السفير صبري: تحرير الساحل الغربي يغيّر معادلات المنطقة ويُسقط رهانات الرياض ويقرّب كسر الحصار
ذمــار نـيـوز || أخبــار محلية ||
13 سبتمبر 2026مـ – 2 ربيع الثاني 1448هـ
قال وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية السفير عبدالله علي صبري إن الانتصار الذي حققته القوات المسلحة اليمنية في الساحل الغربي يمثل انتصارًا استراتيجيًا، ويحمل رسائل سياسية في أكثر من اتجاه، أبرزها أن المتغيرات التي شهدتها اليمن، إلى جانب ما سبقها من متغيرات خلال العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تؤكد دخول المنطقة مرحلة تراجع الزمن الأمريكي.
وخلال استضافته على قناة المسيرة مساء اليوم، أضاف السفير صبريأن هذا التحول قد لا تظهر ارتداداته كاملة في المدى القصير، إلا أن التغيير يجري لمصلحة العالم، بعد أن تسببت الهيمنة الأمريكية واستئثار النفوذ السعودي بدور واسع في المنطقة في إشعال الحروب والنزاعات والصراعات، والتدخل في شؤون دول المنطقة.
وأكد أن المنطقة تقف اليوم أمام توازنات استراتيجية ومعادلات جديدة، وأن الانتصار في منطقة استراتيجية مهمة لليمن والمنطقة والعالم يعزز حضور اليمن الذي ينتزع حريته وسيادته ويتمركز في موقع استراتيجي، ويضع نفسه على خارطة التغيير القادم.
وأشار صبري إلى أن الرسائل التي وجهتها القيادة السياسية إلى الخارج ارتبطت أيضًا بالرد على التخويف الذي يروّجه العدو السعودي وإعلامه وإعلام المرتزقة بشأن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، معتبرًا أن هذه الدعاية أسطوانة مشروخة استُخدمت منذ بداية العدوان السعودي الأمريكي على اليمن عام 2015.
واعتبر أن الرسالة واضحة، وهي أن الملاحة آمنة، وأن ما جرى ويجري يأتي في إطار مواجهة التحشيدات السعودية التي تستهدف السلم الأهلي اليمني، وليس استهداف حركة التجارة العالمية أو الملاحة الدولية.
وأوضح أن إجمالي العبور في باب المندب خلال يومي 10 و11 سبتمبر بلغ 73 سفينة؛ إذ عبرت 36 سفينة في 10 سبتمبر، و37 سفينة في 11 سبتمبر، فيما بلغ عدد السفن الداخلة 35 سفينة، والسفن الخارجة 38 سفينة.
وتطرق إلى أن اليمن لم يشهد، على مدى نحو نصف شهر، أي حادثة أمنية في البحر الأحمر أو في المسار المتصل بالملاحة السعودية، مؤكدًا أن المعركة الكبيرة التي استخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة لم تسجل أي حادثة في باب المندب أو البحر الأحمر.
وشدّد على أن العالم يتعامل في النهاية مع الوقائع، وهذه الوقائع هي التي تحدد ما إذا كان البحر الأحمر آمنًا وما إذا كانت الملاحة فيه منتظمة، لا الحملات الإعلامية والتخويف السياسي.
وفي سياق متصل، نبّه السفير صبري إلىضرورة عدم إغفال الدور الصهيوني في الفزاعة المتعلقة بالملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، مشيرًا إلى أن المجرم نتنياهو كان أول من حشد ضد اليمن وضد التغيير فيه، عندما حذر عام 2014 مما سماه وصول أنصار الله إلى باب المندب.
وبيّن أن الرواية السعودية الحالية مكملة للرواية الصهيونية، وأن التخادم بين الطرفين لا يقتصر على الجانب السياسي والإعلامي، بل يمتد إلى الميدان، موضحًا أن التحشيدات السعودية لم تكن تخدم المرتزقة أو السعودية فقط، وإنما كانت تخدم الكيان الصهيوني أيضًا، إلى جانب التنسيق مع الجانب الأمريكي.
ونوّه إلى أن الأطراف الثلاثة مشتركة في المعركة، لكن بمستويات وعناوين مختلفة، لافتًا إلى أن كشف وجود غرفة عمليات وضباط وجنود أمريكيين في العمليات الأخيرة ظهر في الإعلام الأمريكي، بينما كان هذا الدور معروفًا على مدى اثني عشر عامًا.
وذكّر بأن العدوان على اليمن كان، منذ بدايته، عدوانًا أمريكيًا وتنفيذًا سعوديًا، وأن التوجيه الأمريكي ظل حاضرًا في الحرب والحصار، موضحاً أن اليمن لا يأمن جانب السعودية والولايات المتحدة، ويدرك ما لديهما من قدرات وإمكانات، لكنه أكد في الوقت ذاته أن أي تحشيد أو حماقة جديدة لن تكون مفاجئة، وأن القوات اليمنية جاهزة لما هو أكبر.
وأشار إلى أن التحشيدات السعودية لم تبدأ خلال الأسابيع الأخيرة، بل استمرت عدة أشهر، وأن القرار كان مبيتًا، كما أن الدعم اللوجستي كان أمريكيًا وسعوديًا، وربما إسرائيليًا، ما يؤكد أن المعركة مشتركة بين أطراف العدوان.
وأكد أن نتائج المعركة ترتد على السعودية والولايات المتحدة والكيان الصهيوني جميعًا، مشيرًا إلى وجود محاولات لتغيير المعادلة والبحث عن عملية من نوع ما، لكن الظروف الإقليمية والدولية قد لا تسمح بذلك.
وقال إن جميع السيناريوهات واردة في إطار التحليل، إلا أن الولايات المتحدة تواجه خسارة كبيرة، لأن التحشيدات جاءت ردًا على مفاعيل مشاركة اليمن في معركة طوفان الأقصى، ومحاولة لإيقاف دوره الفاعل في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وباب المندب، وفي المواجهة مع الكيان الصهيوني.
وأضاف أن الأمريكي، حتى لو تخلى عن الرياض، من الصعب عليه التخلي عن الكيان الصهيوني، ولذلك لا يمكن الاطمئنان إلى مواقفه، غير أن الظروف الإقليمية والدولية الراهنة لا تساعده والسعودية على اتخاذ قرار التصعيد، وقد يكون احتواء التصعيد والبحث عن بدائل أخرى هو الخيار الأنسب لهما.
وتطرق السفيرصبري إلى أن المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة واليمن وقعت بالفعل، بعدما زج الأمريكي بقدراته العسكرية في البحر الأحمر، واضطر في النهاية إلى التوقيع على وقف إطلاق النار مع صنعاء.
ولفت إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعلن اليوم تمسكه بوقف إطلاق النار مع اليمن وعدم رغبته في التدخل مجددًا، خصوصًا في ظل التداعيات الاقتصادية المتزايدة المرتبطة بما يجري في مضيق هرمز.
واعتبر أنحديث ترامب عن اتصالات ومراسلات وغير ذلك يدخل في سياق الكذب والتدليس المعروف عنه، لكن ما وراء السطور يكشف سبب هذا التعقل تجاه اليمن، وهو أن الولايات المتحدة لا تستطيع خوض معركة أكبر بعدما جربت المواجهة وخسرت فيها.
وبيّن أن المعركة تحمل تداعيات اقتصادية على العالم وعلى الدخل الأمريكي، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات النصفية وتجديد الكونجرس، وانشغال الإدارة الأمريكية بالملف الداخلي، فضلًا عن دخول الولايات المتحدة مرحلة حرجة ضمن ما يسمى سياسة البطة العرجاء.
ورأى أن واشنطن لا تستطيع، أو لا ترى من مصلحتها، التصعيد مع اليمن في منطقة حساسة وتوقيت حساس، وفي ظل أفق غير واضح، خصوصًا مع وجود تهدئة نوعية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ودعا صبري السعودية إلى قراءة التداعيات التي فرضتها التحشيدات على واقعها، مؤكدًا أن الرياض راهنت على تحشيدات كبيرة وعلى الحماية الأمريكية، لكنها خسرت التحشيدات وخسرت الحماية، وتواجه اليوم تراجعًا اقتصاديًا متزايدًا.
وأوضح أن الأرقام، رغم التعتيم السعودي الكبير، تكشف يومًا بعد آخر الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحظر اليمني على النفط السعودي والملاحة السعودية، مؤكدًا أن هذه الخسائر ستنعكس على الداخل السعودي.
وتوقع أن السعودية تواجه ربما أكبر أزمة في تاريخ نظامها، في ظل وصول صادراتها النفطية إلى أقل من النصف، ووجود حالة ضبابية على مستوى أمن الدولة وأمن النظام، رغم الحماية الأمريكية والتحالفات التي أقامتها.
وخلُص السفير صبري إلى أن اتفاق مكة والتحالف الثلاثي والتحالف الذي ضم 14 دولة لم يظهر أي نتائج إيجابية لمصلحة النظام السعودي، وأن هذه النتائج ترتد على الداخل السعودي، وتفتح الباب أمام التفكك والانقسام، وربما تفجير الوضع من الداخل.
وفي سياق متصل، تطرق السفير صبري إلىأن سياسة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بوصفه الحاكم الفعلي في الرياض، تقوم على الإقصاء في الداخل، مشيرًا إلى وجود من يتربص به من داخل الأسرة السعودية ومن داخل المجتمع.
وأضاف أن تغيير الهوية السعودية من التشدد الديني إلى النقيض ترك تداعيات داخل المجتمع، وأن الأزمة الاقتصادية، إلى جانب غياب الشعور بالأمن، تزيد من خطورة الوضع.
وأكد أن السعودية ظلت على مدى أكثر من خمسين عامًا تنظر إلى اليمن باعتباره هامشًا، لكنها تواجه اليوم نتائج سياساتها الخاصة تجاهه، محذرًا من أن عدم تدارك الأمر سيقودها إلى أيام صعبة وسوداء.
ونوّه السفيرصبري إلى أن التحولات الإقليمية والدولية وتراجع الزمن الأمريكي سيطالان الدول التي ربطت نفسها بالحماية الخارجية منذ نشأتها، موضحًا أن السعودية اعتمدت في بداياتها على الحماية البريطانية، ثم انتقلت منذ عام 1945 إلى الحماية الأمريكية، أي أنها اعتمدت على الخارج قرابة مئة عام.
وجزم بأن السعودية لن تستطيع اليوم أن تكون قادرة على حماية نفسها بنفسها، معتبرًا أن ذلك يمثل درسًا مهمًا للدول والأنظمة التي تواصل السيطرة على الدول الأخرى والتدخل في شؤونها، فتنتقل من أزمة إلى أخرى.
أمريكا والسعودية والكيان الصهيوني.. ثلاثي يهدّد الملاحة والاستقرار العالمي:
وفي محور آخر من حديثه، ذكّر السفير صبري بأن صنعاء تحدثت منذ وقت مبكر عن عسكرة البحر الأحمر، بدءًا من ميناء المخا المطل على البحر الأحمر، مرورًا بالساحل الممتد وصولًا إلى باب المندب وما وراءه، مشيرًا إلى الدعم الأمريكي والبريطاني والسعودي للقوات التي كانت موجودة في تلك المناطق.
وأكد أن طرد التحشيدات من الساحل الغربي جعل الوضع أكثر أمانًا من ذي قبل، وأن المعادلة اليمنية تقوم على أن الملاحة الدولية تمر بسلام، بينما يقتصر الحظر على الملاحة السعودية، موضحاً أن هذا يثبت أن اليمن يستهدف المعتدي فقط، ولا يستهدف التجارة العالمية أو الملاحة الدولية، بل إن تحرير المنطقة جعلها أكثر أمانًا واستقرارًا.
وأشار إلى أن استهداف السعودية في العمق، وخصوصًا المنشآت النفطية، جاء لتجنب السردية السعودية التي تزعم وجود مشكلة في البحر الأحمر والملاحة الدولية، مؤكدًا أن الرياض جرت الاستهداف إلى عمقها.
وأوضح صبري أن اليمن سبق أن فرض حظرًا بحريًا على الملاحة المتجهة من فلسطين المحتلة وإليها، ما أدى إلى إغلاق ميناء أم الرشراش، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة تحت مسمى تحالف حارس الازدهار، وتأتي أوروبا ببعثة إسبيدس.
ولفت إلى أن الملاحة الدولية ظلت تمر بصورة انسيابية، وأن الاستهداف اقتصر على الملاحة المتعاونة مع الكيان الصهيوني، مشيرًا إلى أن السعودية نفسها كانت مستفيدة من الملاحة في البحر الأحمر ومن حالة اللا حرب واللا سلم.
وقال إن كثيرًا من الدول لم تنجر إلى تحالف حارس الازدهار، رغم الدعوات الأمريكية للانضمام إليه، كما أن مهمة إسبيدس ظلت دفاعية ولم تنفذ أي عملية هجومية على اليمن.
وأضاف أن التحالفات البحرية الأخيرة جاءت على غرار إسبيدس، وأن وجودها في البحر الأحمر مرتبط باحتمال تعرض الملاحة لاعتداء أو عمل أمني، لكن الوضع الأمني حتى الآن مستتب، وبالتالي فإن تحركات الدول ستبنى على الوقائع الميدانية.
وشدد صبري على أن عسكرة البحر الأحمر سياسة أمريكية صهيونية، أضيفت إليها اليوم السعودية، متسائلًا عن الطرف الذي يخل بأمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
وجدّد التأكيد على أن الأساطيل الأمريكية والتحشيدات الصهيونية التي وصلت إلى أرض الصومال، والتحشيدات السعودية التي وصلت إلى المخا، هي التي تهدد أمن المنطقة، وليس اليمن الذي يعمل على تأمينها.
واعتبرأن وصول القوات المسلحة اليمنية إلى هذه المنطقة الاستراتيجية يخفف من الأعمال التي كانت ربما خارج سيطرة الطرف الوطني، وسيدفع العالم إلى إدراك أن الوضع في البحر الأحمر وباب المندب بات أكثر استقرارًا، وأنه لا حاجة إلى مزيد من الأزمات.
وأمضى قائلاً: إن العالم تعلم من درس مضيق هرمز أن تأجيج المشكلات العسكرية والأمنية يرتد سلبًا على الاقتصاد العالمي، وأن الحملات الإعلامية الحالية ستتبدد كما تبددت الحملات السابقة التي كانت تتحدث عن الوصول إلى صنعاء وإنهاء أنصار الله.
وبيّن السفيرصبري أن اليمن يواجه الاستكبار العالمي الذي لن يقبل بسهولة بالوضع الجديد لمصلحة صنعاء، إلا أن الأطراف المعادية فعلت كل ما تستطيع، وواجهت ردًا قويًا وعنيفًا وناجحًا.
ونبّه إلىأن المنطق يفرض على السعودية أن تخضع اليوم وتستجيب لنداء العقل ولمصلحة الشعبين والدولتين، مشددًا على أنه لا يمكن أن تبقى اليمن محبوسة وحبيسة السياسات السعودية والهيمنة والتسلط.
وذكّر بأن خمسين عامًا من السيطرة السعودية على اليمن لم تسمح له بالنهوض أو بناء اقتصاده أو تحريك عجلة التنمية، في الوقت الذي كانت فيه السعودية وما تزال تعيش في بذخ كبير، بينما ظل اليمن محكومًا بسياسات تدخلية لا تنسجم مع قواعد حسن الجوار والعلاقات الدولية والمصالح المشروعة المتبادلة.
وفي ختام حديثه للمسيرة، دعا السفير صبري السعودية إلى دراسة نتائج المرحلة الممتدة من عام 2015 حتى اليوم، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، مؤكدًا أن الشعب اليمني مصمم على المضي نحو تحقيق أهدافه المشروعة في الحرية والاستقلال والكرامة، مهما كان الثمن، وفق معادلات الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد.
