بثينة عين الإنسانية تروي تفاصيل اختطافها وتضع مظلوميتها أمام محكمة العدل الدولية [ج2]

3

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
31 أغسطس 2026مـ – 18 ربيع الأول 1448هـ

تـقـريــر || منصور البكالي

في الجزء الثاني من قصة الطفلة بثينة الريمي “عين الإنسانية”، يتكشف لنا تفاصيل أكثر حول عملية استدراجها واختطافها وعمها وأسرته، من العاصمة صنعاء إلى الرياض، من قبل العدو السعودي، عبر منظمات مشبوهة تدعي الإنسانية، موضحةً أهمية النشر الإعلامي من خلف القضبان، الذي أسهم على تحريرها.

وترفع بثينة اليوم مرافعة قانونية إنسانية إلى طاولة محكمة الجنايات الدولية، ضد مجرم الحرب بن سلمان، الذي حرمها من أهلها وأسرتها، بارتكابه جريمة حرب وإبادة جماعية لأسرتها كاملةً، وكانت هي الناجية الوحيدة، لتضع العالم أمام مسؤولية إنسانية وأخلاقية، مؤكدةً أن دماء الأبرياء لن تذهب هباءً، وأن الصاع سيرد صاعين.

حول المرحلة الأولى للاستدراج واختطاف الطفلة بثينة الريمي من منزلها في صنعاء إلى عدن ومن ثم إلى الرياض، توضح بثينة تفاصيل قصة اختطافها من قبل العدو السعودي وهي ترتجف من استذكار تلك اللحظات، قائلةً: “أول حاجة قالوا لعمي نسير نتصور، وما أنا داري في أي مكان، ومن ثم استدرجونا إلى السعودية، طلعونا فوق طيارة للرياض، وكان عمي في الأمام ونحن في الخلف، وما كنت أعرف أن عمي معنا فوق الطيارة”.

وفي السياق، كان العدو منسقًا مع منظمة تسمى “مؤسسة سماء الإنسانية” وشخص آخر يدعى فؤاد المنصوري، ساهما في تسهيل عملية الاختطاف الشنيعة للطفلة وعمها وأسرته؛ حيث سبق لرئيسة مؤسسة سما الإنسانية، المدعوة “سما أحمد”، أن أوضحت في مؤتمر صحفي حينها تفاصيل اختطاف الطفلة بثينة الريمي، وبينت أن شخصًا يدعى فؤاد ثابت المنصوري قدم إلى مؤسستها الإنسانية التي كانت تتولى تنسيق بعض الأعمال الإنسانية لصالح الطفلة بثينة، وطلب منها التنسيق مع عمها لعمل تسجيل توثيقي للطفلة لصالح مؤسسة تسمى “صناع السلام”، على اعتبار أن يُبث الفيلم في الأمم المتحدة، وسيتم تصويره في العديد من الأماكن التي ارتكب فيها العدوان مجازر جماعية في صنعاء وعمران وذمار.

وقالت سما أحمد: “ذهبت معهم وكانت البداية من أطلال منزل عائلة بثينة في حي عطان، ثم قرر الانتقال إلى مجزرة “عرس سنبان” في ذمار، ومن هناك طلب منهم الانتقال في زيارة سياحية إلى دمت، ولم يرفض عم بثينة -الذي كان حاضرًا مع زوجته وأطفاله- طلب المدعو فؤاد المنصوري الذي كان ينفق بسخاء”.

وأضافت إنه وفي مدينة دمت، طلب منهم المنصوري أن يذهبوا لزيارة عائلته القريبة من المكان، وحينها اكتشفوا أنهم وقعوا في كمين؛ حيث أوصلهم إلى آخر نقطة للقوات المسلحة اليمنية ونقاطها الأمنية، وبعدها بمسافة كانت نحو 16 مدرعة لقوات العدوان بانتظارهم، فأوقف فؤاد السيارة وفرّ منها لتتولى تلك القوات نقلهم إلى المعاشيق في عدن، ومنها عادت “سما أحمد” لتبلغ الأجهزة الأمنية في صنعاء باختطاف بثينة، فيما تم اختطافها وعمها وأسرته على طائرة إلى الرياض.

وفي تكامل واضح بين المنظمات المتواطئة والعدو السعودي، تمت عملية الاختطاف بنجاح، وتبدأ بثينة وعمها مرحلة جديدة من المعاناة؛ حيث تقول عما جرى بعد وصولها إلى السعودية: “بعد الصعود على الطائرة عرفت أنهم خطفونا، وبعدها طرحونا في فندق، وعمي لم يكن موجودًا معنا، وكانت الحراسة شديدة علينا، ولم نكن نعرف أين هو عمي، وكنا خائفين عليه”.

وتتابع بصوت مليء بالرعب ونظرات تستذكر اللحظات الأليمة: “بعدها نقلونا إلى شقة، وكانوا يعاملوننا معاملة سيئة للغاية، وأخفوا عنا عمي، وكانوا يقولون لنا: أنتم اجلسوا هنا وممنوع الخروج”.

وبآهات ونظرات انكسار، تستعيد بثينة طريقة التعامل القاسي وتقديم الأكل من فوق الأبواب، قائلةً: “كنا في الشقة وهم يرجمون بالأكل من فوق الباب، لكن عندما نريد الخرج إلى الحوش أو نتطلع للخارج يصدوننا ويمنعوننا، وكانت الحراسة مستمرة كل لحظة، باب الباب، لم يتركونا للحظة”.

وفي محاولات للبحث عن بصيص أمل، تقول بثينة: “بعد هذا الخوف والرعب والحراسة المشددة وسجن عمي، بدأنا نعمل منشورات، ونرسل صورًا لعمي وليد الذي في صنعاء، ونقول له إننا مخطوفون وخائفون، وحبسوا عمي، ولا نعرف أين هو، وأنهم اختطفونا وما نحن داريين”.

وفي السياق، تضيف بثينة بكلمات فيها مشاعر الإنجاز وتذكر لحالة النضال من خلف القضبان، قائلةً: “بعد أن عملنا المنشورات وأرسلناهن لعمي وليد، بدأ ينشر، وبعدها السعودي شاهد منشوراتنا في الإعلام، فقاموا بإخراجنا إلى المطار لإعادتنا إلى اليمن، في ذلك اليوم، أفرجوا عن عمي علي وجابوه إلى عندنا للمطار وهو يلبس ملابس السجن، وكان شكله منهكًا كثيرًا، فسلمنا عليه، فحكى لنا القصة كيف كانت، وكيف كانوا يعاملونه، من بعدها طلعونا في الطيارة وعادونا لليمن”.

وحينها، استقبل رئيس المجلس السياسي الأعلى مهدي المشاط الطفلة بثينة الريمي وعمها وأسرته بعد تحررهم من الاختطاف، بحضور رئيس الهيئة الوطنية لشؤون الأسرى عبد القادر المرتضى، موجهًا بتوفير سكن وراتب لها، ومشيدًا بموقف الطفلة وعمها وصمودهما في مواجهة الترغيب والترهيب السعودي المجرم.

وبالتزامن، كان لهذه المنشورات التي بعثتها بثينة وعمتها من شقة الاختطاف والحديث عن إخفاء عمها عنهم، دور في أن يبدأ العالم يستحضر مصير الناشط السعودي “خاشقجي”، وزاد تعاطفه بشكل أكبر مع قضيتها، وضجت وسائل الإعلام المحلية والإقليمية والدولية بصورة بثينة وأيقونتها، والحديث عن جريمة الإبادة الجماعية بحق أسرتها وربطها بها، وتساءل العالم عن كيف سيكون مصير بثينة وعمها وأسرتها، ليُجبر العدو السعودي -وبضغوط من صنعاء على الأمم المتحدة حينها لتضغط على المجرم أبو منشار- على الإفراج عن بثينة وعمها وأسرتها وإعادتهم سالمين إلى الأراضي اليمنية.

بعد عشرة أعوام من الحرمان واليتم وفقدان كل أسرتها، ترسل بثينة أمنياتها كأي طفلة بريئة حُرمت من حق طفولتها، وحنان والديها، والعيش في كنف أسرة كبقية أطفال العالم، قائلة: “أتمنى لو أهلي يرجعوا ونعيش ونكون مجتمعين، ونعيش معهم، ويعيشوا معنا”، وتتردد الكلمات المتقطعة بالغصة والدمعة لتتحمل نفس المعنى: “أكون معهم ويكونوا معي، ونلعب، ونتكلم، ونذاكر الدروس، ونراجع الواجبات، ونذهب لزيارة الأقارب والجيران”.

مع كل أمنية، تزداد الغصة بقدر اليأس وفقدان الأمل، وكأنها أمنية لا مجال لتحقيقها، وهو ما تعكسه نظراتها المغمورة ببحيرة الدموع السافحة على وجه مليء بالريبة والخوف من لحظات كاد الموت فيها أن يكون أقرب، وأن يكون اللحاق بمن يسكنون الفؤاد والضلوع أحب.

رغم كبرها، إلا أن أمنياتها البسيطة تفحم كل طفل يضع نفسه مكانها ويتمنى لو كانت له القدرة على أن يخفف من معاناتها وحجم مأساتها.

هي أمنية في مضامينها رسائل عتاب ومحاسبة للعالم، تقول له ولكل المنظمات الإنسانية والحقوقية ومحكمة الجنايات الدولية: ها هي أمنيات طفلة حرمها بن سلمان من أسرتها، لكن ضمير العالم الحي يمكنه الانتصار لي بتحقيق العدالة، ويمكن لي أن أشب على الجرح إن رأيت قاتل أسرتي معلقًا على المشنقة، ويمكن لكل طفلة مثلي أن تنام بعد اليوم في أمان إذا ما تحرك الضمير الإنساني لينتصر لما بقي من القيم والمبادئ والمواثيق المدعاة في لوائح وتشريعات الأرض والسماء.

وتطالب بثينة بلسان ثقيل وكلمات صادقة لا تطلب المستحيل، وتدور حول أبسط ما يمكن لطفلة مثلها المطالبة به، قائلةً: “أطالب بإعادة حقوقنا كأطفال، وأن يحاسبوا من ظلمني وظلم أطفال اليمن، ومن يظلم أي طفل في العالم”.

وتتساءل بثينة عن مبررات الجريمة ومثيلاتها قائلةً: “ليش تعملون هذه الجرائم، ماذا علمنا بكم؟ وما هو ذنبنا لنستحق كل هذه البشاعة والوحشية والقسوة منكم؟ هل بقيت فيكم ذرة من دين أو نزعة من فطرة إنسانية سوية؟”.

بهذه الدعوة، تشتبك الأمنيات والمطالب التي تخرج من فم طفلة ذاقت أشنع صنوف القهر والحرمان، وتعرضت بعدها لمحاولات الاختطاف والإخفاء من قبل مجرم الحرب السعودي، لتعكس بهذه الجملة مقدار ثقتها بأن الله هو من يستطيع وحده الأخذ بالعدالة لها، ولأسرتها، ولكل مظلوم في اليمن، ومن سيقتص لها من بن سلمان وأتباعه الذين زين لهم الشيطان أعمالهم بالعدوان على الشعب اليمن المسلم المسالم.

عبارة أخرى تخفي في ثناياها عمق الأسى وغول الجريمة ومكانتها في قلب بثينة التي تطلقها بصيغة الدعاء والضراعة لله بأن لا يسامح العدو السعودي مهما كانت الحلول في الدنيا، قائلة: “الله لا يسامحهم، ما دام وهم مستمرون في ارتكاب هذه الجرائم في اليمن”. وهكذا جمعت بثينة بين الطلب والتعليل له، وكان لسانها يقول بالفم المليان: أوقفوا عدوانكم وحصاركم عن شعبنا اليمني، ألم يكفكم ما عملتم بنا؟ ألم يكفكم أنكم قتلتم كل أسرتي، أبي وأمي وإخواني وأخواتي؟ الله لا يسامحهم.

وقبل الانتهاء من مطالب بثينة المرفوعة إلى ملك السماوات والأرض ومن ينتصر لكل مظلوم، وبذات المستوى من الثقة، توجه نداءها للقيادة السياسية والعسكرية في البلد بقولها: “نشتي نطالب بأننا نرد الصاع صاعين”، بهذه المفردات المعبرة عن الاعتزاز مع الأسى والثقة مع الاقتدار، ترسل بثينة الريمي برقيتها لقيادة البلد ويد شعبها الضاربة، بالقدرات الصاروخية والطيران المسير، والمجاهدين في سبيل الله في كل الثغور.

وتتبع مطالبها بالدعاء إلى الله بأن الأعداء لا يبرؤون ذمتهم من حقها وحق أسرتها وشعبها قائلة: “الله لا يوفقهم ولا يبرئ ذمتهم”، وهو إصرار على ضرورة الأخذ بالقصاص والثأر وألا تسامح مع المجرمين.

وتطالب بثينة العدو بأن يوقف الحرب على اليمن قائلةً: “نقول للعدوان: يوقف الحرب علينا”، متسائلةً بغصة ودمعة وعتب واستفهام قهري يعكس ملامح الوجه وتقاسيم البراءة، ويدمي قلوب المستمع لحرقة الحروف وحشرجتها، قبل الخروج: “أيش ذنبنا؟ أيش فعلنا فيهم؟ وهذه رسالتي إليهم بأن يوقفوا الحرب علينا”.

ورغم مرارة الألم وكبر المأساة ووحشة استحضار اللحظات المريبة، تصر بثينة على عتابها المستمر، مختتمةً حديثها بتساؤل موجه للمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية والحقوقية وكل متورط في العدوان على اليمن، عمّا هو ذنب الأطفال والنساء ليقصفوا ويقتلوا بهذه الوحشية والإبادة الجماعية لأسر بكاملها؟ مضيفةً: “ماذا فعلنا بهم حتى يفعلوا هذا الشيء بنا وبأهلي وبالأطفال في اليمن”.

بثينة التي لا محامي لها ولشعبها، ولا ممثل لهم في الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة الجنايات الدولية -بعد أن تمكن العدو السعودي من شراء الشرعية الدولية مقابل مليارات الدولارات- ترفع صوتها المبحوح بصرخة عالية باكية ونبرة ممزوجة بعمق اليأس إلى الجهات الدولية ذات العلاقة بأن يحاكموا القتلة المجرمين، قائلة: “أطلب بمحاكمة مرتكبي جريمة قتل أمي وأبي وأخواتي، وأن يشفي الله غليل صدورنا منهم”.

بهذه المطالب المحقة والعادلة، تختتم بثينة -عين الإنسانية- مرافعتها للأمم المتحدة وملفها الإنساني إلى محكمة الجنايات الدولية من وسط الشعب اليمني المحاصر الموضوع تحت ما يسمى “البند السابع” من قبل من يعتدي عليه ويحاصره ويستمر في مضاعفة معاناته.

ولو كان ذلك ممكن، لوصلت بثينة اليوم إلى قاعة الأمم المتحدة وأوصلت ملفها بكل الوثائق والصور إلى محكمة العدل الدولية، لتبحث عن مدى المصداقية والجدية لتطبيق القرارات والنصوص التشريعية الوضعية التي تدعي نصرة المظلوم ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب وقتلة الأطفال؟