المولد النبوي الشريف في اليمن: احتفال يعكس الهوية ويصنع الانتصار

4

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
26 أغسطس 2026مـ – 13 ربيع الأول 1448هـ

احتفل اليمنيون بمولد النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بطريقة لم يشبههم فيها أحد من العالمين، إنها اليمن التي تتميز عن كل الشعوب الإسلامية، حيث تضع لكل شيء حقه، فالرسول الكريم يجب أن يحتل الصدارة في قائمة المناسبات الدينية من بين سائر الشخصيات العظيمة في الإسلام، إنها الذكرى التي يفرح فيها اليمنيون الأحفادُ بمولد النور الكريم كما فرح اليمنيون الأجدادُ بتوفيق الله لهم في أن يكونوا أنصاره المخلصين، احتفل اليمنيون في هذا المولد بطرق مختلفة وبأشكال فريدة، وبطرق كلها تصل بهم إلى البركة النبوية، والحياطة الإلهية، والمقاصد الإسلامية، احتفالا يسلك بهم جادة صراط هذا النبي الوهاج، ويقفو بهم واضح المنهاج.

في ظل الحصار والإفقار وبعد سنوات من العدوان الذي تجمَّعَ تحت رايته الشيطانية كلُّ شذاذ الآفاق وطواغيت العصر – احتفل اليمنيون واكتست بلدتهم الطيبة وشاحها الأخضر، وفرحوا بفضل الله وبرحمته، وأثبتوا أنهم شعب الإيمان والحكمة بحق، فلا أحد هنا أولى بمقام هذا النبي الكريم، ولا تقصير أبدا عن حق عظماء الإسلام من أهل البيت الأكرمين ، وهذه خصوصية يمانية لا نجدها في بلد إسلامي آخر، خصوصية تعلل وتفسر ماذا يعني (الإيمان يمان والحكمة يمانية والفقه يمان).

اليمن يتجاوز ظلمات الجاهلية
في ظل هذه الحصار وتحت سماء هذا العدوان المتوحش تجمّع الملايين من اليمنيين في ساحات يمّمت بهم شطر القدوة الحسنة والأسوة الكريمة، محمدٍ سيد الأولين والآخرين، والعجب أن أعداد المحتفلين الفرحين بنعمة الله تضاعفت هذا العام متحدية أولئك المعادين لمشروع النبوة العادلة، والمناصرين لمشروع الجاهلية في صورتها الحديثة المتمثل في أمريكا وإسرائيل وعملائهم آل سعود وبعض دويلات الخليج، الذين لا يفتأون يحذِّرون من الاحتفال بمولده والفرح بنعمة الله وفضله عبر وعاظهم ومفتيهم ومن على منابر المسلمين في الحرمين الشريفين، يريدون إلهاء الناس عن الاتجاه نحو قدوتهم الحسنة والبقاء رهن تأثيرات قدواتٍ سيئة وشيطانية وطاغوتية جاهلية تناهض أساسا مشروع النبوة العادلة وتعبث دائما بالمشروع الإسلامي.

إنها اليمن شعب الأنصار وأحفاد الأوس والخزرج شقّوا طريقهم من بين ركام الجاهليات الظاهرة والمقنّعة ليتجهوا في مسيرة حية حييت بالقرآن نحو أسوتهم الحسنة، وخلعوا كل تلك الأصنام والأوثان من القيادات المنحرفة والأنظمة العميلة والأموال الخليجية الشيطانية والعصبيات الجاهلية، واتخذوا من مولده صلى الله عليه وآله وسلم مولدا لهم، وتفاجأ العالم بأن هذا الشعب الذي يتعرض للتدمير منذ 12 عاما بأفتك آلات الموت وأضخم وأدق آلات التدمير بات اليوم أقوى نفسية من ذي قبل وأكثر اندفاعا إلى المشروع القرآني والهدي النبوي واتضح أن كل مؤامراتهم الجاهلية التي استهدفت الإسلام في قلوبهم وواقعهم وفكرهم واتجاهاتهم باءت بالفشل.

الشوارع تزينت، و الساحات والقاعات والمساجد والمجالس تعطرت بذكر شمائل من تضوّعت الأرض بأريج مولده، وهنالك الأبطال من الجيش يحتفلون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم على طريقتهم في التنكيل بأعداء الله من طفيليات الجاهلية الحديثة ومرتزقة أئمة كفرها، وهناك أيضا وحدات الصناعة الدفاعية الصاروخية احتفلت به صلى الله عليه وآله وسلم بتسجيلها كل يوم تقدما جديدا في هذا المضمار، فتحلق شُهُبًا مزلزلة وصواعق مزمجرة تقضي على آليات القتل وتبعثر طائرات الموت التي سلطها الجاهليون السعوديون على شعبنا وأطفالنا ونسائنا، وشعبٌ يتعلق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويتصوره قائدا عظيما كان يحتمي به أصحابه إذا حمي الوطيس لهو شعب قوي الروح متوقد الإيمان مشتعل الحركة والنشاط، يحث خطاه إلى النصر المبين والفتح الأعظم الذي سيعقب هزيمة الأحزاب شذاذ الآفاق الذين يكررون خطأ أوائلهم في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

العدوان إذًا يترنّح في خسائره، ويتخبط في ورطته، والمعلَن منها شيء كثير، وما خفي أعظم وأعظم، ومن ينطلقون من منهاج النبي الكريم ومبادئه العادلة وأخلاقه العظيمة لا بد أن ينتصروا، ولا خيار لهم إلا النصر؛ لأنهم يحملون مشروعا عادلا، ورؤية واضحة، لا عدوان فيها، ولا ظلم، ولا حيف، وهكذا تتحرك المعادلة إلى طريق النصر لهذا البلد المعطاء، فبينما العدوان تكثر خسائره، وتتفتت جبهته، ويكثر هرجه ومرجه، وتفشل رهاناته، يتقدم أحباء النبي الكريم وأنصاره في كل الميادين ومختلف المجالات، فيقوى ساعدهم، ويشتد عود أبطالهم، وينمو عمود أحقيتهم، وتتصاعد خبراتهم العسكرية والسياسية، وتضيق مساحة الاختلافات بينهم.

ذكرى المولد النبوي ذكرى ميلاد أمة
يمثّل اليوم مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكرى الأمة العظيمة الذي ينبغي أن تتخذه مناسبة في كل عام لتتمثل الحالة التي تعيشها اليوم والتي قد تشبه حالة الجاهلية من وجه أو آخر، فتكون الذكرى باعثة للتحليق في أجواء النبوة وأخلاق الرسالة وتعاملات الوحي الإلهي ليكون للأمة نصيب وافر وجزء مهم من هذا التراث الإلهي النبوي، والذي يجب أن ينعكس على آمالها وأخلاقها وعلاقاتها، حتى تتخلّق من جديد، وتتولد في أنحائها الوحدة بدلا من الفرقة، والعلم بدلا من الجهل، والرابطة الإسلامية بدلا من الروابط الأخرى، والعزة بدلا من الذلة، والهدى بدلا من الضلال والتيه، والقوة بدلا من الضعف، والعمل الصالح بدلا من العمل السيء، وبه يظهر كيانها الموعود به عند الإيمان والعمل الصالح والاستقامة والسداد، (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) النور 55.

يجب أن تكون ذكرى المولد النبوي مناسبة لحمل مشروع الأمة الواحدة التي تحكم بمنهج الله، وتسلك سبيل العلم والسداد الذي به حياتها ونجاتها وطريقها إلى رضى الله والجنة، ومن أهم مشاريع الأمة أن تنفض غبار الجهل الذي لوّث حياتها، وسمّم أجواءها، واختزل جهودها في السفاسف، وضيّع آمالاها في الترهات، وإنه لمناسبة جليلة أن تتذكر الأمة أنه لا يجوز البقاء في الجاهلية الحديثة التي ابتعدت عن منهج الله، واتخذت لها أندادا من دون شرع الله، فعبدت المادة، وشرعت للأهواء، وسارعت إلى العصبيات الباطلة، واجتلبت مناهج وقوانين ومواقف ورؤى لم ينزل الله بها سلطانا.

كما يجب أن تكون الذكرى مناسبة لتجديد العهد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما يمثله للأمة من أسوة حسنة، وذخر كريم، ومنهج عظيم، ورسول عزيز عليه عنت أمته، وبالمؤمنين رؤوف رحيم، الذي أدّبه ربه فأحسن تأديبه، وكان على خلق عظيم، وبهذا يجب أن تتحرك الأمة لغرس قيمة محبته في قلوب المتبعين له وفي عقول الأجيال الصاعدة باعتبار محبته فرضا دينيا يأبى قبول أكاذيب هؤلاء المتربّصين بالإسلام والمفترين على نبيه الكريم.