بزّي: انتصار اليمن في الساحل الغربي زلزال جيوسياسي يهز منظومة أمن أمريكا وحلفاءها وأدواتها
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
11 سبتمبر 2026مـ – 29 ربيع الأول 1448هـ
يمثل تحرير مديريات الساحل الغربي في تعز والحديدة تحولاً يتجاوز حدود الإنجاز العسكري والميداني المباشر، في ظل موقع المنطقة وأهميتها الجغرافية والبحرية وما يرتبط بها من حسابات إقليمية ودولية، بما يجعل نتائج العمليات قابلة للامتداد إلى طبيعة الصراع وموازين القوى في المنطقة.
ويأتي هذا التحول بعد مرحلة من المواجهة اليمنية مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، اكتسبت خلالها القوات المسلحة اليمنية خبرة ميدانية في التعامل مع قوى عسكرية كبيرة، فيما شكّل إسناد غزة محطة أساسية في تراكم الخبرة والقدرة على توظيف الإمكانات في ميادين المواجهة المباشرة.
وفي الوقت نفسه، تفتح نتائج العمليات أسئلة أوسع حول مستقبل الصراع مع السعودية، وحسابات الممرات البحرية، وموقع باب المندب، وانعكاسات ما جرى على الخليج العربي والقرن الأفريقي وغرب آسيا، خصوصاً مع تراجع قدرة القوى الخارجية على فرض مشاريعها عبر الأدوات المحلية.
أبعاد عسكرية واستراتيجية تتجاوز الميدان:
وفي هذا السياق، يقولالباحث والخبير في الشؤون الاستراتيجية الدكتور وسيم بزّي إن العملية التي حررت بها القوات المسلحة اليمنية أكثر من 5400 كيلو متر مربع في سواحل اليمن الغربية الاستراتيجية، تحمل أبعاداً متعددة، ولا يمكن فصل المستوى العسكري والتكتيكي والميداني عن البعد الاستراتيجي الذي يجعل العالم مهتماً بحجم الإنجاز.
ويوضح الدكتور بزّي في مداخلة على قناة المسيرة، أن القوات المسلحة اليمنية خاضت معركة مظلومية حصار الشعب اليمني بعد خروجها من مواجهة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، مشيراً إلى أن إسناد غزة شكّل نقطة أساسية في التمهيد لهذا الإنجاز.
ويبيّن أن تلك المواجهة أسهمت في بناء ثلاثة عناصر رئيسية: البعد الأخلاقي، والخبرة التي اكتسبتها القوات المسلحة اليمنية من مواجهة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وتوظيف القدرات في ميدان التجربة المباشرة، قبل الانتقال إلى معركة تتصل بمعاناة الشعب اليمني تحت الحصار.
ويؤكد أن نتائج الإنجاز ستبقى حاضرة في قراءة واقع اليمن والصراع مع السعودية، وفي رسم التوازنات في الخليج وغرب آسيا، وكذلك في موازين القوى المرتبطة بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران ومعركة الممرات البحرية.
باب المندب خارج مبررات التصعيد الدولي وواشنطن تتجنب المستنقع:
ويشير بزّي إلى أن صنعاء حرصت، بالتوازي مع العمليات، على التأكيد أن مضيق باب المندب سيبقى يعمل بصورة طبيعية، مضيفاً أن هذا الإعلان يقطع الطريق أمام أي مبرر يمكن أن يُطرح لتحشيد إقليمي أو عالمي على أساس إغلاق باب المندب أمام الملاحة الدولية.
كما يضيف أن هذا الموقف يكشف دقة الحسابات التي تتحرك وفقها صنعاء في تصنيف الأعداء والأصدقاء، وفي تجنب استدعاء معركة أخرى يمكن أن تنخرط فيها قوى أساسية وتغيّر طبيعة المواجهة.
ويلفت بزّي إلى أن شل قدرات الخصوم وإسقاطهم بالضربات القاضية جاء بالتوازي مع حصار الموانئ السعودية واستهداف المراكز الحيوية داخل المملكة، وهي عمليات قال إنها أعطت سريعاً نتائج خطيرة على سعر برميل النفط.
ويلفت إلى أن أزمة مضيق هرمز كان لها تأثيرها، ثم جاءت الضربات التي تلقتها السعودية لتضيف ضغطاً آخر، متحدثاً عن ما كشفه موقع “أكسيوس” بشأن اتصالين أجراهما ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب لطلب تدخل عسكري ضد اليمن.
ويقول إن الرفض الأمريكي وعدم الرغبة في التورط مجدداً في المواجهة يعكسان آثار الضربات اليمنية التي تلقاها الأمريكيون خلال موجتي المواجهة في عام 2025، والتي لا يزال أثرها حاضراً في الوعي الأمريكي.
ويشدّد علىأن الأمريكيين لا يريدون الدخول في معارك استنزاف جديدة في هذه المرحلة، في ظل تراجع الطاقات والقدرات التي بدأت تتكشف في صواريخ الهجوم والاعتراض، وحاملات الطائرات والمدمرات والمعسكرات التي تعرضت للتدمير في دول الخليج.
ويربط ذلك أيضاً باليد العليا التي تمارسها إيران على الولايات المتحدة في هذه اللحظة، معتبراً أن مجمل هذه التطورات أنتجت دروساً متراكمة بالنسبة إلى واشنطن.
وفي سياق متصل، يتابع الدكتور وسيم بزّي حديثه قائلاً:إن السعودية فشلت مجدداً في الرهان على الولايات المتحدة للقتال نيابة عنها، كما فشلت في الرهان على أدواتها ومرتزقتها على الأرض.
ويضيف أن الحلف الثلاثي الذي سارعت السعودية إلى استدعائه في مكة مع باكستان وتركيا لم يستمر، بعدما أدرك الطرفان سريعاً مخاطر التورط في الشأن اليمني وابتعدا عن المواجهة.
ويصف الواقع السعودي أمام هذا الانتصار بأنه “مزري ومأساوي”، معتبراً أن تداعيات ما جرى لا تقف عند حدود الخسارة الميدانية.
زلزال جيوسياسي يذيب مخططات عدوانية تاريخية:
ويضع بزّي الانتصار اليمني في إطار “الزلزال الجيوسياسي والزلزال الاستراتيجي”، مؤكداً أن النتائج النهائية لما جرى لم تظهر بعد، وأن هناك تداعيات جديدة تنتظر أن تتكامل مفاعيلها.
ويقول إن صنعاء تملك من الحكمة والعقل والهدوء والخبرة التراكمية ما يجعلها لا تعيش نشوة الانتصار، رغم أهمية عيش لحظة الانتصار بالنسبة للشعب اليمني، مؤكداً أن ما جرى يمثل انتصاراً لمنطق المظلوم على الظالم، واستعادة اليمنيين لأنفسهم وحريتهم وانتمائهم الوطني، وإسقاطاً لمشاريع الأعداء.
ويرى أن ما حدث ليس نهاية المسار، بل “صولة من صولات كثيرة” ما زالت تنتظر، في أفق تتداعى فيه معنويات وقدرات وإرادة الأعداء في القتال.
ويشيربزّي إلى أن تداعيات السياق الحالي قد لا تتوقف عند النقطة التي وصل إليها، خصوصاً على مستوى المنطقة التي تشهد أحداثاً كبيرة تهزم فيها المشاريع القادمة من الخارج، وفي مقدمتها المشاريع المرتبطة بالولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
وينوّه إلى أن الثقة بالأدوات الوظيفية التاريخية تتراجع، وأن المشروع الذي بُني على العلاقة التي نشأت بين الملك عبد العزيز والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت عام 1945 يواجه لحظة تداعٍ وسقوط.
ويبيّن أن مفهوم الأمن الذي أقامت السعودية استراتيجيتها ومسارها التبادلي مع الولايات المتحدة عليه، واستحضار العدو الإسرائيلي إلى المنطقة كما جرى مع الاتفاقيات الإبراهيمية، بات أمام مرحلة تحطم.
ويعتبر بزّي أن هذه المفاهيم تتحطم “على مداخل المخا”، مشيراً إلى مستوى السقوط الذي يعكسه الإنجاز في البعد الاستراتيجي.
ويؤكد أن مدينة المخا، بما تحمله من رمزية وأهمية واقعية، تدخل التاريخ نتيجة الإنجاز الذي أحدثته صنعاء، معتبراً أن خرائط تذوب وتتلاشى أمام وقائع جديدة تفرض نفسها من خلال الميدان وموازين القوى والإرادة والإيمان وصناعة القوة من عناصر كان يُعتقد أنها تمثل نقاط ضعف.
وفي ختام حديثه للمسيرة، ينوّه الباحث والخبير في الشؤون الاستراتيجية الدكتور وسيمبزّي إلى أن مفاعيل ما جرى لا تنحصر في اليمن والسعودية، بل تمتد إلى ثلاثة ميادين كبرى هي الخليج العربي، والقرن الأفريقي، ومنطقة غرب آسيا، في ظل تكامل قوى محور المقاومة وتأثر موازين القوى الإقليمية بالتحولات التي أحدثتها العمليات اليمنية.
