خوف الأعداء من المناسبة يزداد كل عام.. لماذا ينزعج الوهابيون ويحاربون مناسبة إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف؟
ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
30 أغسطس 2026مـ – 17 ربيع الأول 1448هـ
تـقـريــر ||عباس القاعدي
تُبْرِزُ الحشود المليونية في مختلف الساحات المحمدية، الأهمية الاستثنائية والحالة الإيمانية العظيمة التي يجسدها الشعب اليمني في احتفائه بذكرى المولد النبوي الشريف على صاحبه وآله أفضل الصلاة وأتم التسليم.
ويعد يوم الثاني عشر من ربيع الأول، يوماً استثنائياً، تحضر فيه كل تفاصيل الحكمة اليمانية، من خلال الحشود المليونية، والإحياء العظيم للمناسبة التي تتفاوت مظاهرها وتتعدد طقوسها بين البلدان على مر التاريخ في أفعال محمودة تجتمع على مدح الرسول صلوات الله عليه وعلى آله، والتغني بسيرته، وتعزيز الإيمان والطمأنينة والارتباط بالله ورسوله.
ويتجاوز الاحتفال في اليمن ذلك ليغدو مختلفاً شكلاً ومضموناً، فهو يُعد الأعظم حجماً على مستوى العالم في ميدان تنافسٍ يُحث فيه على تقديم النموذج المؤثر للعودة إلى رسول الله واستمداد العزة والوعي منه، خاصة في ظل ما تعيشه الأمة من ضعف وخضوع لأعدائها.
ويؤكد السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي – يحفظه الله- أن اهتمام الشعب اليمني بالارتباط برسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، وإحياء مولده يأتي في إطار نهضته التحررية القائمة على القرآن الكريم، والسعي لبناء نموذج حضاري إسلامي وفق الرسالة النبوية؛ فالرسول بالنسبة لليمنيين هو منهج حياة وموقف وممارسة، ويمثل الاحتفاء به مظهر فهمٍ عميق لمعنى الانتماء إليه.
وفي مقابل هذا المشهد التاريخي والحضاري الذي يرسمه اليمانيون حباً وتقديساً للنبي، يسود انزعاجٌ كبير وغضبٌ عارم لدى دوائر الأعداء بمختلف حلقاتها؛ حيث تتخفى كل دائرة خلف مبررات وأقنعة لتشويه ومهاجمة من يحيي هذه الذكرى، وتلتقي أهداف الأعداء عند خشية عودة الرسول قدوةً ومحركاً لسلوك المسلمين، لما يعنيه ذلك من نهوض أمة واحدة واعية وشجاعة تضحي في سبيل الله وللذود عن دينها وأرضها وكرامتها.
ويزداد خوف الأعداء مع تصدر الشعب اليمني للأمة وإقدامه على تقديم نموذج ملهم لمواقف العزة استناداً إلى القرآن والرسول، لإدراكه أن هذا الارتباط يصنع أمة عزيزة لا تهاب المستكبرين مهما بلغت قوتهم؛ وبذلك يبرز يمن الإيمان كشعبٍ هيأه الله لإسقاط فراعنة هذا العصر وتكسير أصنام الزمان امتداداً لرسالة الأنبياء، في مرتبة وكرامة لا تضاهيها مرتبة.
وتُفنّد إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف، ادعاءات من يزعم حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم ينزعج ويصاب بالأرق لرؤية الملايين تحتفي بذكره؛ إذ إن الحب الصادق يستلزم الفرح والتعلق والارتياح لرؤية الاهتمام بالمحبوب والالتفاف حوله، بينما تكشف محاربة شعائر الرسول عن انعدام هذا الحب.
وتسعى الدوائر المعادية -من خلال حربها الإعلامية والمذهبية- إلى تشويه المسيرة القرآنية والشعب اليمني المؤمن، عبر محاولات قسرية لقولبتهم طائفياً وعزله عن أمتهم، إلا أن الاحتفاء الاستثنائي بمولد الرسول يُسقط تلك الأكاذيب والتحريض الطائفي الذي أدارته قوى المخابرات الأمريكية والصهاينة وأدواتهم الوهابية لعقود، حيث يرى العالم الإسلامي أن اجتماع اليمنيين الكثيف لا يكون إلا لرمز الإسلام الأول، مما يُعري النفاق ويُثبت زيف تلك الدعايات.
ويتساءل البعض عن الامتداد الحقيقي للرسالة النبوية؛ فهل يمثله آل سعود في مملكة نجد، أم يمثله من يحمل راية الإسلام موقفاً وجهاداً ونصرةً للمستضعفين في فلسطين؟ لِتُخلص إلى أن مشروع الشعب اليمني -تحت قيادة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي- هو المشروع الوحيد الذي يتحرك بصدق في هذا الزمان، وينوب عن الأمة في نهضتها.
ولهذا، يرتعد الأعداء خوفاً من التفاف الشعب اليمني حول قيادته التي يرونها امتداداً لمواقف الرسول وسيرته، ويكمن جوهر الصراع في أن الأعداء يريدون تحويل النبي إلى مجرد ذكرى شكليّة أو محاربة إحيائها بذريعة “البدعة”، ليس كراهيةً للمعصية، وإنما لمنع إعادة ربط الأمة بقدوتها وقائدها وجهاده الذي يحتاجها المسلمون اليوم للخروج من الذل والهوان إلى آفاق الحرية والكرامة والاستقلال.
وتَكْشِفُ مناسبة المولد الشريف، عن المخاوف الكبرى لدى الأعداء، وعلى رأسهم اليهود والأمريكان، من ظهور قيادة في الأمة تُعتبر امتداداً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ حيث سعوا عبر المناهج والإعلام إلى ترسيخ فكرة انقطاع الرسالة برحيل النبي جسدياً قبل ألف وأربعمائة عام، بهدف إبقاء الأمة بلا قيادة أو مشروع، وتسليط حكامٍ خاضعين لهم ليُسام أبناؤها سوء العذاب، وليغدو الإسلام مجرد شكلٍ وطقوس خاوية تشبه “شجرة بلا ثمرة”.
ويُشكل ارتباط المسلمين بالنبي المصدر الأكبر لقلق الأعداء، لكونه الرمز الجامع والوحيد الذي تتفق عليه وتتحد حوله الأمة بمليارها المسلم في مختلف أقطارها ومذاهبها، ولأجل ذلك، يبذل الأعداء جهوداً جبارة لتغييب هذا الرمز الجامع وإبراز بدائل تُغذي الصراعات والانقسامات الطائفية.
وحين فشلت التيارات العلمانية والإلحادية في تحقيق هذا الهدف بالشكل المطلوبة، عمدوا إلى تفريخ جماعات تكفيرية مخابراتية -وفي مقدمتها الوهابية السعودية التي أنشأتها بريطانيا- لتحارب ذكر الرسول وشعائره باسم الدين والسنة.
وتواجه تلك الجماعات التكفيرية موقف انحسار وانكشافٍ محرج أمام مناسبة ذكرى المولد الشريف؛ إذ يتضح للجميع أن الانزعاج من ذكر الرسول والارتباط به لا يصدر إلا عن كافرٍ أو صهيونيٍ أو منافق؛ فالهدف الأسمى من إحياء المولد هو تعزيز الارتباط والاهتداء بالمنهج والسلوك النبوي وليس مجرد ممارسة طقسية خاوية، وبناءً على ذلك، يُعد غضب الأعداء وحربهم على هذه المناسبة أمراً طبيعياً، لكونهم يخشون نهوض الأمة وعودتها إلى مصدر عزها وقوتها وانتصارها المتمثل في رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله.
تُؤَكِّدُ السيد القائد في المقطع السابق، أن خروج الأمة الإسلامية من واقعها السيئ والمزري -وما تشهده اليوم من هوان، وفرقة، واختلاف، وفقدان للحكمة، واستباحة للكرامة- يُحَتِّمُ عليها تصحيح هذا الوضع القائم والمعالجة الجذرية لخللها الداخلي عبر العودة الصادقة إلى رسول الله ورسالته.
ومن هذا المنطلق، تتبين الدوافع الحقيقية وراء حرب الأعداء على مناسبة المولد النبوي الشريف ومحاربتهم لكافة المظاهر والشعارات والأفعال المرتبطة بها؛ إذ يكمن سر خوفهم في أن إحياء هذه الذكرى يُسهم بفاعلية في توعية الأمة وإخراجها من مأزقها، عبر إعادة ربطها برمزها وقائدها وأعظم وأفضل الخلق أجمعين، صلوات الله عليه وعلى آله.
وتُبْرِزُ الحرب الوهابية على الرسول محمد، امتداد السياسات القديمة والحديثة المحاربة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منذ عهد بني أمية، الذين وضعوا أحاديث تحط من قدره ومكانة الرسول لدسها في المناهج والمراجع، ووصولاً إلى التأثير الفكري الوهابي والإعلامي الذي يُسهم في الانتقاص من شخصيته وتغريبه عن الأمه.
وفور الانتقال للبحث عن النظرة المنصفة، نجد أن كبار المفكرين والمؤرخين الغربيين والشرقيين قد وقفوا بإجلال أمام عظمت النبي محمد، واعتبروه أعظم شخصية مصلحة ومؤثرة في تاريخ البشرية.
هذه الاقتباسات والشهادات الدولية، لكبار المفكرين المنصفين على مستوى العالم حول شخصية رسول الله، تُبْرِزُ الفرقَ الشاسع بين العظمة النبوية الجامعة وتلك المحاولات التكفيرية الممنهجة للإساءة لشخصية الرسول محمد صلوات الله عليه وعلى آله ، باسم الدين عبر الحركة الوهابية والجماعات التكفيرية. فقد أُسست هذه الحركات ورُعيت بريطانياً واستمر دعمها عبر المخابرات الأمريكية والصهاينة بتمويلٍ سعودي؛ للتدليس باسم الإسلام واستغلال وجود الحرمين الشريفين لتمرير مشاريع التضليل.
ويبقى محمد صلوات الله عليه وعلى آله، الأعظم والأرفع بين قادة البشرية والمؤثر الأول في التاريخ؛ فبرغم مرور أكثر من ألف وأربعمائة عام على وفاته، وبرغم كل محاولات قوى الشر والظلام لطمس ذكره، يظل هو المحرك والقدوة والقائد الأول في وجدان أكثر من ملياري مسلم.
المقطع السابق يبين الرؤية المنصفة لكبار مفكري العالم تجاه رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، بعيداً عن آلة الغرب الاستعمارية التي تعمل على تشويه الإسلام وتستهدف شخصية الرسول محمد، عبر ترسيخ الصورة النمطية للإرهاب والعنف وتفريخ حركات التكفير وسفك الدماء لتنفير الشعوب عن الدين ونبيه.
ولهذا، فإن المسؤولية الكبرى تقع اليوم على عاتق الشعوب المسلمة أمام عجز وخيانة معظم الحكومات والأنظمة التي تحولت إلى أدوات عميلة تُسهم في الحرب على الإسلام وتمنع الشعوب من ممارسة انتمائها الحقيقي كمنهج وموقف واستقلال، مما فرّغ الإسلام لدى الكثيرين ليصبح مجرد شكليات وطقوس بلا محتوى عملي يُذكر.
تُؤَكِّدُ كلمات الشهيد القائد السيد خسين بدرالدين الحوثي- رضوان الله عليه- الحجة الدامغة بأهمية إحداث ثورة معرفية شاملة تنفض الركام عن كتب السيرة التراثية والحديثة، وتتحرر من الطرح السطحي الذي يختزل حركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مجرد تواريخ جافة وإحصاءات صماء، كأعداد المقاتلين وتواريخ الغزوات دون إبراز شخصيته العبقرية الملهمة في وجدان المسلم.
وتُبَيِّنُ الاحداث والشواهد اليوم، أن التيارات الوهابية المُموَّلة سعودياً تعمل على الحطّ من قدر الرسول صلوات الله عليه وعلى آله وتجريم الاحتفاء به بذريعة الغلو والشرك، كاستهدافٍ ممنهج لتغييبه كقدوة وقائد، تلبيةً لمخاوف الحضارة الغربية واليهود من نهوض أمةٍ تحتفي بأثر نبيها. ويتجلى ذلك أيضاً في تعمد هدم المعالم والآثار الإسلامية الشاهدة على السيرة النبوية كبيت ولادته وبيت السيدة خديجة، في مقابل الحفاظ على الآثار المرتبطة بيهود تلك الفترة التاريخية.
يكْشِفُ حديث الشيخ الازهري، في المقطع السابق عمق المؤامرة الخبيثة التي تستهدف تغييب رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله عن أمة المسلمين؛ سواء كقدوة وموقف وسيرة حية، أو حتى كمولد وطقوس وشعائر إيمانية.
وحين تتضح للشعوب الحرة والعالم الإسلامي، أبعاد هذا المخطط، يدرك المرء القيمة الجوهرية للارتباط بالنبي وأهمية إحياء ذكره بأعظم وأضخم صورة على مستوى العالم، ليكون ذلك دافعاً لبعث الأمل في نفوس المحبين وتحريكهم على النهج ذاته، ورسالةً صريحة للأعداء بأن كل جهودهم لطمس المنهج النبوي ستنتهي إلى السقوط والفشل.
وبالتالي، فإن واقع الأمة الإسلامية الراهن يتطلب حركة استثنائية شجاعة تدك عروش الباطل، وتحطم أصنام العصر، وتسقط هيبة المستكبرين؛ ومن هنا تتجلى حاجة الأمة إلى النموذج الملهم الذي يجسده الشعب اليمني من خلال ارتباطه الصادق برسول الله؛ ليحطم هالة الخوف، ويعيد للأنظمة والشعوب ثقتها بنفسها، ويقدم تجربة حية تجسد المعنى الحقيقي للانتماء للإسلام ونبيه في هذه المرحلة الفارقة من تاريخ البشرية.
