شعب لا يشبهه أحد اليمن يرسم أكبر لوحة ولاء للرسول الأعظم

3

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
28 أغسطس 2026مـ – 15 ربيع الأول 1448هـ

تقرير || وديع العبسي

ليست المرة الأولى التي يفرض فيها مشهد الاحتفال اليمني بذكرى المولد النبوي الشريف نفسه على المتابعة العالمية، غير أنه هذا العام جاء بصورة أكبر وأوسع؛ إذ عكس الحضور والاهتمام الشعبي الواسع بالمناسبة أن الارتباط بالرسول الكريم وإحياء يوم مولده ليس وليد تفاعل لحظي مع المناخ العام، وإنما ترجمة عملية لعمق الحب والانتماء للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

منذ منتصف شهر صفر الماضي، كانت مختلف المناطق اليمنية تشهد زخماً منقطع النظير من الاحتفالات والتجهيزات بقدوم هذه المناسبة. على مستوى كل جهة ومؤسسة وحي ومدرسة.. كان ذكر الرسول الكريم يُعمّر قلوب اليمنيين بعوامل القوة والثبات على الدين وتعاليمه، وعلى كل قيم الخير ومنطلقات التصحيح للاختلالات التي شوهت صفو نهج الحياة التي ارتضاها الله للإنسان على الأرض.

النموذج الأبلغ في تعظيم شعائر الله
وفي يوم المهرجان الأعظم كان شوق القلوب قد نضج وبلغ ذروة الاستعداد لإحياء المناسبة الكبرى، فتسابقت الأرواح إلى ساحات الرسول الأعظم لتنشد نشيد الولاء والانتماء لمن جاء بنور الهداية، وتأكيد حضوره الدائم في وجدان شعب لم ينفصل عنه يوماً، شعب لم تبهره بهرجة أنصار الشيطان وهم يحاولون طمس نقاء وصفاء الاستقامة بتفاهات الحياة ومباهجها الزائفة.

جاءت لوحة الاحتشاد أكبر وأبلغ من كل التوقعات، فواكبتها المتابعة العالمية من على بُعد آلاف الكيلومترات لتثبت وصول الرسالة؛ إذ نجح اليمنيون -كما كان عهدهم الأول في فجر الإسلام- في إيصال الصوت المحمدي إلى أصقاع الأرض، وقدموا النموذج الأبلغ تعبيراً في تعظيم وإحياء شعائر الله التي هي من تقوى القلوب. وكما أن من يتق الله يجعل له مخرجا، فقد بدأت التناولات الفكرية والتحليلات السياسية والإعلامية تربط بين المستوى الذي بلغه اليمنيون في فرض وجودهم وإرادتهم، وبين عمق تمسكهم وارتباطهم بعقيدتهم وهويتهم الإيمانية.

اليمنيون وحب النبي كما كانوا في التاريخ
ولم يكن المشهد المليوني للاحتفالات اليمنية بالمولد النبوي حدثاً محلياً مر مروراً عابرا، بل شكل محط اهتمام واسع لدى وكالات الأنباء ومراكز الأبحاث والمواقع الإخبارية الغربية والدولية كما كان كذلك قديماً. فعن الماضي أفرد العديد من المستشرقين والرحالة الغربيين (الذين زاروا اليمن خلال القرن التاسع عشر ونصف القرن العشرين) مساحاتٍ مهمةً في مدوناتهم وكتبهم لوصف مظاهر الاحتفاء اليمني الفريد بذكرى المولد النبوي الشريف، إذ سجل الرحالة الباحثون -بكثير من الذهول والدهشة- كيف كانت المدن اليمنية التاريخية، وعلى رأسها صنعاء القديمة، وزبيد، وتريم، وشبام، تكتسي حلة ضوئية وجماهيرية خاصة مع إهلال شهر ربيع الأول. وأشاروا إلى أن المجتمع اليمني يملك تقاليد صوفية واجتماعية وإيمانية عريقة ومتوارثة عبر القرون. ورصدوا كيف تبدأ المجالس والكتاتيب والمساجد بقراءة السيرة النبوية (مثل كتابات البرزنجي والديبعي)، وترديد المواشيح والمدائح النبوية بالدفوف والأنغام اليمنية الأصيلة. وأكدت تلك الشهادات القديمة أن الارتباط اليمني بشخص النبي محمد لم يكن مجرد أداء لطقس ديني تقليدي، بل كان يمثل النسيج الموجه للحياة الاجتماعية، ومصدر التكافل والتماسك القبلي والحضري في مواجهة الفتن والأزمات.

أكبر من المعاناة والحصار والعدوان
أما في العصر الحديث ومع تصاعد الأحداث في المنطقة، فقد أصبحت المشاهد المليونية للاحتفال بالمولد النبوي في اليمن مادة لتقارير كبريات وكالات الأنباء الدولية، مثل “رويترز”، و”فرانس برس” (AFP)، و”أسوشيتد برس”، إلى جانب الشبكات الإخبارية العالمية كـ “بي بي سي”، و”دويتشه فيله”، و”فرانس 24″، فضلاً عن الصحف الكبرى ومراكز الأبحاث الغربية كـ”معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى”، حيث خصصت مساحات واسعة لتغطية هذه التظاهرات البشرية الهائلة. وأشارت العديد من التقارير الغربية بدهشة وإعجاب إلى القدرة التنظيمية والاحتتشادية الفائقة التي تبديها المحافظات اليمنية في ظل ظروف المعاناة والحصار والعدوان. وعبرت وسائل إعلام عديدة عن أن هذه التجمعات المليونية التي تكتسي باللون الأخضر وتكتظ بها الساحات من صنعاء إلى صعدة والحديدة وتعز وإب وغيرها، تعد من أكبر التجمعات الدينية والسياسية على مستوى العالم الإسلامي بأكمله، بل إن بعض التحليلات الغربية ذهبت إلى اعتبار هذا الاحتشاد المتجدد سنوياً رافعة سياسية وشعبية استراتيجية تعكس تماسك المجتمع اليمني، وتجسد نمطاً فريداً من التعبئة الإيمانية والشعبية التي تعيد كتابة موازين القوة في المنطقة، وتؤكد أن الشخصية اليمنية تجد في الرسول الأعظم رمزاً مطلقاً للتحرر والمقاومة والسيادة.

المنفصلون عن منهج الرسول الأعظم
في المقابل، يبرز المشهد على غير ما عليه في أولئك الذين اتخذوا طريق التخاذل والانفصال عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ومنهجه الخالد. انفصال لا يعكس موقفاً سياسياً عابراً أو اختياراً فكرياً ثنائياً، بل هو انحراف عقائدي وأخلاقي تتجلى آثاره في التبعية والاستكانة لمشاريع الهيمنة والعدوان. لقد اختار هؤلاء المتخاذلون الارتهان لأعداء الأمة، والتنكر لقيم العزة والكرامة التي جاء بها نبي الرحمة والإنسانية صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله.

ولا شك أن التخلف عن إحياء هذه المناسبات العظيمة والتقليل من شأنها أو السعي لتثبيط الهمم عنها، يعكس حالة من الخواء الروحي والتبعية الفكرية التي رانت على قلوب من استبدلوا بدائل الغرب وأوهام العولمة الثقافية بأصالة انتمائهم المحمدي.

وفي الوقت الذي يحتشد فيه ملايين اليمنيين ليؤكدوا أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم هو القائد والأسوة والمرجع، يسعى المنفصلون إلى تجريد الأمة من مصدر قوتها الوحيد، مروجين لمفاهيم التحلل والمهادنة تحت مسميات التجديد أو الحداثة الزائفة.

إن التاريخ يثبت عبر مختلف محطاته أن الشعوب والأمم التي تتنكر لأنبيائها، وتتخلى عن قادتها العظام ورسالتهم التحررية، تسقط حتماً في فخ الهوان والعبودية والاندثار الحضاري، وتصبح مجرد أدوات تابعة ومستهلكة في هامش الحضارات الأخرى. في المقابل، تظل الشعوب المتمسكة بهويتها المحمدية الأصيلة، والمستمدة لقوتها من السيرة النبوية العطرة ومواقفها الخالدة في مواجهة المستكبرين، عصية على الانكسار والإخضاع، قادرة على تجاوز أعتى الظروف وأشد المتخاذلين المنبطحين أمام أعدائه، توضح بصورة جلية الفرق بين الروح الحية التي تستمد بقاءها من التوحيد والرسالة، وبين الأرواح الميتة التي ارتضت أن تكون ذيولاً لمن يحاربون الله ورسوله.

ثبات الموقف وأصالة الانتماء
إن استمرار الاحتفاء اليمني بذكرى المولد النبوي بهذا الزخم والتطور المتصاعد سنة تلو أخرى، يوجه رسالة صارمة لكل القوى الدولية والمتربصين بالأمة، مفادها: إن جذور هذا الشعب ضاربة في أعماق التاريخ الإيماني، وإن المحاولات المستمرة لفصله عن مقدساته ورموزه الكبرى أثبتت فشلها الذريع، وإن اليمنيين سيبقون -كما وصفهم النبي الكريم- “أرق قلوباً وألين أفئدة، الإيمان يمان والحكمة يمانية”، وسيبقى يوم مولده الميمون محطة تزوّد إيماني وسياسي وأخلاقي، يجدد فيه هذا الشعب العظيم عهده وميثاقه مع نبي الرحمة، ومواجهة كل قوى الاستكبار والتخاذل بثبات لا يتزلزل ولا يحيد.

وعلى هذا النحو يقدم اليمنيون للعالم الإسلامي والإنساني ككل رؤية عملية لمفهوم “الارتباط المحمدي”، حيث يغدو الرسول الشريف حاضراً في موقف الحق، وفي نصرة المظلومين، وفي مواجهة قوى البغي والطغيان. وسيبقى هذا الاحتفاء السنوي رسالة ثبات وأصالة، تؤكد أن اليمن -الذي كان سنداً وعماداً للفجر المحمدي الأول- سيبقى دوماً حاملاً لراية الحق، غير مبالٍ بالتحديات، ومستنداً إلى قيم التوحيد والحرية والعزة التي جاء بها خاتم الأنبياء والمرسلين.