الغطاء عن اقتصاد العدو؛ حتى يستجيب للمطالب المشروعة للشعب اليمني بوقف العدوان ورفع الحصار.

​وبالنظر إلى أهداف العمليات اليمنية، يتأكد أن بوصلة القوات المسلحة كانت ولا تزال واضحة ومحددة؛ تتجه لضرب أهداف بعيدة كل البعد عن المشاعر المقدسة والمناطق الدينية، فلم تقصف إلا أهدافاً ذات ارتباط بعمليات العدو الذي لم يراعِ حرمة إنسان أو مقدسات في اليمن طيلة سنوات العدوان المستمر.

​في ظروف الانكسار الميداني أو الإفلاس السياسي

​أيضاً، وبالاستناد دائماً إلى معطيات الواقع، فإن النظام السعودي لا يلجأ إلى إعادة تدوير نغمة “استهداف مكة” إلا في لحظات الانكسار الميداني، أو الإفلاس السياسي، أو الحرج الأخلاقي أمام الرأي العام الإقليمي والدولي. فعندما تتعرض القوات المعتدية لضربات موجعة، أو تفشل حملاتها الجوية لسنوات في تحقيق أهدافها، أو عندما تتلقى فضائح عسكرية تتمثل في تساقط أحدث طائراتها المقاتلة -كما حدث في عملية إسقاط المقاتلة السعودية (F-15) في أجواء محافظة مأرب وما رافقها من طرد للتشكيلات الجوية، أو طائراتها التجسسية- يلجأ النظام إلى افتعال معارك إعلامية جانبية، وإطلاق صرخات استغاثة عاطفية قائمة على تزييف الحقائق.

​هذا النمط من السلوك -حسب خبراء- يستهدف إعادة توجيه بوصلة التغطية الإعلامية من التحديثات الميدانية للهزائم والفشل العسكري، إلى محاولة استثارة الوجدان الديني للشعوب الإسلامية، وتشويه الصورة الناصعة للقدرات الدفاعية اليمنية المتنامية.

يشير رئيس الوفد الوطني المفاوض، محمد عبد السلام، إلى هذه الديناميكية بوضوح بتأكيده على أن إسقاط الطائرة الحربية السعودية مثّل فضيحة كبرى للعدو السعودي الذي حاول إيهام العالم بأنه لا يعتدي على اليمن، لتقوم طائرته التي تم إسقاطها في الميدان بفضحه وإبراز زيف ادعاءاته، ما دفعه للإكثار من الافتراءات لتشتيت الأنظار والتعمية على حجم خسائره وتداعي هيبة سلاحه الجوي.

​”إبستين” يفضح من ينتهك المقدسات

​وإلى ذلك، ينطوي ادعاء الرياض على “تناقض صارخ ومفارقة أخلاقية” تنعكس بالكامل على الطرف المُدّعي؛ فبينما تُروج لمزاعمها الخوف على مكة المكرمة من صواريخ اليمن، تشير الشواهد الواقعية والتاريخية إلى أن الرياض هي من تمارس الانتهاكات لحرمة البلد الحرام، وتعمل على الاستغلال السياسي والمادي له.

وكما أوضح نائب وزير الخارجية، عبد الواحد أبو راس، فإن من يسعى فعلياً لاستهداف المقدسات والنيل من قدسيتها هو من يعمل على توظيف مكانة مكة في حروبه العدوانية الظالمة ضد الشعوب المسلمة، وهو من يعمد إلى تدنيس أرض الحرمين الشريفين بإتاحة المجال للترفيه المبتذل ومظاهر الانحلال والمجون، وفتح البلاد للتواجد الصهيوني، وتطوير العلاقات الخفية والمعلنة مع كيان يغتصب المسجد الأقصى الشريف ويسفك دماء المسلمين في فلسطين.

ولعل المقارنة بين السلوكين توضح الفارق الجوهري في التعاطي مع المقدسات؛ فإلى جانب ما سبق، وانتصار اليمنيين لقضايا الأمة الكبرى وعلى رأسها القدس الشريف والأقصى المبارك، تعمد السعودية إلى تسخير مكانة الحرمين لخدمة أهداف ومشاريع غربية وصهيونية، بل ويصل الأمر إلى تقديم الهدايا الرمزية المقدسة -ككسوة الكعبة المشرفة- لشخصيات مشبوهة، ومدانين في جرائم أخلاقية دولية كـ “إبستين”، ما يشكل إهانة بالغة للمقدسات الإسلامية ولرمزيتها لدى الأمة. وهذا السلوك يؤكد أن النظام السعودي لا يتذكر حرمة مكة وقدسيتها إلا كـ “بطاقة جوكر” سياسية يتم سحبها في أوقات الأزمات؛ لتضليل المسلمين وتجييش مشاعرهم العاطفية في مواقف وخطابات منحرفة وباطلة.

​تضليل الشعوب والتغطية على الفشل العسكري

​في المحصلة، لم يعد تكرار هذه الأكاذيب ينطلي على أحد في العالم الإسلامي أو المجتمع الدولي؛ وقد بات واضحاً للجميع أن الهدف منها هو التغطية على الحصار الخانق المفروض على الشعب اليمني، والهروب من الاستحقاقات المترتبة على السلام الفعلي وإنهاء العدوان وحالة الوصاية. والرأي العام الإقليمي والدولي بات يدرك أن ما يجري في اليمن هو معركة استقلال وكرامة يخوضها شعب يرفض الخضوع أو القبول بفرض معادلات الحصار المفتوح عليه، وأنه مستمر في ممارسة حقه المشروع في الدفاع عن نفسه وردع المعتدين حتى تحقيق كافة مطالبه في الحرية والسيادة الشاملة. ​كما يكشف السياق السياسي أن إثارة هذه الادعاءات إنما يهدف إلى تضليل الشعوب والتغطية على الفشل العسكري المتواصل والانتهاكات الحقيقية التي تُمارس بحق المقدسات الإسلامية وأبناء الأمة.

ومن هنا، فإن الطريق الوحيد أمام النظام السعودي لإنهاء أزمته وتداعيات حروبه ليس بالتمادي في نشر الفبركات والأكاذيب، بل بالمراجعة الشاملة لسياساته، والوقف الفوري للعدوان، والرفع الكامل للحصار، والتعامل مع اليمن كدولة ذات سيادة واستقلال يمتلك شعبها وقواته المسلحة الإرادة والقدرة على حماية سماء بلادهم وأرضهم ومقدسات أمتهم بكل ثبات وحزم.