من هرمز إلى الصين.. كيف تصطدم الهيمنة الأمريكية بصمود إيران وتبدّل خرائط المنطقة؟
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
2 سبتمبر 2026مـ – 20 ربيع الأول 1448هـ
استعرض برنامج “جغراسيا” الذي يقدمه الإعلامي والباحث السياسي ناصر قنديل على قناة “المسيرة”،” التطورات اليومية الحثيثة على جبهة المواجهة المفتوحة في المنطقة منذ العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وصولًا إلى الاتفاق الإيراني-العُماني، والعقوبات الأمريكية القياسية التي وصفها الرئيس ترامب بـ “الإنزال الاقتصادي” المقابل لإنزال النورمندي لضرب الاقتصاد الإيراني.
وأوضح أن الحركة الدبلوماسية المتسارعة في طهران -من زيارة الوفد الباكستاني بطلب أمريكي للوساطة إلى زيارة وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي- أحدثت تحولاً في المشهد؛ حيث استجابت أسواق النفط لهذه التحركات بانخفاض البرميل بنسبة 10% متجاهلة التهديدات الأمريكية ومراهنة على مسار التهدئة.
ويتوقف البرنامج عند المكانة الاستثنائية لسلطنة عُمان كعنوان دائم للتفاوض والانفراج؛ فمن استضافة المفاوضات الإيرانية الأمريكية التي مهدت للاتفاق عام 2015م والوساطات المتتالية، التي أدت يومها إلى الاتفاق المعروف باتفاق أوباما، إلى تفاهمات مسقط وفيينا عام 2025م، التي دعا لها ترامب، وصولاً إلى إنشاء “الممر العُماني” للتعامل مع أزمة مضيق هرمز؛ ومن هذا المنطلق، يسلط الباحث قنديل، الضوء على عُمان ذاتها، تاريخها وجغرافيتها، وعلاقاتها المركبة مع إيران والولايات المتحدة، وموقعها اليوم بين صليل الحرب وحكمة الدبلوماسية.
عُمان صاحبة السيادة وميزان الحرب والسلام
وتعود سلطنة عُمان التي تقع عند الزاوية الجنوبية الشرقية لشبه الجزيرة العربية، بساحل يمتد على بحر العرب وخليج عمان، بينما تمنحها محافظة مسندم، المطلة على مضيق هرمز، موقعاً يتحكم بالضفة الجنوبية للممر، لتفرض حضورها الاستثنائي كميزان دقيق لمعادلات الحرب والسِلم، ونقطة التماس الحاسمة بين الانفجار والانفراج.
وبحسب التقرير الوثائقي الذي استعرض في برنامج “جغراسيا”، عرفت عمان تاريخاً بحرياً قديماً ارتبط بالتجارة مع الهند وشرق أفريقيا، وخضعت موانئها للاحتلال البرتغالي منذ مطلع القرن السادس عشر، حتى تم طرده عام 1650م، ثم نشأت دولة بحرية امتد نفوذها إلى زنجبار وشرقي أفريقيا.
وتولت أسرة البوسعيد الحكم منذ القرن الثامن عشر، وقاد السلطان قابوس منذ عام 1970م، تحديث الدولة مع اعتماد سياسة خارجية تقوم على الاستقلال والوساطة وتجنب الاصطفاف الحادة، وتابع السلطان هيثم بن طارق هذا النهج.
وعن العلاقة بإيران والولايات المتحدة، أقامت عمان علاقة خاصة مع إيران منذ عهد الشاه، الذي ساعدها عسكرياً في إنهاء تمرد ظفار، لكنها حافظت عليها بعد الثورة الإسلامية، عام 1979م، خلافاً لغالبية دول الخليج، وفي الوقت نفسه، وقعت مسقط عام 1980م، اتفاق تسهيلات عسكرية مع واشنطن، ثم وسعته لاحقاً، وأصبحت شريكاً أمنياً مهماً للولايات المتحدة، من دون التحول إلى خصم لإيران.
سمح هذا التوازن لعمان بأن تستضيف الاتصالات الأمريكية الإيرانية السرية، التي مهدت للاتفاق النووي عام 2015م، وأن تؤدي أدواراً في تبادل الأسرى وتهدئة الأزمات، لذلك، تثق طهران بأن مسقط لا تعمل وكيلاً لواشنطن، بينما تعتبرها الولايات المتحدة قناة يمكن استخدامها عندما تنقطع الاتصالات المباشرة.
وبخصوص التفاوض حول مضيق هرمز منذ تعطلت الملاحة فيه نتيجة الحرب والعدوان، بدأت عمان التفاوض مع إيران بصفتها الدولة المشاطئة على الضفة المقابلة، لا مجرد وسيط بين طهران وواشنطن، وانطلقت الاتصالات الفنية في نيسان/إبريل، ثم شكلت لجنة مشتركة لتنظيم الملاحة والخدمات البحرية، مع التأكيد أن أي ترتيبات يجب أن تحترم سيادة الدولتين المشاطئتين.
وتركز البحث على إنشاء مسارات جديدة، تتولى إيران إدارة السفن الداخلة إلى الخليج، بينما تمر السفن الخارجة عبر مسارات مشتركة إيرانية عمانية، إلى جانب تبادل المعلومات والتنسيق الأمني وإزالة الألغام، غير أن إيران فصلت بين الاتفاق الفني مع عمان والفتح الكامل للمضيق، وربطت عودة الملاحة الطبيعية بإنهاء الحصار والعقوبات والتهديدات الأمريكية.
وحول إعلان الاتفاق الإيراني العماني، أعلن وزيرا الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، والإيراني عباس عراقجي، عقب اجتماعهما في طهران في الخامس والعشرين من أغسطس، التوصل إلى إطار مرحلي يتضمن إنشاء ممر ملاحي مشترك ومؤقت عبر مضيق هرمز، وتنفيذ مشروع مشترك لإزالة الألغام، مع مواصلة التفاوض على إطار دائم لإدارة الملاحة والأمن وتبادل المعلومات.
وإعلان فتح المضيق، لا يعني نهائياً أو عودة التدفق إلى المستويات السابقة، بل يمثل اتفاقاً فنياً بين الدولتين المشاطئتين يؤسس لعبور منظم وآمن، أما الفتح الكامل فيبقى مرتبطاً بالتفاهم السياسي الأمريكي الإيراني، وتكمن أهمية الاتفاق في تثبيته، أن أمن هرمز لا تقرره الأساطيل الأجنبية وحدها، بل يبدأ باتفاق إيران وعمان، بوصفهما صاحبتي السيادة على ضفتيه.
السيطرة على هرمز ومعركة السيادة على شريان النفط العالمي
وتطرق الباحث السياسي والإعلامي ناصر قنديل، خلال تحليله في برنامج “جغراسيا”، إلى تحول مفصلي في أزمة مضيق هرمز عقب إعلان اتفاق السابع عشر من حزيران، فبينما باشرت إيران تطبيق التفاهمات عبر تنظيم عبور السفن التجارية وضمان أمنها وفق ضوابط محددة تشترط التواصل المسبق، جاء مؤتمر المنامة الذي ضم وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” ووزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي ليشكل -وفق الباحث قنديل- انقلاباً كاملاً على مذكرة التفاهم السابقة.
