مغامرة أمريكية في إيران على حساب المدنيين.. ما وراء استهداف حفل الزفاف والرد الإيراني؟
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
2 سبتمبر 2026مـ – 20 ربيع الأول 1448هـ
يضع القصف الأمريكي لحفل زفاف في جنوب إيران المدنيين في صدارة كلفة المغامرة العسكرية لواشنطن، بعدما تحوّل حفل زفاف إلى مأساة أوقعت قتلى وجرحى.
وفي المقابل، جاء الرد الإيراني سريعًا وواسعًا، مستهدفًا عددًا من القواعد والمراكز الأمريكية في المنطقة، وبين استهداف المدنيين واتساع نطاق الرد، يبرز السؤال: إلى أي مدى تريد الولايات المتحدة الاستمرار في عدوانها على إيران، في ظل غموض الأهداف ومخاطر توسيع المواجهة، وإلى أين يمكن أن تقود هذه المغامرة، ليس على إيران وحدها، وإنما على المنطقة برمتها؟
وتنفذ الولايات المتحدة الأمريكية منذ 28 فبراير الماضي عدوانًا على الجمهورية الإسلامية، ارتفعت وتيرته خلال الأربعين يومًا الأولى، ثم تراجعت الضربات، لتتحول المواجهة إلى ضربات متبادلة، غير أن الأيام الماضية عادت واشنطن إلى تصعيد عدوانها على إيران، مستهدفة مواقع عسكرية، ومنشآت للرادارات، والدفاعات الجوية والاتصالات، إلى جانب أهداف مرتبطة بالقدرات البحرية وزرع الألغام بحسب الرواية الأمريكية، واضطرت القوات المسلحة الإيرانية للرد على القواعد الأمريكية في المنطقة.
لكن القصف لم يتوقف عند الأهداف التي تقول واشنطن إنها عسكرية، إذ أصابت إحدى الضربات منزلًا في منطقة “كوهستك” بمحافظة “هرمزغان”، حيث كان يقام حفل زفاف، ما أدى، وفق السلطات الإيرانية، إلى استشهاد خمسة أشخاص بينهم طفل وإصابة 68 آخرين، وهنا ينتقل المشهد من استهداف المواقع العسكرية إلى سقوط مدنيين في مناسبة يفترض أن تكون بعيدة عن ساحات المواجهة.
أطفال إيرانيون مصابون جراء العدوان الأمريكي على ايران
وتتعامل إيران مع استهداف حفل الزفاف باعتباره جريمة جديدة تضاف إلى سجل العدوان الأمريكي، مؤكدة أن الرد عليها لن يكون سياسيًا أو إعلاميًا، وإنما عسكريًا ومباشرًا. ويقول المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن «كل يوم تُضاف جريمة أخرى إلى جرائم الولايات المتحدة بحق الشعب الإيراني»، مؤكدًا أن إيران «سترد بحزم» على هذه الجرائم.
وفي السياق ذاته، أعلن الحرس الثوري أن الرد على استهداف المدنيين شمل تنفيذ ضربات صاروخية وطائرات مسيرة على مواقع وقواعد أمريكية في المنطقة، مؤكدًا أن هذه العمليات تأتي في إطار الانتقام للقصف الأمريكي، وأن الردود المقبلة ستكون أوسع وأكثر تدميرًا إذا استمر العدوان.
ولعل ما يميز الرد الإيراني في هذه الجولة من المواجهة، هو استهداف “معسكر تيتين” الذي يقع في مكان بالغ الأهمية في الطرف الشمالي للبحر الأحمر بالقرب من ميناء العقبة وميناء “إيلات” [أم الرشراش] الصهيوني، فالمعسكر المستهدف -بحسب وكالة تسنيم- يقع على مسافة قصيرة من الحدود السعودية، وهو مناسب لتدريبات مشاة البحرية الأمريكية وحماية البنى التحتية البحرية، كما يتمتع بأهمية خاصة بالنسبة إلى مشاة البحرية الأمريكية وعمليات الانتشار السريع للقوات، والنقطة الأهم هي أن الأمريكيين حاولوا نشر جزء من قواتهم في “تيتين” أملًا في أن إيران لا تملك معلومات كاملة عنها، لكن حرس الثورة أظهر بأن لديه إحاطة استخباراتية خاصة وكاملة بتحركات الجيش الأمريكي، وهذه هي نقطة القوة.
رد إيراني واسع على الجريمة
ولم تكتفِ إيران بإدانة استهداف المناطق السكنية وحفل الزفاف، فقد سارعت بتنفيذ عمليات عسكرية نوعية على العدوان عبر هجمات متزامنة ومكثفة طالت قواعد ومواقع أمريكية في عدد من دول المنطقة.
وشمل الرد قاعدة الشيخ عيسى في البحرين، وقاعدة «الأمير حسن» في الأردن، والقواعد الأمريكية في أربيل بالعراق، إضافة إلى قاعدتي الظفرة والمنهاد في الإمارات، وقاعدة «علي السالم» في الكويت، مستخدمة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
وألحقت الهجمات أضرارًا جسيمة بالبنية التحتية والمنشآت والأسلحة والمعدات في القواعد الأمريكية، كما استهدفت مراكز الصيانة ومستودعات المعدات وحظائر الطائرات المسيّرة ومنظومات الرادار والتجسس.
وتحذر طهران من أن استمرار العدوان الأمريكي سيقابل بردود «أشد وأوسع نطاقًا وأكثر تدميرًا»، في رسالة واضحة بأن استهداف المدنيين لن يمر من دون كلفة عسكرية على القوات والقواعد الأمريكية في المنطقة.
وتبدو الولايات المتحدة أمام معادلة صعبة؛ فاستمرار العدوان الأمريكي يفتح أبوابًا جديدة للتصعيد، وكلما اتسعت الضربات الأمريكية، ازدادت احتمالات اتساع الرد الإيراني، بما يجعل القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة نقاط ضغط ومواجهة مباشرة، والأخطر أن استهداف المدنيين، ولا سيما سقوط قتلى وجرحى في حفل زفاف، يمكن أن يدفع طهران إلى التعامل مع المواجهة باعتبارها معركة مفتوحة لا تقتصر أهدافها على حماية المنشآت العسكرية، وإنما تستند إلى معادلة الردع، فكل ضربة أمريكية ستقابل بكلفة مقابلة.
ومن هنا، فإن المسار الأكثر ترجيحًا خلال المرحلة المقبلة هو استمرار الضربات المتبادلة، مع محاولة كل طرف فرض معادلة ردع جديدة تمنع الطرف الآخر من توسيع عملياته، وقد تتجه إيران إلى تكثيف استهداف القواعد والمواقع الأمريكية في المنطقة، فيما قد تحاول واشنطن توسيع ضرباتها ضد القدرات الإيرانية المرتبطة بالرادارات والدفاعات الجوية والمنشآت البحرية.
وتؤكد التطورات أن القصف لا يصنع حسمًا، وأن رهان العدو الأمريكي على القوة العسكرية لن يفرض الاستسلام على إيران، وهو ما يضع الأمريكيين في ورطة ومأزق كبير، لا سيما وأن الجمهورية الإسلامية لا تترك أي عدوان أمريكي دون رد، وكلما أمعن العدو في ضرباته داخل الجغرافيا الإيرانية، كلما أمعنت إيران في إيلام الأمريكيين بتوجيه ضربات أكثر انتقائية واحترافية من ذي قبل، ما يجعل إيران في موقع المنتصر، وواشنطن في دائرة الخذلان والهزيمة.
