الساحل الغربي.. تحول استراتيجي يعيد رسم موازين القوة في اليمن

3

ذمــار نـيـوز || تقارير ||

13 سبتمبر 2026مـ – 2 ربيع الثاني 1448هـ

تقرير ||وليد فاضل

تحول الساحل الغربي إلى عنوان استراتيجي أعاد رسم موازين القوة في المنطقة، فمع إعلان القوات المسلحة اليمنية السيطرة على ست مديريات واسعة المساحة وطرد التحشيدات السعودية منها، تتغير معادلات السيطرة على واحدة من أكثر المناطق حساسية في الجغرافيا اليمنية، حيث تلتقي السواحل والجزر بمضيق باب المندب، شريان التجارة العالمية وبوابة البحر الأحمر، وبينما تتجاوز أهمية التطور حدود المكسب الميداني، يبرز السؤال الأكبر: ماذا يعني انتقال السيطرة على هذه الجغرافيا الحيوية إلى يد اليمن، وكيف سينعكس ذلك على أمن الملاحة وحسابات القوى الإقليمية والدولية؟

أعلنت القوات المسلحة اليمنية، الجمعة، تنفيذ عملية عسكرية واسعة أطلقت عليها اسم «والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا»، قالت إنها استهدفت تحشيدات سعودية في عدد من مديريات الساحل الغربي، وانتهت، وفق ما أعلنته القوات المسلحة، بطرد تلك التحشيدات من ست مديريات في محافظتي تعز والحديدة، في تطور يفتح مرحلة جديدة في المعادلة الميدانية والجغرافية لليمن.

وقال المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العميد يحيى سريع، في بيان العملية، إن القوات أطلقت في الثالث من سبتمبر الجاري عملية «والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا» من عدة مسارات، بمشاركة واسعة من أبناء الشعب والقبائل، بهدف مواجهة التحشيدات السعودية في عدد من مديريات الساحل الغربي، مشيرًا إلى أن العملية تكللت، بحسب البيان، بالنجاح رغم الغطاء الجوي الكثيف الذي قال إن القوات السعودية وفرته لتحشيداتها.

وأوضح سريع أن العملية، وفق ما أعلنته القوات المسلحة اليمنية، تمكنت من طرد التحشيدات السعودية من ست مديريات في محافظتي تعز والحديدة، بمساحة إجمالية بلغت نحو 5400 كيلومتر مربع، مضيفًا أن القوات استهدفت سبع فرق عسكرية من تلك التحشيدات، تضم 38 لواءً عسكريًا، وتحدث عن سقوط مئات القتلى والجرحى والأسرى في صفوفها.

كما أعلن المتحدث العسكري تحرير عدد من الأسرى اليمنيين الذين ظلوا لدى القوات الموالية للسعودية في الساحل الغربي لسنوات، إلى جانب تنفيذ 32 عملية تصدٍ للطائرات الحربية السعودية، قال إنها أسفرت عن إسقاط تسع طائرات.

وتأتي هذه التطورات، وفق الرواية التي قدمتها القوات المسلحة اليمنية، في سياق مواجهة عسكرية ممتدة مع العدو السعودي وتحشيداته، وفي ظل تصاعد المواجهات في الساحل الغربي، بالتزامن مع استمرار الموقف اليمني المعلن بشأن العدوان على قطاع غزة.

إن أي تحول واسع في خريطة السيطرة على الساحل الغربي يكتسب أهمية استثنائية بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمنطقة، ولا سيما قربها من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتشكل حلقة وصل رئيسية في طرق التجارة بين آسيا وأوروبا.

وتتجاوز أهمية هذه المنطقة حدودها الجغرافية المباشرة، إذ يرتبط باب المندب بصورة وثيقة بحركة الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، ما يجعل استقرار المضيق وأمنه عاملًا مؤثرًا في حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وعندما تتعرض الملاحة في هذا الطريق للاضطراب، تضطر السفن المتجهة بين آسيا وأوروبا إلى استخدام مسارات بديلة، أبرزها الدوران حول رأس الرجاء الصالح، بما يضيف مسافات وأيامًا وتكاليف كبيرة إلى الرحلات البحرية.

ومن هنا، فإن السيطرة على المناطق الساحلية القريبة من باب المندب لا تُقرأ فقط باعتبارها مكسبًا عسكريًا أو جغرافيًا، وإنما باعتبارها تطورًا يمكن أن تكون له انعكاسات أوسع على أمن الملاحة الإقليمية والدولية.

وقد أظهرت السنوات الأخيرة أن اليمن يمتلك القدرة على التأثير في حركة الملاحة في البحر الأحمر حتى من دون السيطرة المباشرة على كامل الساحل، من خلال استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وخلال معركة إسناد غزة، أعلنت القوات المسلحة اليمنية استهداف سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إليها، وهو ما ساهم في اضطراب حركة الملاحة في البحر الأحمر ودفع عددًا من شركات الشحن إلى تغيير مساراتها.

وبناءً على ذلك، فإن انتقال السيطرة الميدانية على أجزاء واسعة من الساحل، وفق ما أعلنته القوات المسلحة اليمنية، من شأنه أن يضيف بُعدًا جديدًا إلى معادلة القوة البحرية اليمنية، عبر الجمع بين القدرة على التأثير من مسافات بعيدة والحضور المباشر بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ويتمتع اليمن بموقع بحري استثنائي، إذ يطل على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، ويمتلك عددًا كبيرًا من الجزر ذات الأهمية الاستراتيجية، الأمر الذي جعله تاريخيًا نقطة جذب للقوى الإقليمية والدولية الساعية إلى تأمين طرق التجارة والممرات البحرية الحيوية.

وتبرز من بين هذه المواقع جزيرة ميون، المعروفة أيضًا باسم «بريم»، والتي تتمتع بموقع مؤثر في مضيق باب المندب، إضافة إلى أرخبيل حنيش، الذي يحتل موقعًا مهمًا في جنوب البحر الأحمر لقربه من خطوط الملاحة البحرية. وقد شهدت هذه المواقع على مدى التاريخ تنافسًا ووجودًا لقوى خارجية، في انعكاس للأهمية الاستراتيجية التي اكتسبتها المنطقة منذ قرون.

كما تمثل مدينة المخا والمناطق الساحلية المحيطة بها نقاطًا ذات أهمية خاصة، بحكم موقعها على الساحل الغربي وقربها من باب المندب، وهو ما يجعل أي تحول في السيطرة عليها ذا أبعاد تتجاوز الحسابات العسكرية المحلية.

وفي هذا السياق، فإن استعادة السيطرة اليمنية على مناطق ساحلية وجزر استراتيجية، وفق ما أعلنته القوات المسلحة اليمنية، يمكن أن تمثل تحولًا في طبيعة المعادلة الميدانية؛ فالمناطق التي كانت خلال سنوات الحرب ساحة للمواجهة والتنافس الإقليمي يمكن أن تتحول إلى مصدر مباشر من مصادر القوة الجغرافية والبحرية لليمن.

كما يكتسب باب المندب أهمية خاصة بالنسبة إلى الكيان الصهيوني، نظرًا لارتباطه بحركة الملاحة في البحر الأحمر وبالممرات المؤدية إلى ميناء أم الرشراش «إيلات»، ما يجعل أي تغير في ميزان القوى على الساحل اليمني ذا انعكاسات محتملة على الحسابات الأمنية والاقتصادية الإسرائيلية.

وخلال السنوات الماضية، تحول البحر الأحمر وباب المندب إلى إحدى ساحات التنافس الإقليمي والدولي، خصوصًا مع تصاعد الهجمات على السفن وتحول أمن الملاحة إلى ملف يحظى باهتمام دولي واسع. ولذلك، فإن أي تغيير جوهري في خريطة السيطرة على المناطق الساحلية والجزر القريبة من المضيق يمكن أن يعيد تشكيل جانب من معادلة القوة في جنوب البحر الأحمر.

وتكتسب التطورات المعلنة أهميتها من اجتماع ثلاثة عناصر في وقت واحد: استعادة السيطرة على مساحة جغرافية واسعة، والاقتراب المباشر من واحد من أهم الممرات البحرية الدولية، وتعزيز قدرة اليمن على توظيف موقعه البحري في حساباته الأمنية والسياسية.

وبذلك، يصبح الساحل الغربي أكثر من مجرد جبهة عسكرية؛ فهو نقطة التقاء بين الجغرافيا والسيادة والأمن البحري والاقتصاد الدولي. فامتلاك مناطق مطلة على باب المندب يمنح أي طرف يسيطر عليها وزنًا إضافيًا في الحسابات الإقليمية، بينما يمنح امتلاك اليمن لهذا الموقع، من الناحية الجغرافية، فرصة أكبر لتوظيف سواحله وجزره في حماية مصالحه وتعزيز حضوره في المعادلات الإقليمية.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التطورات في الساحل الغربي باعتبارها تحولًا يتجاوز حدود المكسب العسكري المباشر، ويفتح أمام اليمن مرحلة جديدة يصبح فيها موقعه البحري عنصرًا أكثر حضورًا في معادلة القوة.

فالمناطق الساحلية والجزر المطلة على باب المندب لا تمثل مجرد مساحات جغرافية، وإنما تشكل جزءًا بالغ الأهمية من موقع اليمن الاستراتيجي، وترتبط بصورة مباشرة بحركة التجارة العالمية وأمن البحر الأحمر وقناة السويس.

وعليه، فإن أي تغير جوهري في خريطة السيطرة على هذه المنطقة سيعيد طرح سؤال أكبر حول مستقبل اليمن ودوره الإقليمي، وما إذا كان موقعه البحري سيبقى ساحة للتنافس الدولي والإقليمي، أم يتحول بصورة متزايدة إلى ركيزة أساسية من ركائز السيادة والقوة اليمنية، بما يجعل أي حسابات مستقبلية بشأن اليمن مرتبطة، بالضرورة، بجغرافيته البحرية وموقعه على واحد من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.