الخيار العسكري الأمريكي يصطدم بصمود إيران
ذمــار نـيـوز || تقارير ||
3 سبتمبر 2026مـ – 21 ربيع الأول 1448هـ
تقرير || محمد ناصر حتروش
يعيد العدو الأمريكي اختبار الخيار العسكري في مواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، رغم أن تجاربه السابقة أثبتت محدودية القوة في تحقيق هدف تغيير النظام؛ فواشنطن لم تكتَفِ بتشجيع المشاغبين في الداخل الإيراني وتحريضهم على التظاهر وإثارة الفوضى، لتنتقل إلى التصعيد العسكري المباشر، في عدوان غادر ومباغت استهدف قيادات الصف الأول في إيران، وفي مقدمتهم الإمام الخامنئي، رضوان الله عليه.
غير أن حسابات العدو اصطدمت مجددًا بثبات الموقف الإيراني؛ إذ أثبتت القيادة والشعب في إيران أن الرهان الأمريكي والصهيوني على تفكيك الجبهة الداخلية وإسقاط النظام لا يستند إلى واقع، وأن إيران بما تمتلكه من إرث حضاري وتاريخي وإرادة شعبية قادرة على الصمود في وجه المؤامرات والضغوط، ومواصلة طريقها حتى النصر.
في السياق يؤكد الدبلوماسي الإيراني السابق الدكتور هادي أفقهي أن الرهان الأمريكي على إضعاف الجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر الحرب الاقتصادية والعقوبات لم يحقق أهدافه، مشيرًا إلى أن الادعاءات الأمريكية بشأن إضعاف القدرات الإيرانية عسكريًا تتناقض مع الواقع الميداني.
ويقول في حديثه لبرنامج ملفات:”إن الرئيس الأمريكي ترامب دأب على الحديث عن القضاء على القوة البحرية والمنظومة الصاروخية والطائرات المسيرة والقيادات الإيرانية”، معتبرًا أن تضخيم هذه الادعاءات يجعلها تنقلب، لصالح جبهة المقاومة، عندما يلمس المتلقي الفارق بين الخطاب الأمريكي والواقع الميداني.
ويشير إلى أن الرهان الأمريكي على استخدام الضغوط الاقتصادية لإضعاف إيران وتهيئة الأرضية لتغيير نظامها لم يحقق النتائج التي أرادتها واشنطن، مؤكدًا أن العقوبات اصطدمت برفض دولي واستمرار الشراكات الاقتصادية الإيرانية مع عدد من الدول، وفي مقدمتها روسيا والصين والهند وتركيا والعراق.
ووفقاً لأفقهي فإن فشل الرهان الاقتصادي، إلى جانب صمود إيران والمواقف الدولية الرافضة للعقوبات، دفع الولايات المتحدة إلى العودة إلى الخيار العسكري، بعدما لم تتمكن من تحقيق أهدافها عبر الضغط الاقتصادي، منتقدا أداء الوكالة الدولية للطاقة الذرية وواصفا دورها تجاه إيران بالسلبي والمعادي تماماً ومشددا على أن مديرها العام رافائيل غروسي يعتمد على معلومات صهيونية في إعداد التقارير المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.
وتوقف الدبلوماسي الإيراني السابق عند مسودة التقرير التي نشرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، معتبرًا أن توقيت نشرها يخدم الموقف الأمريكي، ويوفر لواشنطن مبررًا لمواصلة استهداف إيران بذريعة منعها من امتلاك سلاح نووي.
ويفيد أن إيران لا تسعى إلى إنتاج سلاح نووي، مستندًا إلى الموقف الإيراني المعلن بشأن حرمة إنتاج هذا السلاح، لكنه طرح في المقابل تساؤلات حول جدوى استمرار إيران في عضوية معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في ظل ما وصفه بالضغوط والاستهداف الدولي.
وتساءل عن إمكانية اضطلاع المجتمع الدولي، ولا سيما روسيا والصين، بدور في كبح أي مغامرة أمريكية جديدة ضد إيران، محذرًا من أن استمرار الضغوط والتهديدات قد يفتح الباب أمام تحولات جديدة في الموقف الإيراني.
واشنطن عالقة في المنطقة
وتجد الولايات المتحدة نفسها أمام معركة استنزاف متواصلة في المنطقة، بفعل اعتداءاتها على إيران ومحاولاتها الرامية إلى إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، في وقت تتعرض فيه قواعدها العسكرية لهجمات متكررة، تستنزف قدراتها وذخائرها وتفاقم خسائرها البشرية والمادية.
وحول هذا الشأن يقول الخبير بالشؤون العسكرية العقيد أكرم سريوي :” إن معاودة الولايات المتحدة الخيار العسكري ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية تكشف عن وجود انقسام داخل الإدارة والمؤسسة العسكرية الأمريكية بشأن جدوى الاستمرار في الحرب، مشيرًا إلى أن عددًا من القيادات العسكرية يدركون صعوبة الاستمرار في هذا المسار.
ويوضح في حديثه لبرنامج ملفات على شاشة المسيرة أن كبار الضباط الأمريكيين يدركون طبيعة الواقع الميداني، وأن الضغوط العسكرية والمالية، ولا سيما ما يتعلق باستهلاك الذخائر والصواريخ، باتت تمثل تحديًا أمام واشنطن، لافتًا إلى وجود مشكلة حقيقية، في منظومة الدفاعات الجوية التابعة للقيادة المركزية الأمريكية.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة حرصت على عدم توسيع نطاق ضرباتها، إلا أن الرد الإيراني اللاحق جاء،
أوسع نطاقًا وطال مواقع وقواعد أمريكية في عدد من دول المنطقة، بينها الكويت والعراق والبحرين والإمارات والأردن.
ويلفت إلى أن اتساع نطاق الاستهداف الإيراني يضع القواعد الأمريكية في المنطقة أمام اختبار صعب، متسائلًا عن مدى قدرة واشنطن على مواصلة حماية قواتها ومنشآتها في ظل الاستنزاف المتواصل للذخائر الدفاعية.
ويرى أن طبيعة المواجهة لم تعد تقاس فقط بامتلاك الأسلحة الأكثر تطورًا، وإنما أصبحت، بحسب قراءته، مرتبطة بمدى القدرة على الاستنزاف والصمود وتوفير كميات كافية من الذخائر، مشيرًا إلى أن إيران تعتمد في استراتيجيتها على إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيرة بهدف استنزاف الدفاعات الجوية الأمريكية.
ويشدد على أن إيران تدرك نقاط القوة والضعف لدى خصمها، وتسعى إلى جر الولايات المتحدة إلى ميدان حرب الاستنزاف، حيث يمكنها الضغط على القدرات الأمريكية بدل الدخول في مواجهة مباشرة تعتمد على التفوق الجوي أو البحري، لافتاً إلى أن إيران لم تخض مواجهة جوية أو بحرية مباشرة مع الولايات المتحدة، وإنما ركزت على استنزاف قدراتها الدفاعية عبر الصواريخ والطائرات المسيرة، معتبرًا أن هذه الاستراتيجية أدت إلى إرهاق الدفاعات الأمريكية وفرضت متغيرات جديدة في طبيعة المواجهة.
ويضيف:” إن الولايات المتحدة بدأت محاولة الاستفادة من بعض جوانب التجربة الإيرانية من خلال تطوير أسلحة دقيقة وذكية ومنخفضة الكلفة نسبيًا وبكميات كبيرة”، معتبرًا أن ذلك يعكس تغيرًا في طبيعة العقيدة القتالية التي فرضتها الحرب.
وفي تقييمه للأداء الأمريكي، يجزم سريوي أن أحد أبرز الأخطاء تمثل في “الغرور العسكري” والتقدير الخاطئ لمدة الحرب وإمكانية حسمها خلال فترة قصيرة، مؤكدًا أن واشنطن وجدت نفسها أمام حرب استنزاف لا تستطيع الخروج منها بالطريقة التي تريدها.
وخلص سريوي إلى أن الولايات المتحدة قد تكون قادرة على تحمل بعض الضربات، لكنها، وفق تقديره، لم تعد قادرة على الاستمرار في حرب طويلة واستنزافية ضد إيران، معتبرًا أن الرهان على تكرار النموذج الفنزويلي في إيران كان تقديرًا خاطئًا.
