بعد عقد على الجريمة.. بثينة عين الإنسانية تروي تفاصيل الإبادة وتطالب بالعدالة [الجزء الأول]

6

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
30 أغسطس 2026مـ – 17 ربيع الأول 1448هـ

تـقـريــر || منصور البكالي

خمسة عشر عاماً، وفي عينيها تسكن حكايات عشر سنوات من اليتم والقهر والحرمان وهول المصاب، بثينة الريمي، الطفلة التي حفظ العالم صورتها وهي تفتح جفنيها المنتفخين بأصابعها الصغيرة في أحد مستشفيات صنعاء، تعود اليوم لتفتح دفاتر المأساة على مصراعيها، وتكشف كيف ينمو الألم مع الإنسان حين يسلب منه دفء العائلة في لحظة غدر وأبشع جريمة حرب عرفتها الإنسانية.

تعود بثينة بذاكرتها إلى يوم الـ 25 من أغسطس 2017م، حيث كانت الليلة الهادئة في فج عطان على موعد جريمة إبادة لأسرتها بصواريخ الطائرات السعودية، فتتذكر بثينة تفاصيل دقيقة كأنها تحدث الآن: أمها التي كانت تصوم العشر من ذي الحجة، وأباها الذي جاء من المطبخ حاملاً السكر، وأختها رغد التي أيقظتها لتخرجها قبل أن تأتي الصواريخ المتتالية لتهدم البيت فوق رؤوس الجميع.

تعيد بثينة للعالم اليوم رواية تفاصيل اللحظات الأولى للجريمة بقولها: “أتذكر من الحادثة كنت راقدة أنا وإخواني في الغرفة، وبعدها سمعنا الضرب، وخفنا ورحنا إلى غرفة أمي، وكانت أمي تصوم العشر من ذي الحجة، وأبي كان يجلب لنا سكرًا من المطبخ، وحينها كانت أختي رغد نائمة، فقُمنا بإيقاظها ، فجاء أبي ليُعطينا السكر، فيما كانت أمي ترتدي ملابسها لنستعد للخروج من المنزل حتى يهدأ ضرب الطيران السعودي”.

وبعينين مرعوبتين تتابع بثينة – وكأنها تعيش اللحظة من جديد، ووجه مثقل بملامح اليتم والقهر والريبة، ولسانها بالكاد تخرج منه الكلمات المتقطعة بالأنفاس الموجوعة بالمشهدية المستمدة من خلايا الذاكرة الأليمة: “بعدها ونحن في بوابة المنزل جاء الصاروخ الثاني فرجعنا إلى الداخل، وبعدها جاء الصاروخ الثالث ليضعنا تحت الانتقاض”.

وتسترجع بثينة الأنفاس وترمي بعينيها صوب اليمني لتعيد استنهاض الذاكرة وتفاصيلها الحزينة، قائلةً: “بعدين ما عاد دريت كيف؟ كنت تحت تراب، وبهذه الكلمات التي تخرج من جسد مرتعش تعيد بثينة شرح الجريمة ووجهها يعكس وحشة المنظر وثقل لسانها يعيد لجسدها ضخ زخة الأدرينالين مجددًا، لتروي للعالم اليوم كيف تم وأد الطفولة في اليمن.

ومن تحت التراب كذلك تعيد بثينة تقديم أملها وتساؤلاتها بقولها: “حتى الصباح سمعت الناس يصيحون لنا “ينادوننا” وكنت أفكر وأنا خائفة تحت التراب، ولا أستطيع التنفس، وأتساءل مع نفسي كيف ومن سيأتي لينقذني، وهل سأعيش أم سأموت؟ أين أهلي؟ أين أبي؟ كيف أفعل؟

جملة التساؤلات تضع كل ذي عقل في مكان بثينة، وتقول للمجتمع الدولي، ولشرائع الأرض والسماء، هذه اللحظات بين أيديكم، فما هو ذنبي، ومن هو المجرم، وكيف لا يزال بن سلمان حرًا طليقًا، وكيف لألسنتكم وأقلامكم، وقوانينكم المدعية للإنسانية، أن تقف متفرجة أمام جرم كهذا؟ وخلال عشرة أعوام لم ألمس العدالة.

كم بقيت تحت الأنقاض

بثينة اليوم حين سألها الصحفي عن “كم بقيت تحت الأنقاض؟”، تجيب “من الساعة الواحدة أو الثانية ليلاً حتى الصباح؟ فهل يستطيع أمين عام الأمم المتحدة أو القائمون على المنظمات الحقوقية والإنسانية تخيل مستوى الفظاعة، وأن يضعوا أنفسهم مكانها؟ الإجابة متروكة لهم وتنتظر بثينة الرد بالأفعال والانتصار للقوانين والقيم والمبادئ الإنسانية.

وتستذكر بثينة لحظاتها وما كانت تسمعه تحت التراب قبل أن يتم انتشالها منه، وبعد أن عرف المنقذون مكان تواجدها وسماع صوتها، بالقول : “كنت أسمع أصوات وحديث الناس من فوق الأنقاض وهم يتساءلون: “أين أهلها؟ أين أبيها؟ كيف نفعل؟” متابعةً “وكنت أسمع سيارة الإسعاف.”

كيف تم انقاذك

تجيب بثينة على هذا السؤال بكلمات مترابطة السرد قائلة: “بدأوا بفتح الحجارة ورفعوهن من فوقي، وبعدها رفعت يدي، وكنت أسمع أصواتًا من حولي، وأنا خائفة، ومن ثم رفعني عمي وأخذني إلى المستشفى.”

سر حركة الأيقونة

كنت أسمع ولكنني لا أرى، وعن الإصابات التي كانت في جسدها تقول: “كان فيّ إصابات وكدمات في جسمي ورأسي حتى كبرت عيناي، ولم أتمكن من مشاهدة الناس من حولي، وكنت أسمع ولكنني لا أرى، وكانوا يقدمون لي الهدايا وأنا في المستشفى، ولم أعرف هؤلاء الناس، فكنت مستغربة، وجاءت لي الفكرة بأن أفتح عيني بشدها عبر أصابع يدي لأعرف من يقدمون لي الهدايا، وبعدها كنت أشاهد الناس من حولي، وعمي وخالتي، وعيالهم.”

وتضيف بحرقة الشوق وألم الفراق وهول المصاب: “حين كنت أشاهد عمي وخالتي وعيالهم، كنت أفكر: أين أهلي؟ وأين إخواني؟ وأين أخواتي؟ وكنت خائفة في ذلك الوقت، وكنت أسأل عمي: أين أمي؟ أين أبي؟ وأين أهلي؟ وكان يقول لي: هم سيأتون”، لكن الحقيقة المرة لم تظهر لبثينة بعد، وها هي تعيد طرح السؤال وتكرره، ويكرره معها ومن خلفها كل أيتام اليمن وفلسطين، وكل أحرار العالم ومن بقي في قلوبهم وضمائرهم نبضة من الإنسانية.

وتردف بثينة: “أكثر من كنت خائفة وقلقة عليهم هم أمي وإخواني وأبي، وكنت أقول: كيف حالتهم؟ كيف حال أختي رغد؟ كيف حال أخي عمار؟ أين هم؟ لم أراهم؟” فبكت وتقطعت الكلمات بعد عشرة أعوام من ذاكرة لم تفارق هول الجريمة للحظة، فيما المجرم لا يعير ما أجرم به أي انتباه سوى المزيد من محاولات إخفاء الجريمة، وغسل يديه الملطختين بدماء الطفولة في اليمن.

مليارات الدولارات للمنظمات والهيئات الإنسانية والحقوقية، والوسائل الإعلامية لتصمت عن الحديث عن مأساة بثينة التي تصدرت وسائل الإعلام العالمية واهتمامات المنظمات الإنسانية لحظتها، وخرست بعد أن تم مقايضتها بالمال السعودي، والتوجيهات الأمريكية وتهديداتها.

بعد خمسة أيام لم يحن رؤية أسرتها

بثينة استمرت في الانتظار حينها لخمسة أيام وهي في المستشفى لعل وعود عمها وخالتها بقدوم أهلها وأسرتها تتحقق، إلا أن الحقيقة مخفية.

وسبق للغارات التي وضعتها تحت الأنقاض أن مزقت أجسادهم أشلاء، وبعثرت أجسامهم بين الدمار والنار والحديد والبارود، وتم تجميعهم قطعة قطعة ليدفنوا بين أكياس، فكانت الناجية الوحيدة بعد أن أصيبت في جسدها، وتم إصابة قلبها، وهدم طفولتها مدى الحياة.

وهنا تقول: “بعد خمسة أيام قلت لعمي: هيا، وأين هم أبي وأمي وإخواني وأخواتي؟ ولماذا لا يأتون؟” قال: “هم عند رحمة الله في الجنة وكذا”، ومن بعدها زعلت وبكيت، وكنت أردد: “أين هم؟ أين هم؟” وأبكي، ومع إعادة الكلمات كانت دموع بثينة تنزل على خدها وصوتها يتلعثم وتبكي مجدداً أمام عالم لا يسمع ولا يرى، ولا يتحرك، وإن استمرت بثينة ومثيلاتها في اليمن والعالم في البكاء والشكوى لعقود قادمة، وإلى حين يأخذ الله بظلمهم وينتصر للذين قتلوا، والله على نصرهم لقدير.

وتعيد بثينة سرد وإحصاء الشهداء من أسرتها “الذين استشهدوا من أسرتي هم أمي وأبي، وخالي، وإخوتي، وأخواتي، أختي الأولى آية، وبعدها آلاء، وبرديس، وعمار ورغد”.

وعن حالتها بعد الإبادة لأسرتها تقول: “كنت في حالة رعب وخوف، وكنت أقول متى سأراهم، وكيف لي رؤيتهم مجددًا؟ وكنت أسأل عمي وهو يقول: “ستراهم في الجنة إن شاء الله، ونجتمع نحن وهم وكذا”.

مرور عقد من الفراق الفقد يزداد

وبعد عقد من الفراق، تتحدث بثينة عن مستوى فقدها لأهلها وأسرتها، وهي تذرف دموع الشوق والحزن واليتم في آن واحد، وتقول: “أنا فاقدة لأمي وأبي وإخوتي، ومشتاقة لهم”، فيزيد بكاؤها وتتقطع كلماتها، ولم تتمالك نفسها للحديث أمام الكاميرا، حتى شاركها من حولها الحزن وألم اليتم، والجريمة المقصودة عن قصد وترصد من غرف عمليات بن سلمان القاتل.

بثينة اليوم، لم تعد تلك الطفلة التي تلهو بالألعاب هرباً من الواقع المرير، لكنها تحمل في قلبها وبين أرشيف أعمالها، وخطوات مستقبلها، ملفات العدالة والقوانين الدولية، متمسكة بحقها المشروع في ملاحقة قاتل عائلتها، ومؤمنة بأن لها شعباً هم أسرتها، وقيادة حنونة لا يمكن أن تفرط في قطرة دم واحدة من دماء شعب صبر وثبت وجاهد في سبيل الله، وأنفق ورفد الجبهات بقوافل المال والرجال، ولم يغفل للحظة واحدة عن الإعداد والجاهزية للأخذ بالثأر وتحقيق الوعد الإلهي بالانتصار على كل باغٍ، معلناً معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد.

وفي الجزء الثاني من قصة بثينة ومعاناتها، تروي لنا قصة اختطافها من قبل العدو السعودي، وهو ما سنتعرف عليه وإياكم يوم الغد إن شاء الله، وللقصة بقية.